الراصد القديم

2011/11/29

سلفيو تونس: الوجه الآخر للنهضة

 بعد أن كانت القوى الديمقراطية والحداثية التونسية تشدد على ضرورة تحييد المساجد عن التجاذبات السياسية إثر ظاهرة الاستيلاء على المساجد من قبل مجموعات دينية، أصبحت هذه القوى، أمام تنامي خطر ممارسات المجموعات السلفية، تنادي بتحييد الفضاءات الثقافية والمؤسسات التربوية والإعلامية التي تعرضت خلال الفترة الأخيرة لاعتداءات عديدة.

وزاد من مخاوف الأوساط الديمقراطية والوطنية الاعتداء الذي تعرضت له مديرة إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم الدكتورة إقبال الغربي من قبل مجموعة من السلفيين الملتحين، حيث اقتحموا مكتبها بضاحية قرطاج وأجبروها على مغادرة المكتب بحجة أنها غير مؤهلة دينيا للإشراف على إذاعة متخصصة في القرآن الكريم.

وقال زعيم المجموعة السلفية ويدعى عادل العدلي إنه أسس "جمعية تونسية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في نسخة مشابهة للشرطة الدينية المعروفة في السعودية، مشيرا إلى أن الله سخره لطرد الدكتورة الغربي "حفاظا على مؤسسة إعلامية هدفها نشر الدين الإسلامي".

وقبل الاعتداء على الدكتورة الغربي قامت مجموعة سلفية باعتداء على مدرسة للفنون التشكيلية في معهد بحي التضامن بالعاصمة التونسية.

وتعرضت الأستاذة فاطمة جغام إلى اعتداء من مجموعة من تلامذتها السلفيين الذين طالبوها بمغادرة قاعة التدريس باعتبار أن "الفنون التشكيلية حرام" واتهموها بالكفر.

وتقول جغام إن "الغريب في الأمر أن زملائي الذين ينتمون لحركة النهضة لم يتضامنوا معي ولم يدينوا ما تعرضت إليه من تهديد وعنف لفظي".

ولم يكن اعتداء المجموعات السلفية على كل من الغربي وجغام إلا عينة من سلسلة اعتداءات على الحريات الفردية والشخصية في تونس، حيث استفادت المجموعات السلفية من الانفلات الأمني منذ ثورة 14 كانون الثاني/يناير لتخرج على الناس معلنة عنفها الفكري واللفظي والجسدي.

وتعرف التونسيون على طبيعة المجموعات السلفية يوم 17 شباط/فبراير أي بعد حوالي شهر فقط من سقوط نظام الرئيس بن علي، حين نظمت تلك المجموعات مظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة رافعة الرايات السود.

بعد ذلك أخذت ممارسات المجموعات السلفية نسقا تصاعديا، حيث تم الاعتداء بقضيب حديدي على المخرج المعروف النوري بوزيد يوم 18 شباط، وفي شهر حزيران/يونيو هاجمت مجموعة من السلفيين المصطافين على الشواطئ واستعملت العصي والهراوات لمنع الحفلات بدعوى أنها "حرام وكفر".

ولاحقا تعرضت قاعة "أفريكا" لعرض الأفلام للحرق والتهشيم احتجاجا على فيلم أخرجته الفنانة نادية الفاني، ومن ثم تعرض مقهى لغير الصائمين للاعتداء.

وتعشش المجموعات السلفية وتتناسل في الأحياء الشعبية حيث ترتفع نسبة الفقر إلى أكثر من 25 بالمئة فيما تصل نسبة البطالة إلى أكثر من 27 بالمائة مع ارتفاع حاد للأمية يناهز 50 بالمائة.

وتتخذ هذه المجموعات من الدشداشة البيضاء والطاقية واللحية الكثيفة مظهرا غريب تماما عن المجتمع التونسي.

ولم يسلم المثقفون من انتهاكات المجموعات السلفية فقد تعرضت مسيرة سلمية للمحامين يوم 6 آب/أغسطس للاعتداء، كما تعرض المفكر والأديب يوسف الصديق إلى التعنيف خلال إلقائه لمحاضرة في 23 من الشهر ذاته.

وعلق الصديق على الحدث بقوله "أنا حزين على بلدي الذي يتجه نحو 'طلبنة' المجتمع"، في إشارة واضحة إلى هامش الحريات الشخصية تتهدده أخطار صعود التيار السلفي.

واتهم الصديق حركة النهضة بأنها تتجاهل ممارسات المجموعات السلفية كما لو أنها أذرعها الخلفية التي تضرب بها الحرية.

وتنامت انتهاكات المجموعات السلفية للحريات الشخصية بشكل واضح منذ فوز حركة النهضة في انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وترى الأوساط السياسية والنخب الفكرية أن صمت حركة النهضة عن ممارسات المجموعات السلفية يؤكد نوع من توزيع الأدوار بين الجانبين، حيث تحاول النهضة إقناع المجتمع بأنها حركة معتدلة فيما تتكفل المجموعات السلفية بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وكان المفكر الإسلامي التونسي محمد الطالبي ندد في وقت سابق بصمت رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عما تعرض له من اعتداءات بلغت إلى حد تكفيره واستباحة دمه.

وتبدي مكونات المجتمع التونسي اليوم تخوفها من تنامي ظاهرة "التدين السلفي" وما يرافقه من اعتداءات على الحريات الشخصية، وهي لا تستبعد أن تكون حركة النهضة تغذي المد السلفي ليكون احتياطها الخلفي الذي يبطش بالخصوم كلما استدعى الأمر.

وبرأي المحللين فإن الفصل بين حركة النهضة وبين المجموعات السلفية هو فصل شكلي ليس إلا، بل إن المفكر محمد الطالبي لا يرى في النهضة سوى "حركة سلفية تحاول تقديم نفسها كحركة معتدلة، وهي في الواقع حركة متشددة تطمح إلى بناء الخلافة وتطبيق الشريعة".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر