الراصد القديم

2011/12/18

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الخامس

العرب والصهيونية 1882 -1914
يوسف لمدان
ترجمة الدكتور إلياس شوفاني

مدخل

قبل الدخول في موضوع هذا البحث، يجدر بنا تقديم ملاحظة مدخل واحدة. فمن ناحية ردّة الفعل العربية المتوقعة إزاء حضورهم ونشاطاتهم ،عانى المستوطنون الجدد، ومنذ خطواتهم الأولى، من نقيصة مزدوجة ــ كونهم أوروبيون ويهود في آن معاً. حيث، لو قلنا ذلك بشكل عام، وبلغة التقليل، فإن موقف العرب في القرن التاسع عشر تجاه الأوروبيين واليهود لم يكن متعاطفاً. لم يحبّوا الأوروبيين ولم يثقوا بهم لكونهم غرباء. والكثيرون منهم كانوا مواطني دول كبرى لها أطماع إقليمية في أجزاء كبيرة من السلطنة العثمانية المتهالكة. والأشد خطورة ــ "الامتيازات" التي منحتهم أفضليات على السكان المحليين في مجالات واسعة من الحياة اليومية، مثل التجارة، الضرائب، الحماية، والمحاكم القنصلية. وبالنسبة إلى اليهود، الذين نظر العرب إليهم باحتقار، وحتى مادون ذلك، فإنه سواء الدين الإسلامي أو المسيحية الشرقية علّما أتباعهما وعوّداهم سلوك سبيل كهذا – الإسلام بسبب الموقع المتدني الذي حدده لليهود والنصارى على حدّ سواء، بينما المسيحية الشرقية لأسباب تتعلق بالأفكار القديمة المتجذرة تجاه اليهود، والتي عبرت عن نفسها من حين لآخر بظواهر متطرفة، مثل فريات الدم(1) ولاشك في أن هذه المقاربات السلبية أثرت على ردود الفعل العربية تجاه الصهيونية في فلسطين قبل 1914.

ردود فعل مبكرة، 1882- 1908

عرف عرب فلسطين "حركة أحباء صهيون"(2) منذ بدايتها. وفوق ذلك، عرفوا منذ البداية أيضاً معارضة الحكومة العثمانية للمستوطنين اليهود المرتقبين، حيث في ذات اليوم الذي أبحر أعضاء "حركة بيلو"(3) من استنبول إلى يافا، أرسل "الباب العالي" برقية إلى حاكم القدس، يحظر فيها نزول اليهود الروس، والرومانيين، والبلغار، على شواطئ يافا وحيفا. وكان العرب يعملون في جميع مراتب الإدارة في سنجق القدس، وعليه، فمن المفترض أن يكونوا على علم بهذه التعليمات. وكذلك الأمر بالنسبة إلى موظفي الميناء ورجال الشرطة المحليين، والذين كانوا أيضاً من العرب الذين وقعت على عاتقهم مسؤولية تنفيذ هذه التعليمات.
وفوق ذلك، وفي أعقاب التقسيم الإداري لفلسطين، والذي بحسبه ضمّ شمال البلد إلى ولاية بيروت، وشرق الأردن إلى ولاية دمشق، فإنه سريعاً ما سمع العرب خارج فلسطين أيضاً عن "أحباء صهيون". فالتعليمات التي أرسلت إلى حاكم القدس، والمراسلات المتشعبة التي حصلت في أعقابها، والتي تضمنت في نهاية المطاف (1884) تحْديدَ إقامة اليهود الأجانب لمدة شهر واحد من أجل "الحج", وصلت كاملة أيضا إلى السلطات في بيروت ودمشق. ولم يكن العرب في المناصب الحكومية في تلك المدن وحدهم من علموا بالأمر، خاصة وأن التيار المكثف من اليهود والأغراب، ممن مرّوا بميناء بيروت في طريقهم إلى فلسطين، لم يغب عن عيون العرب الآخرين. وبالفعل، فإن قارئاً لمجلة "المقتطف" (نشرة هامة كانت تصدر في بيروت) لم يجد ضيراً في السؤال: "هل أُسمِْيَ اليهود في أيام المسيح وقبله سوريين"؟ وكان جواب المحرّر المسيحي: "نعم، لقد أسماهم هيرودوتس كذلك".
وبالطبع، كان هناك فرق واضح في ردّات الفعل الصادرة من الأمكنة المختلفة، ويجب التنويه به. ففي بيروت مرّ اليهود مروراً فحسب، أما في فلسطين فقد استوطنوا بشكل دائم، على الرغم من القيود والحظر من جانب الحكم العثماني. وعلى الرغم من أن غالبيتهم جاءت للإقامة في القدس ويافا، فإن ردّة فعل الفلاحين في محيط المستوطنات اليهودية الجديدة – هي التي استُشْعرِت أولاً.

ومن نواح معينة، لم يكن في المستوطنين اليهود ما يثير المقاومة في قلوب جيرانهم من القرويين العرب ــ ففي لباسهم ولسانهم وسلوكهم، كان أولئك المستوطنون يختلفون جداً عن أي يهودي قد يكون الفلاحون عرفوه أبداً. وَذُكِر أن مواظبتهم على العمل أثارت الدهشة، وآلات عملهم الجديدة والحديثة لفتت الاهتمام؛ وأساليبهم الغريبة (أو،أحياناً انعدام خبرتهم) كان من شأنها أن تشكل مادة للتسلية ــ كما، على سبيل المثال ــ عندما حاول المستوطنون في ريشون لتسيون استعمال الجمال لجرّ العربات كالأحصنة.

إلا أنه كانت هناك جوانب أخرى من سلوك اليهود الجدد أثارت الفلاحين، وتسببت بالاحتكاك. لقد مالوا إلى أعمال من شأنها المس بالكرامة، وهي ناجمة عن جهلهم باللغة العربية وسبل حياة العرب، وأحياناً لم يحافظوا على عادات المكان ولم يحترموها. فقد كان العرف مثلاً، أن لكل واحد نصيب من المرعى الطبيعي، الأمر الذي يراه الفلاحون "هبة الله". واليهود الذين لم يعرفوا هذا النهج القديم ولم يكن لديهم علم به، والذين خشوا على محصولهم الأول واليسير، رأوا بدخول الرعاة العرب مع قطعانهم اعتداءً على حدود أراضيهم، واستخدموا القوة لطردهم. وكان مجرد قيام المستوطنات إغراء للقرويين بالسرقة، وهنا أيضاً كان المستوطنون جاهزين لكبح هؤلاء بالقوة.

ولأن مشاجرات من هذا النوع كانت شائعة في البلد (حتى في أوساط السكان المحليين)، فقد كانت لها كما يبدو آثار ضئيلة على المدى الزمني. ومع أنه وقعت أيضاً أحداث أكثر خطورة، ودارت في العادة على مشاكل الأرض، التي كانت معقدة في فلسطين تحت الحكم العثماني. وقد وقع الاشتباك الكبير الأول من هذا النمط في 29 آذار/ مارس1886، عندما هاجم 50ــ60 فلاحاً من قرية "اليهودية " مستعمرة "بيتح تكفا" (4) ( بعد أن كانت غالبية الرجال من المستوطنين خرجت إلى يافا بسبب الأمطار التي حالت دون العمل في الحقول). وتسبّب الفلاحون بأضرار كبيرة، وأصابوا خمسة يهود ( بينهم امرأة، ماتت لاحقاً جراء جراحها). وساقوا كل البقر والبغال من المستوطنة إلى المحكمة في يافا، بدعوى وجودها على أرضهم، وطالبوا بتعويضات.
مصادر يهودية أوضحت أن السبب الظاهر الذي أدى إلى هذه الحادثة كان في سلسلة من الخلافات المتعلقة بمسألة حقوق العرب بالرعي من جهة، وفي شأن حق اليهود بالمرور إلى أراضي بيتح تكفا البعيدة من جهة أخرى.
لكن الأسباب الخفيّة، الأكثر عمقاً، كانت تتعلق بملكية أراضي المستوطنة، والتي كان الكثير منها في السابق يخصّ قرية اليهودية، وقد أخذت منها في ظروف مؤلمة ومثيرة للغضب ــ بعضها على أيدي مقرضين عرب من يافا بالفائدة، والبعض الآخر على يد السلطات بسبب عدم دفع الضرائب. وربما كان استملاك هذه الأراضي من قبل المستوطنين عملاً غير موزون تماماً، إذ لو كانت تجربتهم أغنى لعرفوا أنه في حالات كهذه وقعت احتكاكات بشكل دائم تقريباً، إن لم يكن أكثر من ذلك، مع المالكين السابقين.
وفي بيتح تكفا لم تثر الخلافات فوراً مع بداية الاستيطان في الأرض، خاصة وأنه كانت لدى المستوطنين في البداية مساحات كبيرة من الأراضي، أكثر مما يستطيعون فلاحتها، فضمّنوا بعضها لفلاحي اليهودية. إلا أنه في عام1884، بدأ المستوطنون يفلحون مساحات أكثر اتساعاً، وعندها وقعت الصدامات الأولى. وراح الوضع يستفحل خلال عام ونصف، لأسباب منها غياب مدير في المستوطنة؛ والتوتر مع اليهودية تصاعد إلى أن أدى للصدام في آذار/مارس1886.

الجزء الرابع

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر