الراصد القديم

2011/11/13

الديمقراطية المزاجية


محمود صالح عودة

إلى أي حد يمكن أن يصل تناقض الإدارة الأمريكية في الممارسة الديمقراطية؟ وهل تعامل تلك الإدارة غير الديمقراطي ولا العادل في شؤون عالمية ومصيرية، مع تغنيها بالديمقراطية، أصبح شيئًا عاديًا يمر بدون اعتراض يذكر؟



لقد صوتت قبل أسبوع ونيف 107 دول لصالح عضوية فلسطين في منظمة التربية والعلوم والثقافة للأمم المتحدة "يونسكو" مقابل 14 دولة صوتت ضد تلك العضوية، بينما امتنعت عن التصويت 52 دولة. جدير بالذكر أن العضوية في "يونسكو" لا تعني العضوية الكاملة في "الأمم المتحدة"، إذ إن الأولى عبارة عن فرع من الأخيرة.



وبعيدًا عن النقاش حول نزاهة "الأمم المتحدة"، والجدال حول ذهاب سلطة أبو مازن لطلب العضوية بشكل منفرد، فإن الحصول على العضوية في "يونسكو" التابعة لها يعتبر خطوة إلى الأمام في الساحة الدولية، بالرغم من وجود تحفظات أساسية حول تعريف فلسطين وحدودها وتاريخها وحقوق أهلها، وهو يعبّر عن تعاطف دولي كبير مع القضية الفلسطينية، تخطى المستوى الشعبي ليصل إلى الرسمي.



الإدارة الأمريكية سبقت إسرائيل في وقف تمويلها لليونسكو بعد منح العضوية لفلسطين، وهي خطوة تتضمن رسالة واضحة مفادها أن الأمريكيين أحرص على الإسرائيليين من الإسرائيليين أنفسهم، لكن على ما يبدو لم تصل تلك الرسالة إلى سلطة رام الله.



وقف التمويل الأمريكي قد يعوّض من قبل جهات أخرى، لكن نفوذ أمريكا في المنظمة معرّض للاضمحلال، وهي تدرك هذا ولكنها في ذات الوقت تدرك أن اليونسكو لا دخل لها في السياسة، فلا خطر بالتالي على النفوذ السياسي الأمريكي في العالم التي تشكل "الأمم المتحدة" ذراعه الطويلة، حيث تصل إلى أماكن ليس باستطاعة الإدارة الأمريكية الوصول إليها وحدها.



وعودة إلى سؤال الديمقراطية ورفض أمريكا لنتائج تمت بشكل ديمقراطي، فإن الجواب يكمن في بنية النظام الأمريكي، وهو ما يحتاج إلى بعض التحرير:



إن النظام الأمريكي تقوده وتحركه الأموال، والأموال هي بيد رؤوس الأموال وأصحاب الشركات والبنوك، وما يريده أولئك هو الاستمرار والهيمنة. وكل ما يهدد مصالحهم ويعرّض هيمنتهم للخطر فهو مرفوض وإن تم بشكل ديمقراطي أو متفق مع أيديولوجية أو قوانين البلاد الرسمية، وهو ما يعني بالتالي أن هناك نخبة أمريكية فوق القانون.



هذا الوضع أخرج الأمريكيين إلى الشوارع، بقيادة حركة "احتلوا وول ستريت" - وهي المقاطعة الاقتصادية في نيو يورك التي أصبحت رمزًا لنظام الفساد الرأسمالي - التي انتشرت في أكبر المدن الأمريكية، لتشكل بداية لاحتجاجات قد تتحوّل إلى ثورة، لا سيما أن كثيرًا من المحتجّين يقتدون بالثورات العربية الإسلامية.



الأمريكيون يتظاهرون ضد حكومتهم وسياستها، وما زال البعض في رام الله يعوّل على قادة أمريكا وديمقراطيتها المزاجية. لا نجد لذلك تفسيرًا سوى التفسير التقليدي، وهو أنهم موظفون مخلصون عندهم وينتظرون رواتبهم آخر الشهر منهم. ونرى أن الصلة الوحيدة بين الشعب الفلسطيني وبينهم هي ذات الصلة التي كانت بين الشعب المصري مع مبارك، والشعب التونسي مع بن علي، والشعب الليبي مع القذافي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر