الراصد القديم

2011/12/15

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الرابع

وبعد إقرار ميثاق "عصبة الأمم " (28/4/1919)، الذي تضمن نظام الانتداب، وتوقيع "معاهدة فرساي" (28/6/1919)، حملت سنة1920 سلسلة أحداث كان لها أثر مباشر على التطورات في فلسطين. فقد بادر "المؤتمر السوري العام" (8/3/1920)، وبعد افتضاح مخططات بريطانيا وفرنسا إزاء المنطقة، إلى إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية، لتشمل فلسطين، وبالتالي، رفض المشروع الصهيوني؛ ونودي بفيصل ملكاً عليها. وسارت تظاهرات في فلسطين تأييداً للإعلان. ولذلك، سارعت الدول الأوروبية إلى توقيع "معاهدة سيفر" (20/4/1920)، وبعدها معاهدة "سان ريمو" (25/4/1920)، اللتين فرضتا الانتداب على بلاد الشام. وتحركت فرنسا لاحتلال سوريا، وبعد "معركة ميسلون" (24/7/1920)، التي قتل فيها وزير الدفاع، يوسف العظمة، سقطت الحكومة العربية في دمشق؛ وغادرها فيصل. في المقابل، أوفدت بريطانيا هربرت سامويل مندوباً سامياً على فلسطين ليحلّ محل الإدارة العسكرية هناك (تموز/يوليو1920). ونتيجة لهذه المستجدات –انهيار الحكومة العربية في دمشق، وترسيم الحدود بين الانتدابين ــ الفرنسي والبريطاني ــ في بلاد الشام، عزلت الحركة الوطنية الفلسطينية عملياً عن الحركة القومية الأم في سوريا. فبدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني، سِمته العامة قُطرية، حيث تمحور حول الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. وبذلك، حققت الصهيونية، ومنذ البداية، أحد أهم أهداف مشروعها: تفتيت حركة التحرر العربية، وتحديد مساراتها السياسية.

وفي أجواء من الاحتقان الشعبي، تحول موكب الاحتفال بموسم النبي موسى في القدس، والذي تواكب مع عيد الفصح لدى المسيحيين واليهود (4/4/1920)، إلى تظاهرة وطنية للإعراب عن السخط والاحتجاج ضد الصهيونية والإدارة البريطانية. وخطب في الحشد الكبير رئيس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني، وكذلك الحاج أمين الحسيني وعارف العارف، محرّضين على السياسة البريطانية الرامية إلى تهويد فلسطين. وتوترت الأوضاع بعد تحرّش العصابات الصهيونية التي نظمها زئيف جابوتنسكي بالمتظاهرين، واندلع الاشتباك بعد أن أطلق أفراد تلك العصابات النار عليهم. وتدخلت القوات البريطانية لقمع الاشتباكات، فاصطدمت بمقاومة عنيفة، استمرت بشكل متفرق عدة أيام، أسفرت عن مقتل 5 يهود و4عرب وجرح 211 يهودياً و23 عربياً، و7 جنود بريطانيين. وتشكلت لجنة تحقيق (لجنة بالين)، فأكدت في تقريرها أن الاضطرابات كانت نتيجة حالة التوتر التي تسود الجماهير العربية، جراء سياسة تهويد فلسطين التي تتبعها سلطات الاحتلال البريطاني. وكان ذلك مقدمة لأحداث شبيهة، أشد عنفاً، لاحقاً.

وبعد انسحاب القوات البريطانية من سوريا الشمالية، وقبل انتشار القوات الفرنسية في جميع أنحائها (1919)، قامت مجموعات عربية مسلحة بمهاجمة المستعمرات اليهودية في منطقتي طبريا والجليل الأعلى. وتصاعدت هذه الهجمات على المستعمرات الأربع التي أقيمت في الطرف الشمالي من سهل الحولة ( أصبع الجليل)،وهي: المطلّة (متولا)، كفارغلعادي، تل حاي، وحمّارة (المحمرّة). وتولى قيادة الدفاع عنها المستوطن الروسي الأصل، جوزيف ترومبلدور. ولكن هذا الدفاع لم يصمد أمام الهجمات العربية المتوالية، فراحت المستعمرات تسقط الواحدة تلو الأخرى. وبداية أجليت حمّارة (1/1/1920)، وأحرقت. ثم تبعتها المطلّة (منتصف كانون الثاني/يناير1920) فعاد إليها أصحابها السابقين من السكان المحليين. ووقعت معركة تل حاي الحاسمة في ( آذار/ مارس/ 1920 )، إذ قتل فيها ترومبلدور، وهرب بقية المدافعين عن كفار غلعادي (3/3/1920)، ولجأ هؤلاء إلى "الطيبة" (جنوب لبنان)، حيث جمعهم الإقطاعي كامل بك الأسعد، ونقلهم إلى صيدا، ومنها إلى حيفا. وبذلك، ولفترة وجيزة، جرت تصفية الاستيطان في شمالي سهل الحولة، لأنه وقع خارج منطقة الحماية البريطانية الفعلية.

لكن هذه المقاومة لم تزحزح بريطانيا عن موقفها من وعد بلفور. وعندما حذّرت الإدارة العسكرية في فلسطين من مغبة الإيغال في دعم المشروع الصهيوني، لما قد يجره ذلك من عنف دموي، عمدت حكومة لندن إلى استبدالها بأخرى مدنية، برئاسة هربرت صامويل، كمندوب سام ٍ، وهو المعروف بصهيونيته، حتى عندما كان عضواً في الحكومة سنة1916. وفي كتاب التعيين، جعلت تلك الحكومة وعد بلفور عنصراً أساسياً في مهمات الإدارة الجديدة. وصدرت أحكام بحق موسى كاظم الحسيني، فنُحّي عن رئاسة بلدية القدس، وحل محله راغب النشاشيبي، الذي فتح بذلك ثغرة في الصف الفلسطيني. وكذلك حكم بالسجن على كل من الحاج أمين الحسيني وعارف العارف، ففرا إلى شرق الأردن، حيث كان مشايخ القبائل يدعمون النضال الفلسطيني. وحكم بالسجن على زئيف جابوتنسكي. وعلى الرغم من أصوات الاعتراض في بريطانيا، وحتى اليهودية منها، كما في الولايات المتحدة الأميركية، ضد تعيين صامويل مندوباً سامياً ،أصرت حكـومة لندن على ذلك. فكان هذا التعيين بداية مرحلة جديدة في الصراع العربي – الصهيوني تحت الانتداب البريطاني، قادت إلى " الثورة العربية الكبرى" في فلسطين (1936-1939).الجزء الثالث

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر