الراصد القديم

2011/12/23

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء السابع

ليس متاحاً قياس درجة تأثير كل واحد من تلك العوامل الأجنبية بدقة، أولاً على العرب المسيحيين في المدن، ومن ثم على القطاعات الأخرى من السكان المحليين. ولكن مرة أخرى وفي نظرة إلى الوراء، يمكن الإحساس بأن تأثيرها المتراكم كان واقعياً وانتشر أيضاً إلى أبعد من الطائفة المسيحية. وعلى سبيل المثال، يمكن ذكر إسعاف النشاشيبي ــ الشاب المسلم المقدسي، الذي كان في بداية مسيرته الأدبية، والذي وضع كتاباً أبطاله هم ساحر قدّيس ويهودي وغد. وقدم للقصة بالشكر للكاتب الفرنسي اللاسامي إدوارد دريمون وأتباعه، الذين أسماهم "الفرنسيين الكبار" وهم أساتذته وسادته.

شذرة من المؤثرات المبشرة بالمزاج القومي العربي جرى تلمسها في تلك الفترة. فحالة نجيب عازوري يمكن أن تكون لذلك ذات أهمية خاصة، حيث التقت فيها القومية العربية والمناهضة للصهيونية، من جهة، ولا سامية أوروبية، من جهة أخرى .
وكان عازوري مارونياً سورياً، تعلم في باريس واستنبول، وفي عام 1898 جاء للعمل في الحكم المحلي في القدس. وفي 1904 ترك وظيفته بعد أن كان منخرطاً في مكائد ضد الحاكم وموظفين كبار آخرين، وانتقل إلى باريس، وأسس فيها حزب "جامعة الوطن العربي" وفي عام 1905 نشر كتاباً بعنوان " يقظة الأمة العربية" الذي يشكل معلماً في الأدب القومي العربي.

ودعا عازوري في كتابه إلى انفصال الأقاليم العربية المطلق عن السلطنة العثمانية. وفي الفصل الأول استعرض "الجغرافيا السياسية" لفلسطين، والتي مثلت في رأيه "صورة كاملة مصغرة للسلطنة العربية التي ستقوم في المستقبل". وهذا الأمر جرّه إلى البحث في نشاط اليهود في فلسطين، ومن خلاله حاول بناءً على التوراة إثبات أن العبريين لم يحتلوا فلسطين كلها أبداً، وهذا هو السبب أن ملكهم كان هشاً وخرب، بينما يحاول الصهيونيون في المقابل تحاشي تلك الغلطة، ويسعون لاحتلال الحدود الطبيعية للبلد – جبل الشيخ ( حرمون)، قناة السويس والصحراء العربية. ولدى عازوري مؤشرات واضحة إلى اللاسامية. وكما علق ألبرت حوراني، يدوي في اسم "الجامعة" التي أسسها عازوري اسم "جامعة الوطن الفرنسي" المناهضة لدرايفوس . وليس ذلك فقط: ففي مقدمة كتابه "اليقظة" أعلن أن مؤلفه يرمي إلى استكمال عمل شامل، سيظهر قريباً واسمه "الخطر اليهودي العالمي، رؤى ودراسات سياسية" حيث أن كل من عمل إلى حينه في مشكلة اليهود، لم يأخذ في الاعتبار طبيعتها العالمية الشاملة. وهكذا، ففي كتاب عازوري، عدا أهميته كمؤلف قومي عربي، هناك أيضاً تجديد بالمقارنة مع المؤلفات العربية الأخرى في حينه: "يقظة الأمة العربية" المشبعة باللاسامية الأوروبية. وفوق ذلك، فتجربة عازوري كموظف عثماني في فلسطين مكنته، للمرة الأولى في المنشورات العربية من التنبؤ بأنه من المؤكد تقريباً أن الأهداف القومية الصهيونية والعربية ستصل إلى اشتباك خطير.

" إن ظاهرتين هامتين، متشابهتين في طبيعتهما بيد أنهما متعارضتان، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن، تتضحان في هذه الآونة في تركيا الأسيوية، أعني: يقظة الأمة العربية وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة على نطاق واسع. ومصير هاتين الحركتين أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى. وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متضاربين يتعلق مصير العالم بأجمعه. "

الجزء السادس


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر