الراصد القديم

2011/11/15

نظام سوريا يسعى لوضع نفسه تحت وصاية أجنبية


لطالما ادعى النظام السوري وحلفاءه في لبنان أنهم عرضةً لمؤامرة خارجية تستهدف نظام سوريا ومحور المقاومة والممانعة من حزب الله وإيران ومؤخراً نظام المالكي في العراق الذي امتنع عن التصويت في الجامعة العربية تأييداً لنظام سوريا واستعداءً للشعب السوري الذي يقدم التضحيات يومياً سعياً للخلاص من الديكتاتورية والأحكام العرفية وسلطة المخابرات. وعندما طالب الشعب السوري المجتمع العربي والدولي بالتدخل لحمايته من إجرام هذا النظام وبطشه وقسوته بحق المواطنين والمتظاهرين، انبرى إعلام سوريا وحلفاء سوريا ليتحدث عن أن المعارضة السورية تستدرج عروض التدخل الأجنبي والخارجي في الداخل السوري.. رغم أن سلمية التظاهر هي حق مشروع في كافة دول العالم إلا في سوريا وإيران.. وبالأمس طالعنا وزير خارجية سوريا وليد المعلم بقوله: "إنه يستبعد تدويل الأزمة السورية بفضل موقف روسيا والصين". وقال المعلم ردا على سؤال في هذا الشأن إن "الموقف الروسي والصيني، والذي حظي بشكر وامتنان شعبنا، لن يتغير طالما نحن على تنسيق وتشاور". فإذا كان التدخل الخارجي لحماية أرواح المواطنين مرفوض، فهل قتل المتظاهرين مسموح؟

إذاً فالنظام السوري يستند في استمرار بطشه أولاً: على دعم دولة إيران وبعض أتباعها في المحيط العربي أي في لبنان والعراق، وهذا بحد ذاته استقدام واستدعاء للتدخل الأجنبي في دولة سوريا، وثانياً، الاعتماد سياسياً على موقف دولتي روسيا الاتحادية والصين وهو ما يعتبر الارتهان بعينه لاستراتيجيات وطموحات سياسية خارجية، ويضع سوريا ومصالح شعبها في خدمة الأطماع والمخططات السياسية والاقتصادية لهاتين الدولتين. وبالتالي يكون استمرار نظام الأسد في سوريا رهينة تدفق الدعم المادي الآتي عبر الحدود من أكثر من محور (إيران وحلفائها)، والسياسي الذي يخدم دول عظمى قادرة على تأخير مصير هذا النظام ضمن أطر المؤسسات الدولية (الصين وروسيا).

ويمكن متابعة هذا الدعم من خلال مراجعة مواقف وممارسات هذه القوى وتصريحات قادته ونهج إعلامها..

- الإعلام الإيراني وإعلام حلفاء إيران في لبنان والعراق يؤكدون على حق نظام سوريا في قمع شعبه بكل قسوة وذلك بتجاهل حقيقة ما يجري على أرض الواقع واستخدام عبارات التشكيك في جدية المعارضة وحجمها، ومصطلحات التخوين بحق قادتها وجمهورها، مما يهدر دم الشعب السوري لارتكابه الخيانة والتآمر على دولته..!

- موقف حكومة حزب الله في لبنان التي يرأسها ميقاتي ويقود سياستها الخارجية حركة أمل وحزب الله، التي عارضت قرار مجلس الجامعة العربية كما قال رئيس الجمهورية ميشال سليمان بحجة عدم عزل دولة سوريا عربياً، ولكن في الشأن الليبي كان لبنان سباقاً بمشاركته في صياغة قرار التدخل الدولي والتصويت عليه بالموافقة في مجلس الأمن الدولي بعد أن تبناه وزير الخارجية برعاية وتأييد من حركة أمل وحزب الله، ورئيس الجمهورية لم يعتبر آنذاك أن هذا القرار يشكل عزلاً لدولة عربية أو لشعب شقيق ولا استدعاءً للتدخل الخارجي في دولة شقيقة عضو في الجامعة العربية؟

- التظاهر في شوارع بيروت تأييداً لنظام يمارس سياسة القمع الدموي بشكل يفوق التصور والخيال، والضغط على العمال السوريين لتأييد هذا النظام في ممارساته ضد أهلهم وذويهم وشعبهم..

- تطوع حزب الله بالقيام بجولة سياسية خارجية إلى دولة روسيا لمناقشة الشأن السوري والواقع اللبناني..

- التحذير المتواصل والدءوب من قبل قيادات حزب الله وحركة أمل من أن انفجاراً شاملاً سيصيب المنطقة في حال سقط النظام السوري أو جرى أي تدخل خارجي لحماية الشعب السوري من إجرام هذا النظام وأتباعه..

- ظهور المجلس الوطني للإعلام في لبنان بمظهر الحريص على حرية وموضوعية الثقافة الإعلامية في لبنان، ودعوته الأخيرة لإجراء إحصاء للمواقع الالكترونية في لبنان لضبط انتشارها ومعرفة من يقف ورائها.. في ممارسة غير مسبوقة إنما تستهدف الحريات العامة وحرية الإعلام، وإذا كان هذا المجلس حريصا على تقديم صورة مثالية عن موضوعية الإعلام، وتقديم ثقافة إعلامية لا تخدش المشاعر ولا تستفز الغرائز، فما عليه سوى أن يطلب من بعض المحطات الفضائية والأرضية عدم استضافة من يشكل حذاؤه جوهر ثقافته ومضمون أفكاره..

- تجاهل وجود لاجئين ومعارضين سياسيين في لبنان وعدم تقديم الحماية والمساعدات الإنسانية الضرورية لهم، بل قام البعض بملاحقتهم وترهيبهم من قبل بعض المرتبطين بسياسة النظام السوري وبعضهم كما يقال في مواقع رسمية، في حين أن الشعب السوري برمته هب لنجدة اللبنانيين إبان حرب تموز/يوليو عام 2006، واحتضنت العائلات السورية الآلاف من العائلات اللبنانية إبان الحرب..وأحسنهم موقفاً يتجاهل وجودهم..

- قامت مجموعات من مؤيدي نظام سوريا بمهاجمة سفارات وقنصليات عربية ودولية في دمشق وبعض المدن السورية، وللمفارقة لم يسقط أي جريح أو قتيل على يد الشرطة في محاولتها منع عمليات الاستهداف هذه، في حين يسقط عشرات الشهداء والجرحى ومئات المعتقلين من أبناء الشعب السوري خلال تظاهراته السلمية المناهضة للنظام. واعتذار الوزير المعلم عما جرى قائلا: "أنا كوزير للخارجية أعتذر عن الاعتداءات على السفارات"، ما هو إلا ذر للرماد في العيون بعد أن وصلت رسالة التخريب للمعنيين..

- الموقف الروسي واستكمالاً لدوره في تهيئة الظروف المناسبة لتدخله في شؤون سوريا ودعماً لاستمرار هذا النظام في بطشه بشعبه والتنكيل به فقد رفض قرار الجامعة العربية، لكنه في الوقت عينه يجتمع بقادة المعارضة السورية ويناقشهم مستقبل سوريا، وقد قال لافروف:"نعتبر أن تعليق مشاركة سوريا بصفتها عضو في الجامعة العربية غير صائب، والذين اتخذوا هذا القرار فقدوا فرصة فعلية لجعل الوضع أكثر شفافية". وأضاف أن "هناك طرفاً ما يبذل كل ما بوسعه لكي لا يتمكن السوريون من التوصل إلى اتفاق في ما بينهم" وأضاف لافروف أن ممثلين عن المجلس الوطني السوري الذي يمثل معظم أطياف المعارضة سيزورون موسكو في 15 تشرين الثاني/نوفمبر.

لن ينفع النظام السوري الارتماء في أحضان إيران وأتباعها في لبنان والعراق، ولن ينقذه إتباع سياسة شراء الوقت واللعب على العبارات والألفاظ، وتسيير المظاهرات المدفوعة الأجر، وإطلاق التصريحات النارية والتهديدات الجوفاء، سواء على لسان مسؤولين سوريين أو قيادات لبنانية تهدد بإشعال المنطقة وتغيير معالمها وجغرافيتها، وشتم هذا المسؤول أو ذاك ثم يقوم بري بعد ذلك بمناشدة الملك عبدالله بن عبدالعزيز بالتدخل حين قال في برقية: "خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز، ملك المملكة العربية السعودية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد الذي جرى ويجري. لا أرى غيركم - بعد الله - لمصالحة ليس ما بين السوريين فحسب، بل بين العرب والعرب". ولكن للتذكير فقط فقد كان بري وفي مهرجان اختفاء الإمام الصدر قد قال: "انتقل البعض لتسخير وسائل إعلامه للهجوم على سوريا وحاول تجنيد سوريين وتمويلهم والنتيجة كانت ربما ليس إطالة الأزمة في سوريا بل إطالة أمد معالجتها، الحرب من اجل سوريا جرت منذ مطلع القرن العشرين لأنها مفتاح الحرب والاستقرار بالمنطقة، أردنا أن لا نقع في الأفخاخ والكمائن التي تستهدف سوريا لأننا سنكون أمام سيكس يبكو جديد". بمجرد أن رأى أتباع سوريا جدية العرب والمجتمع الدولي في معالجة الأزمة السورية وإنقاذ الشعب السوري من براثن هذا النظام وأتباعه جاء نداء بري هذا الذي كان يجب أن يطلق منذ أشهر وليس اليوم بعد أن بدأت قواعد هذا النظام في الترنح تحت وطأة انتفاضة شعب سوريا وصموده الاسطوري أمام سطوة وبطش آلة القتل الرسمية وغير الرسمية.. ولن ينفع هذا النظام اليوم الدعوة لعقد قمة عربية بعد أن أهان وأساء إلى معظم القادة العرب وهم الذين دائماً ما كانوا إلى جانبه وأعطوه من الفرص ما يكفي لمعالجة شؤونه الداخلية بحكمة وروية، ولكنه أضاعها الواحدة تلو الأخرى مستنداً على قراءة خاطئة ومغلوطة ومرتبطاً بسياسة دولية وإقليمية قائمة على مبدأ الإرهاب والترهيب والتهويل والتهديد..وإذا كان من مصلحة نظام سوريا العمل على تامين غطاء دولي وإقليمي يضمن له الاستمرار في الحكم والبطش بأفراد شعبه، فإن من حق الشعب السوري طلب الحماية الدولية من نظام ديكتاتوري شمولي كهذا للانتقال بالبلاد إلى حال الاستقرار والديمقراطية والحرية..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر