الراصد القديم

2011/12/26

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الثامن

الفترة الانتقالية 1908 - 1909


في فلسطين قوبلت المعلومات عن ثورة "تركيا الفتاة"(8) بداية بالشكوك. إلا أنه لم يمرّ زمن طويل حتى عمّ الفرح أوساط طبقات واسعة من الجمهور. ففي القدس أقام مسلمون ومسيحيون ويهود معاً منتدىً أدبياً وسياسياً، دعي "الجمعية الوطنية المقدسية"، وشجع أعيان محليون الفلاحين في المنطقة على إقامة جمعية تهتم بمصالحهم، وانضم إليها أيضاً مستوطنون يهود. كما أشار دافيد يلين، الى أن الفلاحين كانوا "راضين جداً " عندما سنحت لهم الفرصة للإفادة من تجربة اليهود. وأكد يلين أيضاً: أن تغييراً كبيراً حصل في الأجواء لكن (للأسف على السطح)، حيث " للمرة الأولى نرى تلك الجمعيات تضم مسلمين (وأيضاً من الطبقة العليا)، يشاركون مع اليهود والنصارى".

لكن لم يكن كل شيْ سلساً. ففي يافا غضب العرب من سلوك بعض رجال الهجرة الثانية، الذين ساروا في الأعياد تكريماً للثورة، وهم يحملون علماً صهيونياً، وأعلنوا أن على اليهود أن ينتخبوا ممثلين صهيونيين إلى البرلمان العثماني، لدفع مطالبتهم بملكية البلد. وفي القدس دعي أربعة يهود للانضمام إلى الفرع الجديد من "جمعية الاتحاد والترقي " الخاصة بـ "تركيا الفتاة"، شريطة ألا يدفعوا، "الشيكل"، ( أي أنهم ليسوا أعضاء في الحركة الصهيونية). وبحسب كلام ديفيد لفونتين من " الشركة الأنجلو - فلسطينية"، كان هؤلاء العرب من "تركيا الفتاة" يرون بالصهيونية حركة سياسية فحسب، هدفها إيصال فلسطين إلى حكم ذاتي يهودي حصراً.

هذه التعبيرات التي تصك الأسماع راحت تتصاعد تدريجياً إلى أن أصبحت أكثر علواً. ومع ذلك، وإلى أن أخمدت الثورة المضادة لشهر نيسان/ ابريل1909 في استنبول، يمكن رؤية الأشهر اللاحقة بمثابة مرحلة انتقالية بالنسبة إلى موضوعنا هنا. وتستحق الفترة الانتقالية هذه التوكيد نظراً لتأسيس صحافة عربية في فلسطين، وبسبب عقد البرلمان العثماني الذي كان فيه كل مندوب خامس عربياً، وكذلك نظراً للهجمات على إحدى المستوطنات بمبادرة المعارضين العرب للاستيطان اليهودي في البلد .

فقبل 1908 لم تكن في فلسطين صحافة عربية، ماعدا الجريدة الرسمية - التي بصعوبة يمكن تعريفها بأنها صحيفة - والتي صدرت في القدس بالعربية والتركية. وفوراً بعد الثورة بدأت تظهر صحيفتان صغيرتان: "القدس" في القدس، و"الأصمعي" في يافا . وبعد فترة قصيرة من ذلك تأسست صحيفة "الكرمل" في حيفا. وكان "للأصمعي" منذ البداية موقفاً نقدياً من المهاجرين اليهود كما يبدو من المقتطف التالي:
" لإلحاقهم الضرر بأبناء البلد والإساءة إليهم، باستنادهم إلى الامتيازات الخاصة بالدول الأجنبية في تركيا، وإفسادهم قيم الحكام المحليين وحملهم على الخيانة؛ إضافة إلى ذلك أنهم معفون من غالبية الضرائب والخراجات التي تتكدس على سكان الدولة، ومنافستهم لأبناء البلد في العمل، وتضييقهم عليهم بأسباب معاشهم؛ ولم يستطع السكان الصمود في وجه منافستهم".

واقترحت " الأصمعي " خطوطاً مختلفة للعمل من أجل محاربة هذه المنافسة: وجوب شراء بضائع محلية وتفضيلها على البضائع " الأجنبية" (أي اليهودية)؛ وعلى أغنياء العرب تطوير التجارة والصناعة المحليتين؛ وعلى الشباب تعلم أساليب الزراعة لدى اليهود، من أجل مساعدة الفلاحين.

وفي خريف 1908 جرت انتخابات عامة؛ وفي سنجق القدس كان سيجري انتخاب ثلاثة مندوبين. ودعا عدد من المرشحين إلى إصلاحات اقتصادية وإدارية؛ وتكلم آخرون عن مساعدات للفلاحين . إلا أن تلك الأفكار كانت غريبة عن الناخبين الذين شاركوا للمرة الأولى في حياتهم بانتخابات حديثة. ولأن ولاءاتهم الأولية كانت لعائلاتهم وطوائفهم الدينية، فقد ضمنت الغالبية المسلمة الكاسحة في السنجق انتخاب ثلاثة مسلمين، كلهم من العائلات البارزة: روحي بك الخالدي، وسعيد بك الحسيني - وحافظ بك السعيد.

كان روحي بك في السابق قنصلاً عثمانياً في بوردو بفرنسا، وكان مقدسياً ذا ميول أدبية، ليبرالياً كما يقال، وعضواً في "جمعية الاتحاد والترقي". وسعيد بك الحسيني كان معارضاً صريحاً للاستيطان اليهودي في السنجق، وبوصفه رئيس المجلس البلدي للقدس حاول في 1905 منع اليهود من امتلاك الأراضي في "موتسا". وأما حافظ بك فقد جاء من يافا، وكان سابقاً مفتي غزة؛ ولأنه اعتبر من أصحاب النوايا الحسنة فقد أيد اليهود ترشحه .

في شمال فلسطين انتخب كل من الشيخ أحمد الخماش من نابلس، والشيخ أسعد الشقيري من عكا، كمندوبين للبرلمان . وكان الأول مسلماً محافظاً جداً، والثاني عالماً مسلماً، شغل أثناء الحرب العالمية الأولى منصب مفتي الجيش التركي الرابع، بقيادة جمال باشا، وهو والد أحمد الشقيري .

وإحدى نتائج النشوة في أعقاب الثورة كانت في انهيار النظام العام في أجزاء مختلفة من السلطنة. وفي الخريف، هاجم فلاحون عرب ملاكي أراض ٍ عرب في شمال فلسطين. وفي مسار الأحداث اعتدوا في تشرين الثاني /نوفمبر أيضاً على بضع مستوطنات يهودية، وفي كانون الأول /ديسمبر، حاول فلاحون من "كفركنّا" احتلال أراضٍ بملكية "بيكا" في جوار طبريا.

وفي ربيع 1909 انتشرت في أرجاء السلطنة موجة من الصحوة من الثورة، ومن "جمعية الاتحاد والترقي"؛ وفي أعقاب ذلك ظهرت علامات الاضطراب والهيجان، خاصة في الأناضول، حيث اغتيل في الهيجان آلاف الأرمن. وعدم الاستقرار هذا كان الخلفية لسلسلة حوادث وقعت حول المستوطنة ومزرعة التدريب التابعة لـ"بيكا" في "السجرة".

بدايةً، وفي شهر شباط /فبراير، طالب فلاحو قرية "السجرة" المجاورة بجزء صغير من أراضي المستوطنة، وكما يبدو بتشجيع من عناصر خارجية: وحسب أقوال إلياهو كراوزة، مدير مزرعة التدريب، لم يكن هؤلاء سوى أعضاء مستائين من فرع طبريا من "جمعية الاتحاد والترقي ". وفي آذار/مارس رد المستوطنون برفض تشغيل قرويين من الشجرة وشراء منتوجاتهم. وفي نيسان /ابريل ألغى الفلاحون مطالبهم بأراضي السجرة، لأنهم لم يستطيعوا تحمل نفقات المحاكمات، إلا أنهم استمروا في مضايقة اليهود وإلحاق الضرر بهم، كما سرقوا المستوطنة.

وفي ذروة تلك التوترات المحلية، قتل عربي من "كفركنّا" على يد يهودي اسمه حاييم دوفنر . يعمل مصوّراً،وكان في طريقه إلى مؤتمر "عمال صهيون" الذي أوشك على الانعقاد في عيد الفصح في السجرة. وفي طريقه هوجم من قبل أربعة من العرب، سلبوا أجهزته لدى خروجه من تخوم كفركنّا. وأطلق دوفنر النار وجرح واحداً من مهاجميه، الذي قبل موته، تمكن من الادعاء بأن يهوديين من السجرة أطلقا عليه النار . وفي 7 نيسان /ابريل هاجم فلاحون من كفركنّا السجرة مطالبين بـ "الديّة". إلا أن موظفي المستوطنة من قبل " بيكا" رفضوا الاستجابة لهذه المطالبة. وفي 9 نيسان/ابريل نهبت مجموعة كبيرة من القرويين محصول السجرة وبعد يومين جرحوا بشكل بليغ يهوديين كانا عائدين إلى السجرة من طبريا. وفي الغد اغتيل يهوديان، أحدهما على يد فلاحين من كفر كنّا، والآخر بأيدي فلاحين من الشجرة .

أسهمت الأمطار التي هطلت في هذه الساعة المباركة في تبريد الأجواء. وأوقفت سلطات في الناصرة عددا من الفلاحين، وأعادت أجهزة التصوير لدوفنر، وثبتت التهمة بأهالي كفركنّا. وطلب الكهنة الذين مثّلوا القرويين عقد صلحة، ولكنهم لم يتوافقوا على شروطها، ووصل الأمر إلى المحكمة في عكا، وهناك استمرت المحاكمة لأكثر من سنتين.

من شبه المؤكد أنه كان بالإمكان رؤية هذه الأحداث، كما ورد أعلاه، على خلفية أعمال الشغب في شمال البلد، والتي وقعت في خريف 1908 وكذلك على خلفية خيبة الأمل التي انتشرت في ربيع 1909 من الحكم الجديد. ولكن مع ذلك، هناك أساس للشك بأن بعض الذين وقفوا خلف تلك الخطوات ضد السجرة أرادوا بالفعل الاحتجاج بصورة هزيلة وغير مبلورة على الاستيطان اليهودي في منطقة طبريا، حيث كانت سبع مستوطنات . والأساس لهذا الشك هو في أن كراوزة ذكر بشكل خاص نجيب نصار كأحد المحرضين الرئيسيين الذين جاؤوا من الخارج أثناء أحداث السجرة. ونجيب نصّار كان محرر الصحيفة الحيفاوية " الكرمل"، ومنذ 1909 فما بعد برز بوصفه الصحفي الأشد مناهضة للصهيونية بين عرب فلسطين. ونصّار ولد في طبريا، وقبل تأسيس " الكرمل" تعرف على كراوزة في إطار مهمته كوكيل أراضي "بيكا". وكما سنرى لاحقاً، فإنه منذ 1909 كانت مقاومة الاستيطان اليهودي في فلسطين ملموسة بحيث لا يمكن تجاهلها.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر