الراصد القديم

2011/12/12

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الثاني

وتشير الدلائل إلى أن حركة الاستيطان اليهودي، المدعومة من قناصل الدول الأوروبية وتواطؤ بعض الموظفين العثمانيين، عجلت في تنامي الشعور الوطني وتبلور الوعي القومي لدى قطاعات واسعة من سكان فلسطين وجوارها. وعم هذا الشعور سكان الريف والمدن على حدّ سواء، ولم تخرج عنه سوى فئة صغيرة من الملاكين، الذين كانوا بغالبيتهم غائبين عن الأرض، وقد أغرتهم الأثمان العالية التي دفعها لهم السماسرة للتنازل عن ملكية الأرض. أما التجار والحرفيون والمثقفون، فقد انحازوا إلى الموقف الوطني، ومن منطلق الحفاظ على المصالح الاقتصادية التي تتهددها الهجرة اليهودية الواسعة. وتحت ضغط الرأي العام الشعبي، تقدم أعيان القدس بالتماس إلى الباب العالي (24/6/ 1891) يطالبون فيه بوضع حدّ لهجرة اليهود إلى فلسطين، واستجابت استنبول للالتماس، وأصدرت مرسوماً يمنع بيع أراضي الدولة (الميري) لليهود من دون استثناء (1892). ولم تجد نفعاً احتجاجات اليهود العثمانيين، الذين شكلوا غطاء للصهيونية للالتفاف على القوانين، ولا اعتراضات قناصل الدول الأوربية، في زحزحة الباب العالي عن موقفه، الذي دعمه السلطان عبد الحميد، بحزم. وفي هذا النص العديد من الوثائق التي تؤكد هذه الحقائق. والكاتب الذي لم يأل جهداً في البحث والتمحيص، أورد في مقالته المطولة كمّاً وافراً من المعلومات الوثائقية المستقاة من مصادر متعددة والتي تؤكدها الوقائع، وإن حاول الكاتب أحياناً توظيفها في غير سبيلها.

وقد صدر هذا المقال في مجلد ضخم بعنوان "تاريخ الاستيطان اليهودي في فلسطين (تولدوت هيشوف بإيرتس - يسرائيل) – العصر العثماني - الجزء الأول، (الأكاديمية القومية الإسرائيلية للعلوم، مؤسسة بيالك، القدس، 1989) وفي المجلد عشرة مقالات طويلة، إضافة إلى مقدمة وملاحق وثبت مصادر، وكذلك فهرس أسماء أعلام وأمكنة (963صفحة). والمقال قيد البحث هو الفصل الرابع من الكتاب (ص 215-256)، وهو بعنوان "العرب والصهيونية:1882-1914"، والكاتب هو الباحث الأكاديمي يوسيف لمدان. وبعد الإفادة من هذا البحث في كتابات سابقة عن الصراع العربي - الإسرائيلي، طرأت فكرة ترجمته كاملاً، لوضعه في متناول القارئ العربي في صيغته الأصلية، ليكون بمثابة وثيقة في موضوعه. وليس ذلك إعجاباً بتقويمات الكاتب للواقع، ولا بتحليلاته للظواهر التي برزت في سياق المواجهة بين المستوطنين والسكان الأصليين، وإنما تقديراً لإحاطته بالوقائع، ولاستناده إلى المراجع المتعلقة بتلك الفترة، على تنوع مصادرها، العربية والعبرية والتركية والأجنبية.

ما من شك في أن الكاتب، بانحيازاته اليهودية والصهيونية، حاول إضفاء طابعٍ مصطنعٍ على المعطيات يضعها في غير نصابها، ويظهرها على غير مغزاها الحقيقي الأصلي. إلا أنه في المقابل، أورد كماً ضخماً من المعلومات، لم يستطع تجاهلها، ليس خدمة للحقيقة بقدر ما كان ذلك دعماً لأطروحاته النظرية. لقد سعى جاهداً للتركيز على الاختلاف في خلفيات النظرة إلى النشاط الصهيوني في الأوساط العربية، في محاولة مكشوفة لصرف الانتباه عن الوحدة في الموقف العربي منه كظاهرة غريبة عن الزمان والمكان. إلا أنه لم يستطع إنكار هذا الإجماع على رفض الصهيونية، بصرف النظر عن الدواعي الذاتية لذلك. لقد كان همه في المقال إبراز الخلافات الداخلية العربية، لإسقاط منعكساتها على الموقف من الاستيطان الصهيوني، فاضطر لإيراد كمٍّّ من المعلومات الموثقة جيداً، لكنها على العكس مما أراده منها، تثبت أنه بصرف النظر عن تلك الخلافات كان الموقف من الصهيونية الدخيلة واحداً عموماً. في المقابل، لا ينكر الكاتب أن العرب لم يميزوا بين التيارات الاستيطانية المختلفة، ولم يعيروا ذلك اهتماماً، فكأنما لسان حالهم يقول: "الكفر ملّة واحدة".

حاول الكاتب تصنيف ردود الفعل العربية على النشاط الاستيطاني الصهيوني الأجنبي، بناء على الانتماء الديني، أو حتى الطائفي، وبالتأكيد انطلاقاً من الأرضية القُطريّة. إلا أن الوقائع التي أوردها لإثبات نظريته، على وفرتها، تثبت عكس ما رمى إليه الكاتب من زجها في النقاش. فلا التقسيمات القطرية، أو الدينية، أو الطبقية، التي أوردها الكاتب لإسناد أطروحته، تثبت في الاختبار، حتى بإقراره ذاتياً. إلا أن هذا الحشد من المعلومات التي توفرت لديه من المصادر المختلفة، يبرز الإجماع شبه الكامل بين القوى، على اختلاف مشاربها، في معارضة الصهيونية، وإن بدرجات متفاوتة. لقد كان طبيعياً أن تتفاوت المواقف من الصهيونية بناء على التقدير الذاتي لخطورتها، بالاستناد إلى مستوى الوعي المعرفي لمنطلقات هذه الحركة وأهدافها. وفي واقع الأمر كانت المناهضة للصهيونية تتجاوز حدود القومية والطائفية والإقليمية، وتتفاوت انطلاقاً من حالة الوعي السياسي لدى أصحابها، وليس على أساس انتماءاتهم الدينية أو الإقليمية أساساً، كما يحاول الكاتب إظهار ردود الفعل العربية على المشروع الصهيوني.
وهذا المنهج في التعامل مع الصحافة والكتابات الأخرى، السياسية والأدبية، أخفق في تقديم دعم علمي وموضوعي للطروحات التي توخاها الكاتب. لقد حاول إسناد موقف الصحيفة مثلاً، وكذلك المنشور، من الصهيونية، إلى الطائفة الدينية التي ينتمي إليها المحرر، أو الكاتب، فوقع في المحظور. أراد تعميم الخاص، وأحياناً تخصيص العام، فأفسد على نفسه استخلاص النتائج السليمة من المقتطفات التي أوردها، والتي كانت بالطبع انتقائية. وكذلك الأمر في محاولته التمييز بين مواقف الفلسطينيين وإخوانهم العرب، حيث اعتورت تحليله ثغرات لا تخفى على القارئ المتمعن. ومن التفسيرات الغريبة لدى الكاتب على سبيل المثال، عزو مناهضة العرب للصهيونية إلى الولاء للعثمانية. وفي واقع الأمر وعلى سبيل الأخذ والرد، كما يقول هو أحياناً، لماذا لا يكون الولاء للعثمانية ناجماً أصلا من موقف السلطنة إزاء الصهيونية مثلا! وعلى العموم، فالملاحظات على منهج التحليل لدى الكاتب كثيرة، إلا أن الأساس الداعي لترجمة المقال هو الحشد الكبير من المعلومات عن الأحداث، ومن مصادر متنوعة، والتي في المحصلة تعطي صورة واضحة عن المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني منذ بدايته.

لم يكن بالإمكان العودة إلى الأصول للتثبت من الصيغ الأساسية للمقتطفات، وذلك لعدم توفر المصادر المطلوبة لذلك. إلا أنه جرى الالتزام قدر المستطاع بالأمانة في الترجمة والنقل، مع إيلاء الأهمية للمضمون قبل الشكل. وكذلك جرى تحاشي ترجمة الحواشي التي تشير إلى المصادر، بسبب كثرتها من جهة، وقلة فائدتها لتعذر الوصول إليها من جهة أخرى. كما بُذل جهد في مراعاة أسلوب الكتابة الذي اعتمده المؤلف، فانعكس ذلك بطبيعة الحال في بلاغة الترجمة. وكان لافتاً في أسلوب الكاتب الصياغات اللغوية غير المألوفة، وكأنما كان يترجم إلى العبرية من لغة الأم الأصلية، التي حكمت تفكيره. ومهما يكن، فلربما كان آخر ما قد يخطر ببال هذا الكاتب أن يأتي من يترجم مقاله إلى العربية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المترجم نفسه، الذي لولا اعتباره المقال بمثابة وثيقة تسند كتاباته عن تلك الفترة، لما أقدم على هذا العمل.

الجزء الاول

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر