الراصد القديم

2011/11/16

القصة الكاملة للحرب العراقية الإيرانية : الجزء الأول


قادسية صدام

الجزء الأول



أ.عبدالعزيز أمين عرار / محاضر وباحث ومشرف تاريخ

هذه دراسة بحثية موجزة تم إعدادها قبيل انتهاء الحرب العدوانية التي شنتها إيران وردت عليها الحكومة الوطنية في حينه.

اختلفت حكومات وأحزاب وحركات وأشخاص في تحديد من هو البادئ بالحرب، ومن هم الخاسرون والرابحون في الحرب؟!

والواقع يشير إلى أن الرابحين هم أعداء الأمة العربية والإسلامية وأن مردود الخسارة للأمتين العربية والإسلامية، والواقع أن الخاسرون والمستفيدون حكومات وشعوب ومنظمات فمن هم الخاسرون ومن هم الرابحون، وكيف ؟؟!!!

تساؤلات في اتجاهات عديدة ولكن الحدث التاريخ الكبير والهام لا يقتصر على سبب واحد أو تفسيره من زاوية واحدة ومن عين لا ترى بشمولية.

وأهم مميزات الحدث التاريخي أنه يصعب الحكم فيه لدرجة أن الروايات في الحدث تصبح متشعبة ومختلفة هذا على صعيد الحدث الصغير كأن تكون مُساجلة بين حمولتين ، فكيف بها إذا كانت حرب ضروس بين دولتين .

البعض قال إن الحرب مفتعلة من الجانب العراق وتساءل هؤلاء : لماذا فطن العراق لحقوقه العربية في الأراضي العربستانية حينما قدم الخميني !

وأجابوا بدورهم أن هذه مؤامرة لضرب الثورة الإيرانية ، وكان فيلسوف هذا الطرح حسن بني صدر رئيس وزراء إيران في بداية انتصار الثورة الإيرانية ، وبعضهم كان يرى أن الحرب هي بين زعيمي البلدين الخميني وصدام حسين وسببها طرد الخميني من منفاه بالعراق عام 1977م ، بعد توقيع اتفاقية آذار 1975م بين الشاه بهلوي وصدام حسين .

وهناك من قال أنها حرب استهدفت الأمتين العربية والإسلامية وآخرين قالوا أن الولايات المتحدة والملك حسين وشيوخ الخليج العربي ورطوا صدام حسين والعراق فيها.

أجاب رئيس العراق وحزب البعث العربي الاشتراكي على هذه التساؤلات بأن الحرب حرب قومية عربية ضد قومية شوفينية متعصبة أخذت من الإسلام ستاراً وغطاءاً لها لتصدير ثورتها في البلدان العربية ، وأن الدجل المشعوذ في طهران وباسم الإسلام يحاول تصدير ظلامية القرون الوسطى إلى العراق ومتأثرين بالصفوية، ولقد أطلقوا عليها اسم قادسية صدام ، تيمناً بقادسية سعد وتواصلاً مع تاريخ العرب في ظل دولة الإسلام .

وهناك رؤية سياسية أخرى تمثلت في رأي حزب التحرير الإسلامي قالت أن الحرب هي من صنع بريطانيا وأمريكا وأن العراق البريطانية تتصارع مع إيران الأمريكية ويتحالف مع الخصمين دولاً عربية تتبع هذا وذاك.

اتجاهات وأحزاب شيوعية وتنظيمات ماركسية عربية أظهرت عداءها للعراق وكان جُل تحليلها أن هناك تحولاً ما ظهر في القيادة العراقية ومسلكها الثوري منذ تسلم صدام حسين للسلطة عام 1979م وإعدام الشيوعيين العراقيين في ذاك العام .

وهذا تحول نحو البرجوازية وأذكر أن المفكر الفلسطيني القومي الماركسي د.عادل سماره كتب كتاباً في هذا الاتجاه وأصدره بعد شهور قليلة من اشتعال الحرب عام 1980م. ولقد تأثرت بهذه الرؤيا أيضا منظمات فلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية.

وسرعان ما ظهر أن الشيوعيين العرب وأشباه القوميين والعلمانيين والماركسيين كما لو كانوا اكتشفوا الإسلام في نظام الخميني ، ولقد ظهر عنوان لطريق الشرارة الإسرائيلية الصادرة عن منظمة ماتسبين يقول العراق يشن حرباً على الثورة الإسلامية (1)

أما التيار العلماني الفلسطيني والذي تمثله حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح فقد كان يتيه في تحليلات عديدة فبعض كوادر فتح في الكويت أيدوا العراق لأنه يرغب في تحرير الأراضي العراقية ، وممثلهم في طهران أيد روح الله الخميني ، وقال أن الخليج أرض إسلامية، بينما الشهيد صلاح خلف أبو إياد قال انه مع ثورة إيران ومع شعب العراق أما أنظمة الصمود والتصدي ليبيا وسوريا واليمن الجنوبي فقد أيدت إيران الخميني؛ بل وتكالبت مصالحها طيلة الحرب مع هؤلاء . أما موقف نظام الأردن فجاء معلناً وواضحاً في تأييده للعراق و كانت تحكمه مجموعة مصالح اقتصادية وانسجاماً مع الشارع الأردني والصحافة الأردنية .

أما الموقف السوفيتي فقد تذبذب في مواقفه عند بداية الحرب وفي فترة لاحقة حيث انحاز لإيران في البداية ومنع تصدير السلاح للعراق ولكنه لا حقا بدأ يكتشف الصلف الإيراني،وحاول مداراة العراق لقضاء بعض المصالح الاقتصادية وأخذ يشير إلى عدم تجاوب إيران مع جهود الوساطة، وحول الموقف الأمريكي المعلن فقد جاء على لسان هنري كيسنجر إن اقتتال الفريقين هو من مصلحة الولايات المتحدة ولكن بدون انتصار عراقي .

وهذا ما جعل الولايات المتحدة تسارع بضرب العراق حينما حسم انتصاره مع إيران وما كانت الكويت إلا ذريعة لهذا التصرف .

باختصار كانت الأغلبية العربية من الجماهير والأنظمة غير مستوعبة للرد العراقي و تتساءل عن سبب إقدام العراق للرد على هذه الحرب،ومنها الجماهير العربية الفلسطينية، التي كنا نسمع آراءها في أروقة جامعات الأرض المحتلة ، وسرعان ما وجدنا عواطف الجماهير تُشحذ نحو الحديث النبوي الضعيف القائل إذا أتتكم العمائم السود من بلاد فارس فاتبعوها ونسوا فضل العرب في الإسلام وأن العرب مادة الإسلام وأنهم إذا ذلوا ذل الإسلام .

ولقد رأت الجماهير في الخميني إماماً منقذاً حتى غنوا قائلين : عز دينك يا خميني .

في ذات الوقت كان المسؤولون الإسرائيليون يعبرون عن رأيهم في أن الخطر من العراق القريب لا إيران البعيد على لسان شارون وزير الزراعة السابق .

باختصار ، كانت هناك نظرة ضبابية غائمة للمفهوم القومي العربي الذي ينطلق من مبادئه العراق ، وغاب عن نظر الجميع التعصب القومي الفارسي المتسلح بنظرة طائفية مذهبية شيعية ، وتوهموا خيراً في إيران الخميني وكان دليلهم طرد الإسرائيليين من سفارتهم في طهران واحتجاز الرهائن الأمريكيين، وبحث الرئيس ياسر عرفات عن طريقة ليستثمر فيها هذا الحدث دوليا ولصالح القضية الفلسطينية ،فما وجد أذناً صاغية عند نظام الآيات في إيران عندها عرف طبيعة النظام الإيراني ، وموقفه الحقيقي من قضية فلسطين وإذا كان للباطل جولة فإن الحق والمبادئ الأصيلة لا بد وأن تظهر وهكذا كان في كانون ثاني عام 1991م في العدوان الثلاثي على العراق .

لماذا لم يفهموا موقف العراق !!

السؤال الجلي لماذا عجزت الأنظمة والحركات والجماهير العربية عن استيعاب الموقف العراقي ومبرراته، هذه بعض إجابتنا على هذا الموقف.

أولاً : الحالة النفسية البسوكولوجية التي عانت منه الجماهير بما مثله الفراغ الحاصل في غياب مصر العروبة عن الساحة العربية ، وحالة الارتداد القومي والمد الإقليمي والاستسلام السياسي الذي شاع إثر اتفاقية كامب ديفيد ، حتى أن وزراء الخارجية العرب ورؤساء الدول العربية عجزوا عن اتخاذ موقف موحد حيال مبادرة السادات المنفردة في كامب ديفيد ، ويصاحب هذه الحالة حالة من الهزيمة العربية التي صنعتها الأنظمة الملكية والجمهورية في الحروب المختلفة وجاءت وعود الخميني وأعوانه واستعداداهم لمحاربة الشيطان الأكبر (أمريكيا) ، والعدو الأصغر (إسرائيل) ، إنقاذاً لطموح الجماهير وكأن الخميني انتشلها من غرقها.

ثانياً : هناك في الذهن العربي الرسمي والشعب منه على وجه الخصوص وفي الثقافة العربية الشعبية حالة المهدي المنتظر الذي يخلص الناس من سوء الحالة قد جعلهم يرون فيه المخلّص وترافق ذلك مع إجراءات ثورية ضد إسرائيل وأمريكيا لكنها إجراءات كان الشباب الثائر المتحمس هو الذي صنعها وأصبحت القيادة الإيرانية أسيرة هذا الحدث غير قادرة على الانفكاك منه ، لاعتبارات شعبية عديدة ، أهمها إرضاء الجماهير الثائرة .

ثالثاً : هناك حالة انبهار وإعجاب بكل جديد تشاهده الجماهير دوماً ويترافق هذا مع طموح الإنسان للتغيير والتجديد ، ولقد صاحب هذا الجديد الإيراني حالة من الخطب الحماسية الرنانة والتهويش السياسي والحماس الذي ألهب الجماهير مدغدغاً عواطفها ومحركاً أحاسيسها تجاه أعدائها التقليديين أمريكا وإسرائيل وكان رفع الأعلام الفلسطينية فوق سفارة إسرائيل في طهران أولى الحالات الانبهارية هذه ، هذا الانبهار جعل حركة التحرر العربية تسقط في الاتكالية وتظن أن الخميني سيحقق لها أهدافها وتنسى القول المأثور أن ما حك جلدك مثل ظفرك ، فتولى أنت جميع أمرك ولقد كان دكتور الفلسفة في جامعة الكويت د.فؤاد زكريا متحفظ على هذا الانبهار ورافضاً له ، وبمثل ذلك يواجه صدام حسين كوادر حزب البعث المتقدمة في اجتماع لهم حول البوادر المشجعة لمنحى الثورة الإيرانية عام 1978م فيقول أنه سيكون أولى الخطوات التي يفكر فيها الخميني هي احتلال العراق وتصدير طائفتيه لهذا البلد وسبب ذلك أن الشهيد صدام حسين كان يعرف طبيعة الأفكار التي تعشعش في رؤوس حكام طهران .

رابعاً : كان للاختلافات الأيديولوجية والحزبية والزعامية والروح الانتهازية سبباً لتأييدها الجار البعيد على الأخ القريب ، وهم في هذا يحاولون ركوب مركب الحماس الديني والموجة الثورية السائدة ، وكان على رأسهم أنظمة الردة العربية التي تدعي الثورية والتقدمية والصمود والتصدي .

خامساً: عمل الإعلام الغربي على إظهار الثورة الإيرانية بمظهر فوق العادة ، وحاول النفخ في قربة الخميني المخزوقة ، كان ذلك شعوراً من الساسة الغربيين لأهمية تعميم التيار الديني السلفي الماضوي وتجييره ليكون واجهةً وستاراً أمام حركة التحرر القومي العربي والمتمثلة في قلعتها العراقية وتلك الحركة الشيوعية التي كانت تتسلل في أفغانستان ، وإيران عن طريق حزب تودة ، و ذلك بهدف احكام الطوق واختراق الحواجز الشيوعية في الأراضي السوفياتية حيث يوجد هناك غالبية من المسلمين ، ثم لتعميم النموذج الطائفي في الأرض العربية وخلق حالة موزاييك سياسي بحسب خطة بريجنسكي والحركة الصهيونية القائمة على تفتيت الوطن العربي إلى دويلات طائفية غير الدويلات القائمة منذ اتفاقية سايكس بيكو .

ومع ظهور الثورة الإيرانية كانت هناك حالة تغييب للعقل العربي وللحركة القومية العربية حتى ظنوا أن النصر سيأتيهم من طهران وأخذوا يوزعون الأحاديث ويثيرونها من الأحاديث الضعيفة وغير المُسندة ، قائلين إذا أتتكم العمائم السود من بلاد فارس فاتبعوها ، ولم يكن هؤلاء العمي في تحليلاتهم يدركون أن التيار الدين في إيران تيار يتستر بالإسلام وينحى منحى طائفياً شيعياً جعل الخميني يُسارع لاعتقال آية الله شريعة مداري السني ويسجنه بسبب سيطرته وشهرته في أذربيجان وخوفاً من أن يطالب بجمهورية مستقلة ، ومثل ذلك في اضطهاده لعربستانيين تحت حكمه ، حتى أن الدستور الإيراني الإسلامي جاء مذهبيا شيعيا.

وهذا يكون بدعم التيار الديني وإذكاء روح الطائفية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي الجنوبية وتفتيت الأمة العربية إلى طوائف ونحل وملل شتى .

ويشير القائد الفذ الشهيد صدام حسين في مقالة له نشرتها الطليعة العربية ع،181-27 تشرين أول 1986م أن سياسة أوبك وتحديد الانتاج ورفع الأسعار والاتفاق الذي حصل بين مجمل دول منظمة أوبك ومنها إيران والعراق برغم الاحتراب بينهما جعل الدول الغربية التي تناقض هذا الفعل مع سياستها تفكر تفكيراً جدياً وملياً لتشتيت هذا الموقف من خلال الحرب . وبدوره يرى القائد صدام حسين أن هناك عوامل أنضجت الحرب قبلها وأثناءها وهي :

• الاستقلالية والخصوصية التي حددها العراق في التنمية الشاملة وتوازن القول مع الفعل في العراق .

• الرغبة الدولية للنيل من الاستقلالية وتلك الخصوصية ولرفض الوصاية ورفق قمة بغداد التي ناقضت حسابات البعض بما مثلته من دعوة لأخوة عربية وتضامن ، ورفض للحلول الاستسلامية الهزيلة .

وهذه الحالة الثانية هي التي جعلت الجنرال لوسيان بورييه الفرنسي يعلق بقوله أن هذه الفوضى الدموية في المنطقة تجري برمجتها على ضوء السباق الأمريكي – السوفياتي للاستئثار بالموقع الاستراتيجي لإيران تماماً كما كان يحدث في إيران في بداية القرن حيث تعرضت للتقاطب والتجاذب والتقطيع بالسكين وجزء كبير من الفوضى يزول إذا ما تم التنسيق بين البلدين .

واتفق مع هذا الرأي جاك فرنان الخبير الفرنسي وماري دولا غورس حيث كان يرى أن الإيرانيين قرروا مواصلة الحرب بفضل الدعم الأمريكي والترياق الصهيوني ويرى هؤلاء أن البصرة على ضوء اللعبة الخمينية هي مركز اختبار لما سيحدث في المنطقة عام 2000م وأمام صمود العراق المذهل فإن هذا سينسحب؟؟

من الذي أشعل الحرب العراقية الإيرانية !!

يمكن تلخيص الجواب بالقول :انها مسؤولية إيران الخميني ومحاولته تصدير الثورة ، قومية الصراع وحالة النهوض القومي العربي ودور السافاك والمخابرات المركزية الأمريكية وتقصير المجتمع الدولي ووضعه أكوام الحطب في جمر نارها الملتهب.

أولاً : الخميني وآياته دفعوا العراق للحرب :

يختلف الدارسون والمحللون حول تاريخ بدء الحرب واشتعالها فبعضهم يرى أن العراق شن عدواناً على إيران تمثل باجتياح الأراضي الإيرانية منذ 22/9/1980م في حين يرى العراق وأنصاره أن تاريخ العرب بدأ في 4/9/1980م في الوقت الذي شرعت فيه المدفعية الإيرانية بقصف المدن العراقية الحدودية زرباطية ومندلي .

واقع الحال يشير أنه ليس من الضروري بمكان أن تبدأ باجتياح عسكري من طرف لآخر بل أن الاستفزازات والتحرشات للخصم تشكل بداية معلنة نحو الحرب ، لذا فإنه يجب أن لا يغيب عن بالنا أن العراق تعرض بعد استلام الخميني لمقاليد الحكم في إيران إلى عشرات الاعتداءات الحدودية وإلى التصريحات التي تنفذ حقداً وسماً والتي اشتم منها على أنها نوايا صريحة لإلحاق بغداد بقُم .

و حينما نزل الخميني من طاترته قادماً من فرنسا وكانت أولى تصريحاته أننا سنحارب دول الغرب والشرق وعلى رأسها الأنظمة التي تدعي التقدمية عند العرب ، ورافق هذه الحالة توضيحات أكثر وتفوهات عنصرية فارسية حاقدة من حسن بني صدر، وقطب زاده وخلخالي وغيرهم من أقطاب النظام الإيراني،وكانت جملتها تتحدث عن رغبة في التدخل في الشؤون العراقية واقتطاع البحرين وسلب الإمارات العربية ، والإطاحة بالكافر صدام حسين أبو جهل وحينما أعدم الشيخ باقر الصدر دعا الخميني الجيش العراقي إلى ترك الثكنات والانقضاض على حكم الرئيس العراقي صدام حسين ! (2)

وقد صرح قطب زاده يومها قائلاً : إن العراق جزء من إيران وأعقب ذلك بتصريح قال فيه أن بغداد وعدن تابعتان للدولة الفارسية وفي حزيران 1980م صرح أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية آنذاك أن الجيش الإيراني سوف يتحرك لاحتلال بغداد ، ولن تقوى قوة في العالم على ردعه عن هذا الهدف وقبل أن يهرب بني صدر سراً على فرنسا قال في أحد خطاباته إن بإمكان الجيش الإيراني اجتياح العراق(3) .



لكن لماذا اجتياح العراق؟؟!!!

بلا شك لأنه الطريق الموصل إلى الخليج العربي ولأنه صخرة صلدة إذا ما نجح الإيرانيون في زحزحتها نجحوا في جرف كل السدود التي في طريقهم .

وفي يوم 21 نيسان 1980م فوجئ طارق حنا عزيز المسيحي أحد أركان الثورة في بغداد بقنبلة يدوية أطلقت عليه من بين الجماهير أثناء ندوة اقتصادية سياسية جرت في جامعة المستنصرية ببغداد يومها اشتم منه العراق رائحة الدم الذي سال في المستنصرية وبكل أسى وحزن زار صدام حسين الموقع وأدرك بحسه التاريخي وفكره الصافي وتحليله العميق أنها لعبة إيرانية خبيثة لتفجير الصراع الطائفي في العراق ، وردد صدام حسين أمام الجماهير العراقية والعربية المحتشدة غضباً أننا والله ثم والله لننتقم من الذين يحاولون الثأر من قادسية سعد والذي أسالوا الدماء الزكية الطاهرة على الأرض العراقية . (4)

وقد نجا طارق عزيز وبأعجوبة من هذا الحادث وقتل وجرح عدد من الطلبة وسارت جنازة تحمل الشهداء وعبرت حي إيراني في بغداد وإذا بقنبلة أخرى تقذف على حاملي الجنازات وتبع ذلك القبض على عناصر تنتمي لحزب الدعوة العراقي المدعم من إيران الشاه عام 1985 والذي يحاول الظهر ليدعمه الخميني .

ووجد أن العناصر التخريبية تلقت دعمها وتدريبها وتسليحها في إيران وتبع ذلك اعتداءات حدودية على زرباطية وميسان ومندبي وسيف وسعد وقد زادت عن (64) اعتداءً .

حتى تبعها هجوم إيراني كبير في الرابع من أيلول 1980م على مخافر ومواقع حدودي عراقية متقدمة في هذا الوقت ألح الضباط والجنود على قيادتهم حتى ترد الصاع صاعين وأن تمارس سياسة الند بالند وهي سياسة عراقية ضاربة في التاريخ منذ أن سنت شرائع حمورابي قوانينها المشهورة العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم، وفي هذا الإطار كتب القائد صدام حسين أننا نمد يدنا فنصافح فإذا وجدنا عكس ذلك فإننا نضغط على عدونا فإذا ما أصر على عناده واستكبر فعندها نكسر ذراعه .

وبهذه السياسة ارتسمت فلسفة قادة الثورة في بغداد ، وهذا ما يمثله على سبيل المثال إقدام العراق على المنشآت النقطية والأهداف الاقتصادية في بداية أيلول من عام 1987م بعد تسويف إيران في عدم تطبيق قرار مجلس الأم الدولي رقم (590) الداعي لوقف الحرب وفرض عقوبات على الطرف الذي يواصل القتال .

واشتعلت الحرب وكانت إيران دافعاً أساسياً لها لكن هذا الحدث حتى نضج على هذا النحو من الفعل ورد الفعل كانت هناك مجموعة عوامل أخرى تحركه حتى أنضجته وجعلته يمكث عدة سنوات بدلاً من أن يكون مجرد حرب تكتيكية محدودة الأهداف ويأخذ مداه إلى حرب شاملة تأخذ معاني أخرى وأبعاداً عديدة ، وهذا في رأينا لا يكفي أن هذا الحدث التاريخي تتداخل معه عوامل كثيرة حتى جعلته يأخذ هذا المدى إلا أن الأساس في الحرب هو فرضها على العراق من قبل إيران الخميني .

ويرى الرئيس العراقي صدام حسن في معرض تفسيره لاعتداءات الإيرانيين لما قبل الحرب فيقول كان حكام إيران وكأني أسمعهم اليوم يتبارون في إطلاق التصريحات الهستيرية ، ويفسرون عدم الرد الفوري بأنه علامة ضعف ، تشجعهم في التمادي في عدوانهم وغطرستهم ، حتى بلغ عدد اعتداءاتهم (539) إعتداء ، و(249) خرقاً جوياً من 23 شباط 1979م ولغاية 21 أيلول 1980م ، وتجاهلوا كما يتجاهلون مذكراتنا التي أرسلناها لهم والتي بلغت (293) مذكرة احتجاج ويفسرونها كذلك بأنه لغة الضعفاء ولاستجداء ، كما أطلق المدفعية الإيرانية النار على الطائرات المدنية ثلاث مرات من الفترة (آب 1980م ولغاية أيلول 1980) وقصفت المنشآت الاقتصادية والنفطية العراقية سبع مرات للفترة من كانون ثاني 1980م ولغاية أيلول 1980م (5) .

ثانياً : قومية المعركة والصراع الأيديولوجي بين البلدين :

أحد الأسباب التي دعت العراق لخوض حرب شاملة واستمرارها هو شكل الفلسفة ونظام الحكم القائم في كلا البلدين وهما حكومتان متناقضتان في المبدأ والهدف الفكري هذا عدا عن الاستفزازات والتحرشات التي أقدمت عليها إيران وهي حالة منبثقة عن الأولى بمعنى أن التحرش الإيراني وليد القومية الفارسية المتعصبة التي أخذت من الإسلام ستاراً لها .

يقول جون بولتا في كتابه صراع قوميتين الهبة التحرش الإيراني وهو مفكر فرنسي ذهبت إلى إيران زمن الشاه وزمن الخميني وبدا لي أن الحرب على العراق واقعة لا محالة ، فهنا تلتهب مشاعر فارسية ، وهناك تستعر مشاعر القومية العربية وبغداد بعد اتفاقيات كامب ديفيد وتحييد الثقل المصري بدت صاحبة الريادة في تحفيز الوحدة العربية واستعجال استحقاقاتها ، والرئيس العراقي وعى أهمية العراق في مرحلة ما بعد كامب ديفيد ، وكاستراتيجي حاذق ، ضاعف من الإنجازات وجعل بلاده تنطوي على قدرات ذاتية نابعة من هيكلية لطاقاتها البشرية والتنموية (6)

وبعد قراءة المؤلفات السياسية واستقراءه التاريخي ومسلسل الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العراقية منذ عام 1980م ، وفشل إيران في خلق حرب طائفية في العراق ودفاع العراقيين بلا تحفظ عن نظامهم ورؤيتهم له كنظام حداثة وروح العصر أمام الظلامية الدينية الخمينية في إيران .

والمؤلف يثبت أن العراق مهد القومية وأن الحرب قومية أيديولوجية تبرزها الكرامة المبطنة للفرس تجاه العرب قديماً وحديثاً ورفض الفرس لغصن الزيتون العراقي رغم أن العراق انسحبت من الأراضي الإيرانية ومحاولة إيران نشر سلفيتها في المغرب لفشلها الذريع في نشرها في العراق (7)

والكاتب الفرنسي سابق الذكر جون بولتا يتوقف عند حرب القادسية 737م بين العرب والفرس ويتحدث عن حزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره حزب صنع مجتمع قومي عربي عصري بأفكار قومية علمانية اشتراكية من خلال تصديه الحازم وثورته على الإقطاع والقبليات الرجعية ويقول أن البعث بنى دولة عصرية وأن إيقاعها ومستواها المعيشي قبل هذه الحرب كان بمستوى الحياة في إسبانيا ، ويرى أن الرئيس العراقي صدام حسين خاصية متميزة فريدة من نوعها إن أعداءه يخافون منه وأصدقاءه يمحضونه ثقة بلا حدود وهو رجل حركة وعمل دائم ، طويل القامة أنيق ورياضي سيد نفسه ودائم اليقظة . ويشير إلى أنه أجرى حوار مع صدام حسين فوجد أن من صفاته الانغراس في التاريخ والرؤية المستقبلية لبناء دولة قومية عربية عصرية .

وحول هذا البعد القومي التاريخي وأثره في الحرب بين عراق العرب وفرس المجوس وجدنا أن جمعية الدراسات الدولية التي نظمت ندوة عن الحرب العراقية في شهر نيسان 1987م وقد جاء في حديث كلاً من علاء نورس أستاذ تاريخ العرب بجامعة بغداد وهشام جعيط أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية التشديد على جذور الصراع التاريخية وهو صراع تاريخي أيديولوجي قومي . (8)

وفي اطار الحديث عن الأسباب الجغرافية والتاريخية والدينية للحرب الممزوجة بروح قومية عنصرية قارسية ذكر خبراء فرنسيون في شؤون الشرق الأوسط ومنه ميشال جوبير (وزير خارجية فرنسا السابق) وبول مارك هنري (سفير فرنسا السابق في لبنان) الجميع أجمعوا على أن هناك تماس جغرافي غير مريح ونزعة دينية إيرانية متطرقة وحالة تخوف بالمقابل من عدوى طائفية إيرانية تنتقل للشاطئ المقابل وهذا السبب يجعل دول الخليج تدعم العراق في حربها مع العراق . (9)

وغالبية الخبراء والاستراتيجيين الفرنسيين أشاروا إلى أهمية القنوات البحرية منذ أزل التاريخ واليت كانت ولا زالت في جوهرها مصدر الصراع التاريخي الجغرافي بين العرب والفرس ، ولهذا السبب تعرضت الصعودية والكويت لهذا التصعيد لأنهما تقعان ضمن دائرة التنافس الاستعماري والأطماع الإيرانية .

إذن حكومة البعث صاحبة الفكر القومي العربي الشمولي ذات النهج الاشتراكي العربي العلماني التي ترى في الدين كحاجة روحية كان لا بد لها أن تصطدم مع المشايخ الذي يتسترون بالعمائم في طهران ، وهؤلاء جعلوا من الدين مؤسسة تجارية سيطروا عليها فيما عرف باسم البازار (السوق الإيراني التجاري) واحد من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر هاشم رفسنجاني مسؤول البرلمان الإيراني الذي يسيطر على 70% من التجارة الإيرانية الخارجية .

لقد فهم حكام إيران أن على الدول المجاورة الخضوع لدولهم الشيعية ولمذهبها ولاية الفقيه بينما نظر العراق إلى أهمية المحافظة على الخصوصية القومية والوطنية التي تميز كل قطر عن غيره .

في هذا الإطار أوضح القائد صدام حسين أن الدعوة لتفتيت وطمس الخصوصيات ومنها الخصوصيات الوطنية والقومية ، هي دعوة مضللة ، وغايتها تسليط غير العرب على العرب ، وعند ذلك يسلب دورهم الديني والإنساني وتتحطم شخصيتهم القيادية داخل الأمة الإسلامية التي ليس من تعارض بينها وبين الأمة العربية لأن معنى الأمة الإسلامية هو الدين المشترك ومعنى الأمة العربية هو الانتماء القومي الواحد (10)

وفي رأيه أن الشعور القومي المتعصب قائم في إيران تاريخياً سواء في عهد عبدة النار أو الذين دانوا بالإسلام وتستروا به سواءً المزدكية والحزمية والحشاشين والقرامطة وغيرهم من الشعوبية ، وحركة الشيعي عبد الله الصفوي وطهماسب .

إن إيران نظرت دوماً إلى الغرب لا إلى الشمال أو الشرق ففي الشمال اليونان القومي وفي الشرق قبائل همجية ليس لها مصلحة في حكمها إذ لم يضاهي الفرس غير العرب .

فالفرس يحاربون نبوخذ نصر العراقي لكنه يلاحق داريوس ويهزمه مثلما جرجر اليهود في مملكة يهودا والسامرة ، والشعوبية تتحرك في العهد العباسي على شكل حركة قومية عنصرية فارسية معادية للعرب تحاول التقليل من قيمة إنتاجهم الفكري ودورهم في تاريخ الإسلام وانتشار الدعوة .

وفي كل مرة يقوى فيها دور العرب أو يضعف في الخلافة الإسلامية يكون الفرس لهم بالمرصاد وفي هذا الإطار كتب صدام حسين إن دور الشعوبية من خلال الدين في استهداف العرب يظهر عندما يتخلى العرب عن دورهم الريادي المشع ، وعندما يمارس العرب دورهم الريادي القومي المشع أيضاً ، ففي الحالة الأولى يظهر الشعوبيين لملء الفراغ وفي الحالة الأخرى يظهرون لمقاومة المد والدور القيادي للعرب ، وإن تاريخ العرب الحديث والقديم مليء بالشواهد التي تدعم ما نقول(11)

إن آراء كثيرة وشواهد كثيرة تدعم الرأي القائل أن للحرب العراقية – الإيرانية جذوراً تاريخية تمثلت في الرؤيا الإيرانية للعراق دوماً على أنه حالة أدنى وانتقاصاً دائماً لشخصيته ، والحرب بين الدولة الصفوية والعثمانية مكثت أكثر من (200) عام ، وما كانت المعاهدات بين الدولتين إلا فترة استراحة للمحاربين وغالباً ما كانت الدولة الفارسية هي التي تبادر إلى شن هجوماتها على العراق ، بينما احتفظت الدولة العثمانية بموقف الدفاع وبقيت الأحلام الفارسية تجاه العرب القاطنين في جبهتي شط العرب وكذلك العراق إلى أن كانت إمارة الأمير خزعل شيخ عربستان الذي أشرف على نهر كارون المسلك المائي المهم الموصل للخليج العربي ومنه إلى العراق وبلاد فارس وبسط الأمير نفوذه وتوسع واستفاد ما أمكنه الجهد من ظروف الحرب العالمية الأولى حتى كانت انتخابات ملك للعراق عام 1921م فرشح الأمير نفسه إلى عرش العراق شأنه في ذلك شأن الملك فيصل وطالب النقيب وفي هذا التصرف كان يرى نفسه كواحد من عرب العراق وملتزم بقضاياهم وفوق هذا وذاك كان عضواً في الحركات القومية العربية الكبرى عام 1916م وانضم للثورة العربية الكبرى.

ويظهر أن رضا شاه لم يسعد ولم يروق له حال هذا الأمير في مملكته الصغيرة فغدر في يخته عام 1925م ، بعد أن استدعاه إلى حفلة ليلية على ظهر يخت ، وأرسله مكتوف اليدين معصوب العينين إلى إيران .

وعاجل رضا شاه بالزحف العسكري إلى الإقليم وحاول الأمير الاتصال بعصبة الأمم المتحدة في تجاهله اليوم لمسلمي البوسنة ، ونشر رضا خان بياناً في الناس 1925م يقول فيه يا أهالي خوزستان (تسمية فارسية لعربستان) إن سبب مجيئي إلى خوزستان ما هو إلا رؤية جماعة من إخواني وأولادي سكان هذه المنطقة وأن أوفر لهم الأمان والاطمئنان وأرفع عن كواهلهم الظلم والإرهاق والعبودية التي يفرضها عيهم الشيخ خزعل وجماعته من الغلمان وعن قريب سينال هؤلاء الخارجون عن النظام جزاءهم وستصادر أملاكهم ويلقي عليه القبض لمحاكمتهم ، كما سوف يُقبض على كل مناصر للشيخ (12) .

وكان أن دعا الجنرال فضل الله زاهدي الشيخ وأولاده إلى حفلة رقص ليلية وخطفه وأولاده (وهم من العرب الشيعة) إلى سجون طهران وهناك في طهران دخل أحد الشرطة عليه فقتل الشيخ عام 1926م وسقطت عربستان يومها في ظل تخاذل عربي وتخلف وجهل العربستانيين وتآمر استعمار دولي على الإقليم كما حدث لعرب فلسطين واقتطعت أرض عربية عزيزة على الأمة شأنها في ذلك شأن الأجزاء الأخرى (13) .

1 تعليقات:

غير معرف يقول...

سلام عليكم

اضافة الى معلوماتكم الدقيقة جدا جدا:
1- آية الله شريعتمداري مرجع شيعي و ليس سني... و من متى يسمون اهل السنة علمائهم "آية الله؟"
2- في فترة حكم صدام في العراق، لم يسلم منه لا شعبه و لا الشعوب العربية منها الكويت و السعودية... فكيف يمكن الدفاع عن هكذا شخصية غريبة الاطوار؟

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر