الراصد القديم

2011/11/09

عباءة وطنية لطغيان الطوائف، المسكوت عنه في الحراك السوري؟!!


سليم نقولا محسن

* لا يمكن لأحد أن يدعي أن الحال في سوريا يندرج في وضع الدولة الفضلى، فإن سلسلة القرارات التي اتخذها الرئيس السوري من رفع حالة الطوارئ في أجواء حرب معلنة من القوى الخارجية المعادية، (وإن كانت لم تزل في إطارها السياسي المفتوح على تدخلات ميدانية باسم الحرية والديمقراطية والمصاحبة لاستدخالات اضطرابية مفضوحة على الساحة السورية لإسقاط الدولة تحت عنوان إسقاط النظام)، وما تبع هذه القرارات من إصداره لعفو عام عن السياسيين يشمل جرائم الأخوان، إنما يؤكد ذلك، وهو اعتراف بالمقابل بحدوث تجاوزات سابقة من قبل موظفي السلطات المعنية، وأن للرأي الآخر في سوريا على اختلافه مكان، ولكن ما يعيب على من يدعي الثقافة والعلم والمعرفة (إذا افترضنا حسن النية لديهم) هو استرخاؤهم وابتعادهم عن البحث وخضوعهم للأخذ بالمقولات الجاهزة وإيحاءات عناوين المثاقفات الرائجة والمروجة وفبركات نشرات الأخبار العدائية المغشوشة على أنها حقائق، ليتحولوا من مثقفي البناء إلى همج التخريب؟ مع أن الوضع حساس ودقيق يحتاج إلى تدقيق وتمحيص، يقتضي منهم التقصي من المصادر لمعرفة الأسباب وأيضا ظروف نشوء مختلف التعاريف والمقولات المستخدمة، لا تبنيها كقالب جامد أبدي صادرة عن إلهام عليوي مقدس، يتطلب المفارقة مع واقع الوطن وظروفه وبالتالي استصدار إعلانات (جهادية) عدائية تهديمية استئصالية حسب الطلب؟ على هذا الواقع المغاير حتى إخضاعه.

ولعل هذا يقودنا إلى تاريخ الوضع السياسي السوري والعربي في العصر الحديث منذ اصطدامه الحضاري مع جيوش نابليون وفرنسا الثورة في مصر عام 1798، ودكه للقاهرة بالمدافع من أبراجها وقتل سكانها لإخضاع مصر.. ومن ثم سلسلة الإجراءات الحداثية التي خضعت إليها الدولة العثمانية على امتداد القرن التاسع عشر وتحولها من دولة سلطانية خاضعة قراراتها آنذاك لأحكام منظمات مجتمعها المدني الذي رافق التأسيس وبناء السلطنة، إلى دولة دستورية شكلية خاضعة لإرادة سلطة السلطان المسلوبة من قبل الغرب والخاضعة لشروطه بعد القضاء على مؤسسات مجتمعها المدني التاريخي دون بديل؟ ومن ثم انفتاح السلطنة العثمانية إلى كل التيارات الفكرية الغربية من العلمانية الإلحادية إلى العلموية والفوضوية والماركسية التي كانت رائجة هناك، وانجرار النخب لديها بتحريض من الغرب إلى التقليد والوقوع في فخ التيارات القومية الأوروبية من قبل نخب مشكوك في بنيتها وغاياتها لصنع الطورانية بقصد التقدم؟ دون دراسة لظروف نشوء تلك التيارات وأسبابها في منابتها الأوروبية، التي لا يمكن تلبيسها وتطبيقها قسرا على واقع متعدد مللي مغاير (العثماني)، كما حدث؟ مما أدى هذا إلى تصادم القوميين/ في النصف الثاني من القرن 18/ مع توجهات السلطان (عبد الحميد) الذي استشعر الخطر من جراء هكذا دعوات جعلته يعلن تبنيه لفكرة الجامعة الإسلامية، وهذا ما قاد هؤلاء القوميون بدورهم إلى الانزلاق باتجاه العصبوية الإسلامية السنية في (تبطين) غير معلن، وإلى أن يجدوا نهاية أن السنة من رعايا هضبة الأناضول هم وحدهم القوميون الأتراك؟ مما استدعى هذا ردود أفعال على المستوى ذاته من الشعوب المنضوية في دولة الترك العثمانية، أدت تلك فيما أدته، إلى مجازر رهيبة راح ضحيتها الملايين من رعايا ومواطني الدولة العثمانية النشطين مثل شعب الأرمن ومن المسيحيين العرب واليونان وغيرهم، كان من الأسباب الرئيسية في انحلالها وتفككها وانهيارها؟.

لم تكن الدعوة القومية التي روجت لها النخب العربية في أواخر القرن 19/ وانتشرت بين أوساط الشعب العربي، هي ابنة الظروف الموضوعية كما هي لدى الأوروبيين حيث دفعت إليها الطبقة البورجوازية لديهم؟ بقدر ما هي ردود فعل مقابلة للدعوة القومية التركية التي صاحبها ما عرف بالتتريك من قبل القوميين الأتراك، ضد الشعوب العثمانية المتنوعة القاطنة على أرض السلطنة، وأيضا التقليد لكل ما هو غربي على أساس أنه يقود إلى التقدم، وهكذا نشطت تحركات النخب العربية ونشأت الجمعيات العربية والسورية التي نادت بالاستقلال عن الترك؟ وفي غمرة هذه الأجواء اشتعلت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين عام 1916 / بالتحالف مع الإنكليز ضد الأتراك على أن ينال شعب أرض العرب في نهاية الحرب حريتهم واستقلالهم لبناء دولتهم الواحدة؟ لكن انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1919 / قد أدى إلى نشوء حالة أخرى بعد أن نكث الإنكليز بوعودهم، وإلى ما يدعى بالأقطار المشرقية العربية تحت الوصاية بموجب ما عرف بمعاهدة (سايكس بيكو) بين الانكليز والفرنسيين التي أقرتها عصبة الأمم، بالإضافة إلى وعد بلفور السيء الصيت؟

إن نشوء دول قطرية محدثة تحت الانتداب الأجنبي في مطلع القرن العشرين، قد حث النخب العربية الواعية فيها إلى إنشاء جمعيات سياسية وأحزاب في أقطارها ضمت كل تلاوين الطيف السياسي المعروف في عالم السياسة (الدولي – الغربي – الإقليمي - والمحلي) وطنية استقلالية، شعبية، قطرية، وقومية، وأممية، واجتماعية، واشتراكية، ودينية، بغض النظر عن توافق تسمياتها ومبادئها وأهدافها مع تواجد أصول لنشوئها، لكنها كانت عموما تتماشى بحكم تطبعها الثقافي الغربي آنذاك مع الحراك العام السياسي المعمول به محليا وفي الدول المنتدبة تماهيا معه أو تقليدا له، إلا أنها بقيت في معظمها أمينة على انتمائها الوطني المتمحور حول مطلب استقلال الوطن من المستعمر والدفاع عن شعبه والحفاظ عليه، وقد تحركت هذه الأحزاب بحماس وطني وقومي إلى أن نالت شعوب هذه الأقطار تباعا استقلالها عقب الحرب الثانية عام 1945 / من الدول المنتدبة، كما بقيت تمارس أنشطتها الاجتماعية والسياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال ضمن مشروع بناء الوطن..

ومن المفترض أن تكون الأحزاب مدرسة للسياسيين والمفكرين السياسيين، إلا أن الوضع الجيوسياسي السوري العظيم الأهمية قد جعلها عرضة للتجاذبات الدولية المتوترة وسياسة المحاور، وجعل الهمّ الأول للشعب في سوريا الدفاع عن مصالحه وبقائه، وبناء وطنه، من خلال البحث الدائم عن مجالات توازنه وسط بحر العواصف، عبر تماسكه الداخلي والنظر بعين الرقيب إلى ما يحيط به، لذا نحا في غالبيته إلى البعد القومي أو الأممي، فهو قد كان جزء من دولة كبيرة وشعب كبير، وجغرافيته السورية كان قد تعود عبر التاريخ على اعتبارها مركز التأثير في العالم، لذا انخرط في الأحزاب الآخذة لهذه الأبعاد، أي أن هذه الأحزاب وإن كانت في معرض حراكها تسعى إلى تلبية المطالب الاجتماعية الشعبية والدفاع عنها، إلا أنها في المحصلة كانت جزء من الحراك السياسي المحيط الدولي والإقليمي ومؤثراته واتجاهاته، لذا لم تكن معبرة عن المعادلة الصحيحة للحالة السياسية الوطنية والمطلبية الحياتية، التي كان من المفترض أن تفرضها التركيبة السكانية والاجتماعية وأنشطتها الانتاجية الإقتصادية، بل جرى تجاوزها مع بعض التطعيم، فالنشوء السياسي الغربي ومدارسه أسس وبني على تطور الحالة الاقتصادية وانفراز المجتمع إلى طبقات بعد أن غابت عنهم الحالة البطريركية السابقة، كما أن المواطنية فيه تأسست في مبدئها على الملكية والإنتاجية ومراقبة دافع الضرائب لأعمال سلطة الدولة ومؤسساتها كون الشعب صاحبها وتبعا مصدر السلطات فيها، وعليه فإن الفرد في المجتمع الغربي كان يساهم في الدولة عن طريق ذاته وعبر الحزب الممثل لمصالحه الذي انخرط فيه والممثل بدوره في مجلس نواب الشعب ومقدار مساهمات هذا الحزب في أعمال الدولة، كما يمكن القول بأن الديمقراطية وحرية التعبير في مفهوميهما الغربيين كانتا متلازمتين مع ضرورات مسار تركيبته السياسية.

غير أن الدولة في سوريا كموروث عثماني: يتألف ويتمايز ويتخاصص مجتمعها بين أديان وطوائف ومذاهب وإثنيات وعشائر ومؤثرات أخرى، ولم يزل يرتاح الشعب في قيادته ويأنس إلى ما بقي من النظام الأبوي البطريركي وشبيهه، واقتصادياته كانت ولم تزل في غالبيتها اقتصاديات أسروية أو مختلطة متوزعة بين الريف والبادية والمدينة، أسست لخلايا المجتمع المدني المستقر قوام الدولة، كما كانت فاعليات السوق، التي تدخل في تخديم الضرورات الاجتماعية ليست منفصلة عن النسيج العام؟، لذا كان من مطبات تلك الأحزاب ونشطائها التي أثرت سلبا ولم تزل تؤثر سلبا في مواقفهم الحالية، انصراف الأحزاب ومثاقفاتها ومثقفيها ومنتسبيها زمنها إلى الانشغال في تقليد الحراك السياسي العالمي ودائرة أفلاكه ومذاهبه الفكرية، وإلى الأخذ بالمقولات السياسية والاجتماعية الغربية والنقل عنها والغرق فيها، ومحاولات تخليق وقائع لتطبيقها عوضا عن تمثل الواقع، أكان هذا في ما يتعلق بالمذاهب القومية أو بالرأسمالية والاقطاعية والبورجوازية وطبقة البروليتاريا والطليعة الثورية والصراع الطبقي الخ، أو في ما يتعلق بأصول مفهوم المواطنية والديمقراطية ومدلولاتها، بينما الوضع كان لم يزل في بعض مواضعه يرتد إلى ما قبل مرحلة تأسيس حالة الدولة الحديثة الجامعة، وفي المقابل إلى انشغال نخب شعبه المتأصلة في الموروث المدني إلى مسعى بقاء وبناء الوطن والحفاظ على استقلاله والدفاع عنه؟

* فالدولة السورية: وإن كان كيانها السياسي قد انفصل بعد الحرب الأولى عن إمبراطورية ملية كبرى(الدولة العثمانية) واستقل عنها، إلا أنه أيضا قد اجتزئ منها، لذا فقد بقيت الدولة السورية المحدثة خاضعة لظروف تكون تلك الدولة وشروط وأصول الحكم فيها، ولم تنتقل هذه مع الدولة المنتدبة الفرنسية إلى دولة شبيهة بالدولة الفرنسية (دولة الطبقات والمواطنية السياسية)، بل أن ذيول المواطنية المطلقة المفترضة، التي صار العمل بموجبها قد أدت إلى ما يغاير أهدافها، وأفضت إلى إخضاع قطاعات كبرى من الشعب السوري، تنتمي إلى إثنيات وطوائف إلى رغبات وطموحات قطاعات من طوائف أخرى، تحت شعارات الوطنية والمواطنية، وإلى طغيانات ومسار اضطهادي مضمر أو معلن، أخل في أكثر من حين بالتوازن الدولتي ومفهوم الدولة القائم على العدل،؟ دعا في أكثر من موقع إلى تدخل الحاكمية بموجب التقليد السلطاني لإعادة التوازن وإقامة العدل فيها،؟ ذلك لأن الدولة السورية هي في التكوين التأسيسي هي إعلان عن حالة تطورية للتجمع السكاني المختلف في إثنياته وطوائفه على أرض الوطن السوري ولرغباته في إقامة الدولة ومؤسساتها لأغراض الضرورات الحياتية والحماية وإقامة العدل، وهو ما يجري التغاضي عنه..؟

فإعلان قيام الدولة السورية في حقيقته، كان إعلانا لقيام حالة الاتفاق بين شعب الإثنيات والطوائف السورية على إقامة الدولة، وشعب هؤلاء ليسوا أفرادا مستقلين عن تكويناتهم، وبما أن من الشروط الوظائفية والمهام الأساسية لقيام أي دولة وبقائها، هو تحقيق الأمن والحماية وإقامة مجتمع العدل للاجتماع السكاني المكون لها، فرادا أو جماعات، فإن انتفاء هذه الشروط أو بعضها يبطل قيام الدولة، لذا لا يمكن أن نقيم تقليد المواطنية الغربية التصويتية القائم على الأكثرية والأقلية، على موضوع شعب الإثنيات والطوائف، فيتم الاعتماد على الأكثرية العددية لتحوير القوانين أو التلاعب بها وإلى استخدامها في غير أغراضها، لإقصاء أو إلغاء إثنيات أو طوائف من الوجود الدولتي، وهي في أساس تكوين الدولة، وعليه فإن قيام أي دولة إنما هو قيام حالة عقدية يتم التأسيس عليها، وقيام الدولة السورية إن أقر البعض أو أنكر، إنما هو حالة عقدية بين شعب الإثنيات والطوائف لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها تحت أي دعاوي أو مسميات، وليس للاستخدام التصويتي لما ندعوه بالمواطنية أن يكون تحت أي ظرف على خلاف تعزيز مكانة شعب هذه الإثنيات أو الطوائف ورفع مقامها، التي هي في مجموعها شعب دولة سوريا، وإلا عد ما ينتج عنه باطلا،؟ ولقد أدى عدم لحظ هذا الموضوع وإعلانه في المسار السياسي السوري الحديث، وعدم إدراجه في قواعد القوننة الدستورية وصون مفهومه ليكون الأساس في البناء المجتمعي إلى فوضى تعاملية بين مكونات الوطن واستنسابية لا أخلاقية، أدت إلى انتكاسات وطنية كانت أسبابها من المسكوت عنه، حفاظا على وحدة الوطن السوري ووحدة شعبه؟، مع أنها كانت في الواقع من عوامل عثراته ومعاول نخره.؟

في أواسط الستينات من القرن الماضي، وبعد انطواء حلم الوحدة عام 1961 / الذي كانت ساهمت في قيادته وتحقيقة في سوريا العروبة الناصرية، انتهى المخاض السياسي لما بعد عام 1963/ إلى غلبة قوى قومية أخرى وهي حزب البعث على القوى القومية الناصرية، وكانت أثناءها قد انتشرت في العالم مناخات الثورة العالمية ذات الطابع الماركسي اليساري ضد الرأسمالية، والتي بدأت مع انتصار الثورة الكوبية عام 1961 / وامتدت إلى أمريكا اللاتينية بقيادة تشي غيفارا الثائر الأممي، وكان من أهم أسباب الصراع المسكوت عنه بين التيارين القوميين، هو التعددية الطائفية والإثنية المتواجدة بفاعلية على الساحة السورية، التي لم تفطن إليها ولم تأخذ بها الناصرية، وهذا ما جعل تعدد التيارات اليسارية المتخالفة المتواجدة على الساحة في تلك المرحلة والتي هي خارج الإصطفاف الشيوعي، أن تأخذ بمقولة الطليعة الثورية، التي من مهامها فعل الثورة وقيادة الثورة وبناء دولة الثورة في غياب الظروف الموضوعية المنتجة للثورة وهي مقولة منطقية لتبرير وجودها واستمرارها؟، وهذا ما أخذت به ضمنيا قيادة حزب البعث (الممسكة بالأرض) في أحقية حزبها كطليعة ثورية قيادة الجماهير؟..

بعد الحركة التصحيحية عام 1970 / وغياب جمال عبد الناصر في أيلول من ذات العام، لاحت لمختلف القوى القومية الناصرية واليسارية إمكانية العودة للمشاركة السياسية في بناء الدولة السورية مع تولي حافظ الأسد القيادة الجديدة لسوريا وحزب البعث، وسط أجواء وتواتر أخبار تقول: أن القيادة القطرية للبعث لم تزل على ولائها للقيادة السابقة (صلاح جديد)، وجرى حشد للقوى الناصرية من قبل الد. جمال الأتاسي أمين عام الاتحاد الاشتراكي السوري آنذاك: لمناصرة حافظ الأسد وقيادته الذي جال معه المدن السورية مبايعا ومعلنا أنه خليفة الرئيس جمال عبد الناصر؟ .. لكن من جديد عاد الافتراق بين البعث والناصرية دون التصريح عن ما هو مسكوت عنه دائما، أن سورية وطن تتعدد فيه الأديان والطوائف والإثنيات، وأن الوطن هو للجميع، وأن حاكم البلاد هو حكم بين الجميع ولا عودة إلى الممارسات المقترفة زمن انحلال الدولة العثمانية؟

بعد الانجاز التشريني عام 1973 / بإعلان الحرب على إسرائيل، واستتباب الوضع الأمني عام 1982 / عقب وأد فتنة تحركات الأخوان التكفيرية المتناغمة مع المشاريع الغربية لإقامة دولة الإسلام، بديلا عن دولة الكفر، إذ لا وجود لدولة دونه، وكون الإسلام لديهم هو الدولة على الأرض كما هي عند الله؟، واحتجاز أصحاب الفكر اليساري الهرطوقي ذوو الارتباط الخارجي، المهووسون بديمقراطية دولة دون أرض (كما الدين) أوصلتهم إلى الإلتقاء بالمحرر الأمريكي الإسرائيلي؟، انفتحت السلطة على مشروع بناء الدولة الحديثة، بإقامة سلسلة من المشاريع الإنتاجية وإلى بناء المعامل والسدود المائية ومعامل توليد الطاقة والمؤسسات، وإلى تنشيط استخراج النفط، وإنشاء الطرق وتوسيع الموانئ وتشييد مدن جديدة، ومشافي تخصصية وجامعات، وقد ساهم هذا في استيعاب أعداد هائلة من أصحاب الاختصاص من خريجي الجامعات، ومن الأيدي العاملة المطروحة في سوق العمل، مما منح كل هذا الأمان للمواطن السوري والاطمئنان على مستقبله ورخائه.. إلا أن هذا قد أوقع السلطة بأشكال الدولة السلطانية، حيث الأرض للسلطان بالحق الإلهي والناس رعايا، أما هنا فالدولة للسلطة بالحق التأسيسي والبنائي.. لا السلطة للدولة كما المفهوم الحديث أي للشعب؟ مما أدى هذا إلى انكفاء الأحزاب والحركات الناصرية والقومية اليسارية والأممية عن النشاط على الساحة السورية كقوى مضادة للنهج البعثي، إذ استطاعت قيادة حافظ الأسد احتواء كل هذه الحركات والأحزاب في الجبهة الوطنية والتقدمية بعد أن فقدت هذه مبرر وجودها، أو بالسكوت عن من بقي خارج سياسة الدولة البعثية ونهجها، وسط توازنات القوى الدولية والإقليمية، التي لعبت القيادة البعثية دورها بمهارة فيها، جعلها تتطمئن على استقرار وضعها، وهذا ما أتاح المجال بالمقابل لمتصيدي الفرص، إلى جانب ظهور أعداد من المتمسكنين حانيى الرؤوس ومن المتزلفين المداحين والمتسلقين من أدعياء العلم والمعرفة، كما غيرهم من المتطلعين إلى المناصب والثروة، حيث يصعب في مثل هذه الأحوال غربلة الصادق الطيب من الخبيث، إلى التزاحم على أعتاب قصر الرئاسة..؟ حتى وفاة سيد القصر والبلاد عام 2000 /

إلا أن أشخاص هذه الأحزاب والحركات السياسية التي تحولت إلى معارضات اسمية مفرغة لا أرض لها، لم تستطع أن تنمي فكرها في اتجاهات ارتقائية انفتاحية مستقبلية: لا في الاتجاه السياسي الأساس ولا في المبادئ ولا في تخليق الفكر، بل تواطأت على المسكوت عنه في الواقع السوري المسكون بالتعدديات الإثنية والطائفية، وأغلقت على ذاتها دائرة أحلامها وأقامت الحدود لعقلها وذاتها بالمتخلف والشكلي من الموروث، واختزلت الوطن وشعب الوطن في بعدها الضيق، وأعادت ما كان يحسب يوما حركات تقدمية طليعية تحررية إلى الوراء، وسط مناخ إسلامي تحريضي عام في المنطقة صنعته الدوائر الغربية ترافق مع قيام الدولة الإسلامية في إيران وثورة الأفغان على الروس، حيث غيب مبدأ الرصانة العلموية في السياسة لإقامة دولة الوطن والوطن للجميع، كما لم يعد للمواطنية الصادقة المنزهة وجود، فأعيد تفصيل الفكر القومي على مقاس الشكل لجماعة الإسلام لا إيمانها، كما اتجه الناصريون إلى فعل الأمر ذاته، وأيضا الشيوعيون، والعديد من الحركات اليسارية والعلمانية في المنطقة، فكثيرا ما كنا نلاحظ أن عصبوية الجماعة الإسلاموية مفضوحة لدى بعض الشيوعيين الماركسيين، ذلك حينما كانوا يتحدثون بحماس لما يبطن ضمنا أنه أصولية إسلامية لكن بمفردات ماركسية، ومثلهم البعض من القوميين العرب، التي صارت القومية لديهم تعني جماعة محددة من الإسلام، وأيضا الناصريين الذي أصبح عبد الناصر لديهم الداعية الأكبر لدولة الإسلام؟ وكان من تجليات هذا الاتجاه وسط هذه المناخات انتشار ظاهرة الجلباب والحجاب، الذي لم يكن سوى فورة تعويضية مشوهة للنزعة الذكورية المكبوتة المحبطة، التي تمظهرت في ذلك التسابق على اضطهاد المرأة بالقيود والحجاب..؟ ليجد كل هؤلاء أنفسهم نهاية في حضن الإسلام القادم مع الأخوان ولافتاته العريضة وشعاراته، والمشاريع الغربية والأمريكية والإسرائيلية، التي تبيح احتلال الأرض من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة (الإسلام المتخيل المجرد المكتفي بذاته)..؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر