الراصد القديم

2011/12/19

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء السادس

ثلاث نقاط مثيرة للاهتمام تبرز من الاحتجاج العربي الأول ضد الاستيطان اليهودي في فلسطين: أ) كان المسلمون على صلة به، وربما كانوا المبادرين إليه حتى؛ ب) كانت مخاوف الموقعين على خلفية اقتصادية؛ ج) وهم طرحوا مطلبين أساسيين، لم يتخلّ العرب عنهما لاحقاً – منع هجرة اليهود إلى فلسطين، ووقف استملاك الأراضي من قبلهم.

وقد وصلت إلى العثمانيين أيضاً المعلومة التي بحسبها توجه عدد كبير جدّاً من اليهود الروس للحصول على تصاريح دخول إلى السلطنة، و"الباب العالي"، الذي عارض بشدة الاستيطان اليهودي في فلسطين، استجاب فعلاً للمطالب التي وردت في البرقية المقدسية. وفي تموز /يوليو 1891، جرت المصادقة مجدداً على القيود القائمة بالنسبة لليهود الأجانب الراغبين في الدخول إلى فلسطين. وكما ورد ذكره، طبقت القيود للمرة الأولى لمدة عشر سنوات قبل ذلك، بهدف منع هجرة اليهود، وعملياً بقيت نافذة مع التعديلات التي أدخلت عليها في عام 1882، و1884، و1887. وفي خريف 1891 حاول " الباب العالي " دون نجاح، إغلاق السلطنة كلها في وجه الأجانب . وعلاوة على ذلك، ففي تشرين الثاني/نوفمبر1892، منع بيع "أراضي الميري" (أراضي الدولة التي كانت صلاحية نقلها للغير في يد الدولة فقط) لجميع اليهود، سواء كانوا أجانب أم عثمانيين، في سنجق القدس.

وتحت ضغط الدول الكبرى، التي عملت على تنفيذ الحقوق الخارجة عن حكم الدولة المحلية بالنسبة إلى رعاياها واحترامها، خففت الحكومة العثمانية بالتدريج من صرامة تلك القيود، إلا أنها جددتها في عام 1897و1898، في أعقاب ظهور الحركة الصهيونية والحماس الذي أثارته في أوساط الاستيطان الجديد ويهود أوروبا الشرقية. واستمر فرض القيود في إثارة الاهتمام، ليس فقط في أوساط الموظفين العرب في فلسطين وخارجها، وإنما أيضاً في أوساط الأعيان العرب المشاركين في اللجان المحلية التي أقيمت في عام 1897، بهدف تنفيذ القيود. واللجنة المسؤولة عن مراقبة قيود الدخول قدمت في أيلول /سبتمبر 1899 تقريراً، وفيه توصية للسلطات بتوظيف المال والطاقة البشرية لجعلها أكثر نجاعة، أو في المقابل يسمح لليهود الأجانب بالإقامة في البلد، شريطة أن يصيروا رعايا عثمانيين.

وعندما جرى بحث هذا التقرير في مجلس السنجق الإداري، اقترح مفتي القدس (طاهر بك الحسيني، والد الحاج أمين الحسيني) الذي كان رئيس لجنة أخرى تراقب نشاط بيع الأراضي لليهود في السنجق، اتخاذ إجراءات ترهيب ضد المهاجرين الجدد قبل طرد اليهود الأجانب الذين استوطنوا في السنجق منذ 1891 فما بعد. واعترض الحاكم على هذا الاقتراح المتطرف، ودعم اقتراح السماح لليهود بالاستيطان في القضاء شرط أن يصبحوا عثمانيين. وغالبية الأعيان المحليين الذين كانوا أعضاء المجلس الإداري قبلوا، على ما يبدو، تقرير اللجنة بالكامل، حيث أن خلاصة التقرير أرسلت بدون ملاحظات إلى استنبول في نيسان / ابريل 1900.

بموازاة ذلك، جرت مراسلة بين السلطات المحلية في القدس وبيروت، وبين الحكم المركزي بشأن تناقضات وثغرات معينة في القيود. وفي أعقاب تلك الضغوط وغيرها، والتي مورست في استنبول بالذات، جرى تجميع تلك الأنظمة والقيود في أواخر سنة 1900، بالطريقة التي نظمت مكانة اليهود الأجانب الذين أقاموا في البلد بصورة غير شرعية، والتي سمحت بشراء الأراضي والبناء عليها أسوة بكل رعية عثمانية. ويمكن ل "الحجاج اليهود" أي: المهاجرين الجدد، الحصول على إذن دخول لثلاثة أشهر، بعد إيداع جواز سفرهم لدى وصولهم، واستلام ما أسمي " البطاقة الحمراء" بدلاً منه.

ويبدو أن الموظفين العرب في القدس وبيروت لم يكونوا راضين عن تلك الأنظمة الجديدة، حيث رأوا بها انجازاً لليهود . لذلك، وفي بداية سنة1901، راح موظفو القدس إياهم يجمعون التواقيع للاحتجاج أمام "الباب العالي"، بينما أخّروا في بيروت نشر تفاصيل الأنظمة، ربما على أمل أن يجري تغييرها.
وعلامات عدم الرضا لم تظهر فقط في أوساط شاغلي المناصب الحكومية. فألبرت عنتابي، ممثل "بيكا" في القدس والذي كانت لديه معلومات أكيدة، لاحظ في عام 1899 أن الصيغة التي جرى تبنيها في المؤتمر الصهيوني "أثرت بسرعة على العلاقات بين العرب والمهاجرين الجدد في المدن الفلسطينية" وبعد مرور بضعة أشهر كتب عنتابي ( الذي تحفّظ ذاتياً من الصهيونية)، أن الصهيونيين حوّلوا المسلمين إلى معادين لإنجازات اليهود في فلسطين.

وفي سنة 1901 سأله قرويون عرب، ممن لم يعرفوا حسب قوله القراءة والكتابة: "هل حقيقة أن اليهود يريدون انتزاع هذا البلد لأنفسهم؟" وبعد عامين قال شاب مسلم (وبحسب المصدر – ليس متطرفاً بوجه خاص ) ليهود القدس: "سنسفك قطرة دمنا الأخيرة على ألاّ نرى مسجد قبة الصخرة يسقط في أيدي غير المسلمين".
ربما كانت الأهمية الأكبر لردود فعل ممثلي ثلاث مجموعات عربية هامة – رجل النخبة السياسية في القدس، ممثل المثقفين العرب المسيحيين، والمفكر الإسلامي الأعلى مرتبة.

ففي عام 1899، وهو ابن 70 سنة، اضطر " واجبُ الضمير المقدس " يوسف ضياء باشا الخالدي إرسال كتاب بالفرنسية منمق بدقة إلى تسادوك كاهان، الحاخام الأول في فرنسا وصديق هيرتسل. ويوسف الخالدي، أحد البارزين في عائلته، عمل لسنوات عديدة في الخدمة العامة. وكتابه للحاخام كاهان وثيقة فريدة من نوعها، وإلى حدّ ما, نبوئية. ونظرياً، كتب يوسف الخالدي، أن الفكرة الصهيونية "طبيعية، لائقة، وصادقة تماماً" "من يستطيع أن يطعن في حق اليهود بفلسطين؟ فو الله إن هذا بلدكم في المفهوم التاريخي" إلا أنه لابد من الأخذ في الاعتبار "القوة الصادمة" للواقع: فلسطين هي جزء لا يتجزأ من السلطنة العثمانية، وهي مأهولة بغير اليهود. وسأل الخالدي: ما هي " القدرات المادية" المتوفرة لدى اليهود لامتلاك الأماكن المقدسة الغالية على 390 مليون مسيحي، و300 مليون مسلم؟". وعبر عن خشيته أنه على الرغم من الموارد المالية اليهودية، لن تكون الأمكنة المقدسة لهم بدون استخدام المدافع والبوارج الحربية. وبعد: ففي فلسطين هناك "غلاة" مسيحيون، خاصة في أوساط العرب من أبناء الطوائف الكاثوليكية والأرثوذوكسية، المعادية للتقدم اليهودي الحالي، "وهم لا يضيعون فرصة لإثارة الكراهية الإسلامية لليهود". وتنبأ بيقظة حركة شعبية ضد اليهود، لا تستطيع الحكومة العثمانية قمعها، رغم إرادتها الحسنة جداً. وحتى لو استطاع هيرتسل الحصول على موافقة السلطان لمشروعه، فمن السخف الاعتقاد بأنه سيأتي يوم ويكون الصهيونيون سادة فلسطين.

" من الضروري إذن، ومن أجل راحة اليهود في تركيا أن تتوقف الحركة الصهيونية بالمعنى الجغرافي _ فو الله إن العالم واسع بما فيه الكفاية، وهناك بلاد لا تزال غير مستوطنة حيث ربما يستطيعون أن يكونوا سعداء أكثر هناك، ويصبحون ذات يوم أمة. وهذا لعله يكون الحل الأفضل، الأكثر وعياً لمسألة اليهود. ولكن بالله عليكم دعوا فلسطين تعيش بهدوء".

بعد ستة أشهر على المؤتمر الصهيوني الأول، سأل قارئ في فرانكفورت المحررين النصارى لصحيفة " المقتطف" ( التي انتقلت عام 1884 من بيروت إلى القاهرة) عما تقوله الصحافة العربية عن الصهيونية، وما رأي المحررين فيها؟ فأجابوا، أن الصحافة العربية جاءت على ذكر المؤتمر الصهيوني في إطار تغطيتها لبقية تفاصيل الأخبار، دون إيلاء هذا الموضوع اهتماماً خاصاً. وادّعوا أيضاً، خطأً، أن اليهود الذين استوطنوا في فلسطين انتزعوا لأيديهم الجزء الأكبر من الحِرف والتجارة، وإذا زاد عددهم بعد، فستتركز جميع الأعمال في أيديهم. وعلى الرغم من وجود مجال حيوي في فلسطين لعدد أكبر بمرات عدة من السكان الحاليين، فلن يكون من السهل استقدام جموع غفيرة من اليهود الفقراء إلى البلد لاستملاك الأراضي. والسلطنة العثمانية، ومن أجل مصلحتها هي، لن تسمح للدول الكبرى بالتدخل ومنح حماية للمهاجرين اليهود في إطار الامتيازات، وهذه عقبة كبيرة في طريق الصهيونية. "ولذلك، فنحن نعتقد أن نجاح الصهيونية بعيد المنال".

هذا المقال عدا أهميته الخاصة بحد ذاته، أثار ردّاً قوياً من قبل المفكر الإسلامي البارز، رشيد رضا، ناشر "المنار"، الصحيفة الإسلامية الهامة في القاهرة. ورضا، الذي مسقط رأسه في ولاية بيروت، كان منغمساً جداً في شؤون السلطنة العثمانية. وفي فترة لاحقة لعام 1908 تعاون مع "تركيا الفتاة"، إلا أنه منذ 1912 فما بعد، كان من الممسكين بخيوط "اللامركزية" ( حزب اللامركزية)، الذي شكلته جماعة قومية عربية، وتأسس في القاهرة، وسيأتي ذكره لاحقا ً.
وبعد مضي أسبوعين على ما كتبه محررو"المقتطف" عن الصهيونية، أعاد رضا طباعة مقالهم في المنار مرة ثانية كما ورد في الأصل، وعلق عليه. ومع أنه غضب من الانبعاث القومي لدى اليهود إلا أنه تحمس منه وصب جام غضبه على عدم مبالاة أبناء وطنه (رجال بلادنا).
"انظروا من فضلكم ماذا تفعل الشعوب والقوميات... هل أنتم راضون عما يرد في صحف كل البلاد، من أن فقراء أضعف الشعوب ( أي اليهود)، الذين تطردهم جميع الحكومات من بلادها، هم أصحاب معرفة كبيرة إلى هذا الحد، وفَهْمٍ عظيم إلى هذه الدرجة للثقافة وسبلها التي تمكنهم من الاستيلاء على بلدكم واستيطانه، وقلب أسيادها إلى عمال مأجورين وأغنيائها إلى فقراء".

وآراء رضا وبراعم القومية العربية في أفكاره، جرى تطويرها بصورة أكثر شموليةًً في مقالة طويلة كتبها عن الصهيونية، ونشرها في "المنار" في كانون الثاني /يناير1902، خلال فترة قصيرة بعد المؤتمر الصهيوني الخامس في بازل، تحت عنوان "حياة أمة بعد موتها". وحسب ادعائه، من واجب المسلمين تطوير معرفتهم السياسية والتعلم من اليهود، الذين حافظوا على الرغم من تبعثرهم، على لغتهم وعلى وحدتهم الدينية. وقد تكيف اليهود حتى مع التقنيات الحديثة وراكموا الأموال، والآن يتطلعون، أيضاً إلى "الملك" عبر منظمات قومية كبيرة. وفي مقالاته، شجع رضا قارئيه المسلمين أن يكونوا نقديين إزاء قادتهم، وأن يمتلكوا المال والمهارات الفنية، كي يستطيعوا أن يصبحوا أمة حقيقية "، قائمة على القانون والشريعة الإسلامية.

إن ردود الفعل هذه سواء كانت شعبية أم نخبوية فكرية، والتي من شأنها أن تلقي الضوء على مشكلتنا بصورة انطباعية، معزولة بحيث لا يمكن التعميم بناء عليها، ومع ذلك، هناك أمر واحد واضح ــ المناهضة العربية للصهيونية بحد ذاتها، إن كانت قائمة أبداً، لم يجر التعبير عنها في العقد الأول على تأسيس الحركة الصهيونية. وفيما كان هناك علم بوجود الحركة الصهيونية، وحتى، كما هو الحال لدى رشيد رضا، حيث برز وعي بأهدافها، يبدو أن التعبير عن هذه المسألة في فلسطين بعدم الرضا المتصاعد في أوساط السكان المحليين كان جراء الهجرة اليهودية. وإزاء التعبيرات اللاحقة، يمكن التقدير بأن المنظور العام لدى الزعامة العربية في البلد كان شبيهاً بذلك الذي عكسه التقرير المذكور أعلاه، والذي قدمه أعيان محليون في القدس في 1899ــ أي: تطبيق القيود بفاعلية على هجرة اليهود، أو السماح لهم كأجانب بالاستيطان في سنجق القدس شريطة أن يصبحوا رعايا عثمانيين.

ومع أن مناهضة الصهيونية بحد ذاتها لم تكن تبلورت بعد، فقد كانت هناك إشارات متكررة لتفاقم العلاقات بين العرب واليهود. وفي عام 1902، أشار ألبرت عنتابي أن العداء لليهود يتصاعد، وقد أحسن الإلمام بالظروف المحلية إلى حد لا يمكن إغفال ما أضاف بصريح العبارة: "إن تذمر السكان المحليين نشأ مع ولادة الصهيونية". وفي عام 1905، وقعت في يافا حادثة كانت قليلة الأهمية، لكنها تنطوي على ما يلقي الضوء على الوضع. دافيد لفونتين، مدير فرع "شركة أنجلو ــ فلسطين"(7) في المدينة، أهان بالخطأ أحد أبناء عائلة الحسيني، الذي اعتبر الأمر مساً بكرامته إلى حدّ دفعه إلى تقديم شكوى، باللغة الانكليزية ـ إلى رئيس البنك في لندن. وفي رسالته وصف نفسه، ضمن أمور أخرى، كأحد القلة الذين حاولوا تهدئة المشاعر ضد اليهود في البلدــ حسب تعبيره .

لم تكن المشاعر المناهضة لليهود فقط، نتيجة للوجود اليهودي المتزايد في فلسطين. فاللاسامية الأوروبية تسللت إلى المجتمع العربي، وفي أعقابها زادت المواقف السلبية التقليدية حدة في أوساط المسلمين والمسيحيين. وكانت في فلسطين ومحيطها عدة قنوات، تسربت عبرها الأحكام الأوروبية القديمة ضد اليهود. وفي المقدمة كان هناك المبشرون والكهنة الأجانب، الذين عملوا في أوساط العرب المسيحيين. وقد ألقى كل من سيلفيا حاييم وموشيه بيرلمان اللوم الأشد على الكهنة المعادين لدرايفوس، والذين كان لهم تمثيل قوي جداً بين المبشرين. ولكن الحقيقة هي أن البروتستانت أيضاً نشروا اللاسامية. وعلى سبيل المثال الدكتور كورنيليوس فان دايك، مبشر معروف ومربّ مؤثر في الكلية البروتستانتية" في بيروت، ترجم الى العربية رواية إنجيلية، اسمها " بن حور" اتهمت اليهود بقتل يسوع." الجمعية الفلسطينية الأورثوذكسية" التابعة للقيصرية الروسية، دعمت حوالي 100 مؤسسة أورثوذكسية – يونانية (غالبيتها مدارس) في فلسطين وسوريا؛ وموقف تلك المؤسسات من اليهود كان بمثابة انعكاس لموقف حكم القيصر في روسيا منهم. وعيادات الجمعية الروسية هذه كانت مفتوحة لجميع قطاعات السكان، ماعدا اليهود. عدا ذلك، كانت بنوك وشركات تجارة أجنبية في فلسطين، مثل "كريديه ليونيه" و"البنك الألماني الفلسطيني" لا تتقبل بالرضا دخول اليهود الى تخومها. وحسب رأي القنصل البريطاني في القدس، أسهمت تلك المؤسسات في خلق الصعوبات التي واجهت " الجمعية الأنجلوــ فلسطينية"، عندما افتتحت مكاتبها في يافا 1903. وكذلك، فإن "الهيكليين" (المستوطنين البروتستانت الألمان) الذين كان عددهم حوالي 1000 شخص، لم يتحمسوا لقدوم اليهود. وفي عام 1900 أشار عنتابي إلى إنه "أصبح للقدس منتداها اللاسامي الخاص بها". وهناك كذلك أدلة إلى أن بعض أعضاء السلك القنصلي في القدس ويافا لم يكونوا أنقياء من نقل الأحكام القديمة ضد اليهود إلى العرب المحليين.
الجزء الخامس

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر