الراصد القديم

2011/12/12

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الاول

بقلم المؤرخ: الدكتور إلياس شوفاني

أرسلت المادة للنشر من قبل عصام عراف بإذن من المؤلف والمترجم د.إلياس شوفاني

مقدمة الكاتب

يكثر هذه الأيام، وخاصة في سياق الكلام عن الصراع العربي - الصهيوني، التعبير عن الوعي المشوه لطبيعة هذا الصراع، وبالتالي، عن مدى نجاح الإعلام الصهيوني في تحقيق "التطبيع الثقافي"، أي تزييف الوعي السياسي، لدى الفئة السائدة في النظام العربي القائم، الأمر الذي يبرز من خلال زيف الأقوال الصادرة عن أفرادها. فهذه الفئة، التي وصلت بشكل أو بآخر إلى مواقع الزعامة وصنع القرار، وتبريراً لعجزها في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني، تبحث عن كبش فداء تحمله تبعة التقصير في أدائها،فلم تجد صيداً أسهل من الجماهير الشعبية التي تحملت وزر اختلال أوجه نشاطها في مراحله المتعاقبة. والباحث المتتبع للمسارات السياسية الجارية، وما يواكبها من تصريحات صادرة عن أفراد تلك الفئة، أو بعضهم على الأقل،لا يمر عليه يوم لا يطالعه فيه أحدهم أو أكثر،بتصريح ينم عن جهله بطبيعة الصراع الذي من المفترض أنه يتولى إدارته، ولعل الأشد مضاضة على هذا الصعيد الأحكام الغوغائية التي يصدرها البعض على نضال الأجيال السالفة في مواجهة العمل الصهيوني. وليس أقل زيفاً ونفاقاً التباهي بالتضحيات التي قدمها البعض" فداء" لفلسطين، وفي سبيل تحريرها، بل التباكي على المنعكسات السلبية لقضيتها على واقع البلد الذي يحكمه.

وهذا الواقع لا يعدو كونه تعبيراً عن أزمة الهبوط التي تعاني منها تلك الفئة السياسية، التي تشكل العمود الفقري لأنظمة الحكم القائمة في المنطقة عموماً، والتي تجد نفسها حالياً في حرج. ولذلك فهي تبتدع المبررات الواهية للحفاظ على امتيازاتها، الأمر الذي يقودها إلى تحميل ضحايا تقصيرها المسؤولية عما حصل نتيجة لسلوكها هي. لقد تنطحت لما يسمى"قضية الأمة المركزية" – قضية فلسطين - وادّعت أنها خاضت حرب 1948 لتحرير هذا القطر العربي الأصيل من براثن الصهيونية الاستيطانية، إلا أنها في حقيقة الأمر دخلت فلسطين لتنفيذ قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947. ومنذئذ، ظلت تلك الفئة في تراجع كما هو معلوم، وصولاً إلى وضعها الراهن، حيث صارت تعتبر "التسوية" مع العدو القومي ركيزة في ما يسميه البعض "الأمن القومي". ولما انضوت "الثورة الفلسطينية"، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في النظام العربي القائم،صارت مهمتها تمهيد السبيل أمام القوى الانتهازية للتملص من مسؤوليتها في إدارة الصراع. وبذلك فقدت تلك المنظمة مبرر قيامها أصلاً، وأصبحت أشد حلقات ذلك النظام أزمة كونها أضعفها؛ والمهزلة أن هذا النظام أولاها المسؤولية عما يسميه زوراً "قضية الأمة المركزية".

في واقع الحال كانت الأجيال السابقة، التي واكبت بدايات النشاط الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، ذات مصداقية عالية في تصدّيها لذلك المشروع المعادي. قد لا تكون القيادات السالفة أعمق وعياً بطبيعة المشروع الصهيوني، لكنها بالتأكيد كانت شديدة الإيمان بقضيتها، والصدق في تصرفاتها إزاء ذلك المشروع كما وعته. فما من شك في أنه نتيجة لتبلور الوعي القومي، من خلال اليقظة الفكرية والثقافية في الوطن العربي، قد تصدت " الحركة القومية العربية " سواء على صعيد القوى السياسية والنخب الثقافية، أو على المستوى الشعبي، للحركة الصهيونية فكراً وممارسةً. ومهما يكن من أمر, فإن الفئات السائدة في الحركة القومية العربية في حينه، كانت بالفعل شديدة التمسك بمنطلقات مواقفها، والالتزام بمصالح شعبها. وإذ لم تحقق الحركات السياسية الأولى أهدافها المعلنة، وأخفقت في الحؤول دون قيام المشروع الصهيوني، فإن الحركات اللاحقة، والأنظمة السياسية التابعة، لم تكن أوفر حظاً في التصدي لمسيرة ذلك المشروع الاستيطانية العدوانية.

إن هذا التراجع الواضح في الحركة السياسية العربية، خاصة على المستوى القيادي، وفي مقولات أفراده، أو بعضها على الأقل، هو الدافع الكامن وراء هذا العمل، الذي هو ترجمة أمينة لنصّ يتناول المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني في بدايته، وكذلك المناهضة السياسية والفكرية للصهيونية، كما استوعبها أبناء الجيل. وفي الواقع، وبحدود القدرة الذاتية على القيام بما يلزم، واكبت المقاومة العربية الاستيطان الصهيوني منذ بدايته. لكن تلك المقاومة، ولأسباب ذاتية وموضوعية لم تستطع الحؤول دون تجسيد المشروع الصهيوني في فلسطين. فعلى الصعيد الموضوعي، كانت المقاومة العربية تنطلق من قاعدة إمبراطورية متهاوية - السلطنة العثمانية - بينما الصهيونية تنطلق من قاعدة إمبريالية صاعدة. ولذلك، فبينما كانت الحركة القومية العربية تركز اهتمامها على التخلص من نير الحكم العثماني، كانت الصهيونية تسعى جاهدة لنيل الدعم الأوروبي لمشروعها، وبالتالي، تأليب القوى الفاعلة للإجهاز على السلطنة العثمانية وتقسيم أراضيها، واتخاذ فلسطين قاعدة لاستيطانها. ومن سخرية القدر أن تجد الحركة القومية العربية نفسها، كما هو حال بعض الأنظمة العربية راهناً، متحالفة من أجل تحقيق أهدافها مع الدول الإمبريالية، التي شكلت "البلد الأم" الإمبريالي للحركة الصهيونية. وحال المنظمات "الثورية" الراهنة مع الأنظمة العربية كحال الحركات القومية في حينه مع النظام العثماني؛ التاريخ يكرر نفسه على شكل مهزلة.

فعلى الصعيد الذاتي، لم يستطع الموقف السياسي النظري، المعادي للصهيونية في الجانب العربي، أن يترجم نفسه في حركة سياسية منظمة وفاعلة، أسوة بالحركة الصهيونية، التي راحت بعد "مؤتمر بازل" (1897) تصوغ منظمتها بالشكل الذي يضمن لها تحقيق أهدافها. ومنذ البداية، وفي مقابل تمركز النشاط الصهيوني، وتحديد أهدافه العملية، وبالتالي، حشد مقوماته لانجاز تلك الأهداف، ظلت المقاومة العربية مبعثرة، وتعاني حالة من الانفصام بين النظرية والتطبيق. فحالة الوعي التي كانت في طور التشكل، والتي تمحورت حول القضية الضاغطة - العلاقة مع الحكم العثماني - مع أنها لم تكن غافلة عن الخطر الصهيوني، وكذلك الوضع السياسي- الاجتماعي للشعوب العربية لدى انطلاق الصهيونية كحركة سياسية، تمتلك مشروعاً استيطانياً قابلاً للتجسد، لم يكن من شأنهما تأهيل الحركة القومية العربية لبناء التنظيم السياسي، وبالشكل المطلوب، القادر على مواجهة الحركة الصهيونية ودحرها. وكان واضحاً أن الحركة القومية العربية لم تكن تمتلك برنامجاً ــ فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، أو عملياً – موحداً في مواجهة النشاط الصهيوني، فظلت المناهضة العربية للمشروع الاستيطاني تتسم بطابع العفوية والارتجال، وبالتالي، بردات الفعل التلقائية. وهذا الوضع بشكل عام لا يزال هو واقع الحال السائد في الجانب العربي راهناً رغم مرور أكثر من قرن على الصراع، بشكل أو بآخر، مع المشروع الصهيوني.

وعلى الرغم من الرفض الرسمي العثماني للمشروع الصهيوني، فإن هذا الموقف المبدئي لم يترجم عملياًُ على الأرض، وبالتالي، فالإجراءات المتخذة لتطبيقه في الواقع لم تحل دون دخول المستوطنين الصهيونيين إلى فلسطين والإقامة فيها، بهذه الصيغة أو تلك. لقد أفاد هؤلاء المهاجرون الجدد من الثغرات في القوانين والإجراءات، كما استغلوا فساد الموظفين بالرشاوى، واستندوا إلى دعم قناصل الدول الأوروبية، للالتفاف على أوامر السلطة العثمانية المركزية بحظر تلك الهجرة وامتلاك أعضائها الأراضي للاستيطان. وفي الواقع، فإن قناصل الدول الأجنبية كثيرًا ما احتجوا على القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين، واعتبروها خرقاً للامتيازات التي تتمتع بها دولهم. وعبر تدخل هؤلاء القناصل، كثيرا ما رضخ الموظفون العثمانيون للضغوط أو أُغروا بالرشاوى فتغاضوا عن التجاوزات الصهيونية لتوجيهات السلطة المركزية. وكذلك، وعلى الرغم من القوانين الصادرة بمنع بيع الأراضي للمهاجرين الجدد، فقد استطاع هؤلاء، وعبر السماسرة، أو عن طريق العقود الوهمية، من ابتياع مساحات من الأراضي لإقامة المستعمرات. وبنسبة عالية جداً، كانت تلك الأراضي المباعة تخص ملاكين غائبين، ممن استولى عليها عبر الالتزام أو سجّلها باسمه لقاء دفع الضريبة المستحقة عليها، نيابة عن الفلاحين الذين لم تتوفر لديهم الأموال اللازمة لذلك، وخصوصاً بعد صدور القوانين الضريبية على الأرض، إثر مسحها وتسجيلها في عهد "التنظيمات"؛ فتركزت في أيدي هؤلاء المتمولين الغائبين مساحات واسعة من الأراضي في الريف.
وإزاء فشل الإجراءات العثمانية في إيقاف الهجرة اليهودية، وبالتالي، ازدياد النشاط الصهيوني الاستيطاني، برزت المقاومة المحلية لهذه الظاهرة. وإذ لم تكن المقاومة منسقة ومنظمة، فإنها تفجرت بصورة عفوية، وبالتواكب مع عمليات شراء الأراضي من الملاكين الغائبين وطرد الفلاحين أو المرابعين منها، وإقامة المستعمرات عليها. وكان كلما توسعت عملية الاستيطان وانتشرت في الريف، عمت المقاومة واتسع نطاقها. فشراء الأراضي عبر السماسرة، وفي صفقات مشبوهة وسرّية،جعل المواجهة حتمية بين الفلاحين المقيمين عليها والمستوطنين الذين عمدوا إلى طردهم منها،وبالتالي، قطعوا عنهم أسباب معيشتهم فجأة، ومن دون سابق إنذار. فكان طبيعيا ً أن يقاوم الفلاحون هذه الظاهرة، ويعمدوا إلى العنف في مواجهة لجوء المستوطنين، الذين تدعمهم السلطة، إلى إجلائهم بالقوة. وكانت يد السلطة ثقيلة على الفلاحين في تنفيذ العقود المشبوهة، وخفيفة على المستوطنين في تنفيذ أوامر الدولة وتعليماتها. وكما اصطدم المستوطنون مع الفلاحين، كذلك الحال مع القبائل البدوية التي حرمت من مراعي قطعانها. وقام الطرفان الفلاحون والبدو ــ ومن دون تنسيق، بعمل متكامل في مهاجمة المستعمرات وحرق المزارع، وتخريب المرافق. وتنضح يوميات المستوطنين الأوائل بأخبار هذه المقاومة، التي يسمونها أعمال نهب وتخريب. وفي النص قيد البحث الكثير من الأحداث الموثقة جيداً حول هذه المقاومة المحلية، وإن كان الكاتب يعزوها لأسباب مخالفة لحقيقتها، وذلك لأغراض ذاتية، كونه مستوطن يهودي صهيوني وإن حاول إظهار الموضوعية في طرحه للقضايا.
وفي الواقع، وبغض النظر عن الدعاية الصهيونية التي تروّج غياب الوعي الوطني لدى العرب الفلسطينيين، وتركز على انتمائهم الطائفي، وتبرز خلوّ الأرض من السكان، وصولا ً إلى مقولة الزعيم الصهيوني، يسرائيل زانغويل "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض" فإنه ما من مستعمرة يهودية قامت في فلسطين، ومنذ البداية من دون صراع مع جوارها من الفلاحين والبدو. والدعاية الصهيونية الموجهة، الرامية إلى تغييب سكان فلسطين الأصليين، لتبرير منح الحركة الصهيونية "البراءة الدولية"، تفضحها محاضر جلسات لجان المستعمرات ومذكرات المستوطنين الأوائل، التي أبرزت شكواهم من المقاومة العربية. وهذه الدعاية المضللة والكاذبة تفضحها بصورة صارخة الذرائع والتبريرات التي ساقها المستوطنون لإنشاء وحدات عسكرية مسلحة لحماية المستعمرات. كما يدحضها الجدل بين المستوطنين الأوائل ورجال الهجرة الثانية، بشان ضرورة استبدال الحراس العرب بمهاجرين يهود للقيام بالدفاع عن المستعمرات أمام هجمات المقاومين العرب. كما تكشف مراسلات القناصل الأجانب زيف هذه الدعاية، إذ دأب هؤلاء على الطلب من السلطنة العثمانية إبعاد الفلاحين العرب عن الأرض بالقوة، وتثبيت المستوطنين عليها، وحمايتهم. وفي النص قيد البحث الكثير من الإشارات إلى هذه المقاومة، والكاتب يستند في إيرادها إلى عدد من الأراشيف التي تضم وثائق من تلك الفترة، سواء منها اليهودية، أو التركية، أو الأجنبية، أو حتى العربية. ومن هنا أهمية ترجمة هذه المقالة، الأمر الذي كان الدافع الأساسي للقيام بالعمل لوضعه في متناول القارئ العربي.
يتبع....

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر