الراصد القديم

2011/12/28

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء التاسع

المناهضة العربية للصهيونية

ظهرت بصورة لا لبس فيها في السنوات الخمس الفاصلة بين انتزاع السلطة العلني من قبل "جمعية الاتحاد والترقي" بعد الثورة المضادة في نيسان/ابريل 1909، وبين انفجار الحرب العالمية الأولى في عام 1914. ويمكن تمييز ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذه المناهضة للصهيونية: أ) مقاومة الصهيونية بسبب الولاء للعثمانيين؛ ب) مقاومة نابعة من الوطنية المحلية؛ ج) مقاومة منطلقة من القومية العربية. والاتجاه الثاني فقط كان مميزاً لفلسطين. وفيما عدا تلك الاتجاهات كانت هناك نزعات فرعية: مقاومة للصهيونية لأسباب اقتصادية، أو أخرى دينية، أو لا سامية .

ويجب التوكيد على أن هذا التقسيم لاتجاهات رئيسية ونزعات فرعية مناسب أساساً لضرورة تحليل نظري لظاهرة مناهضة الصهيونية في أوساط العرب. وفي الواقع، لم يعمل أي من هذه الاتجاهات بمعزل عن الآخر، وبانفصال عنه، وعمليا كملت تلك الاتجاهات بعضها بعضاً، وكانت متداخلة فيما بينها.

أ ) الولاء للعثمانيين :
كانت غالبية الأعيان العرب الذين انتموا إلى النخب موالية أساساً للسلطنة العثمانية. فكمسلمين كانوا على صلة وثيقة بالمجتمع الذي على رأسه، على الأقل نظرياً، السلطان الخليفة،كانوا رجال دين من طبقات السلطة والحكم المحليين، فكانت لهم مصلحة مشروطة باستمرار النظام القائم والممأسس. ولم تكن براعم القومية العربية قد لامستهم بعد، مالوا لرؤية الصهيونية بنفس الطريقة التي نظرت إليها الحكومة العثمانية منذ سنوات 1880، كحركة قومية "انفصالية"، والتي إضافة إلى ذلك، كانت ربما متأثرة بروسيا العدوّة الكبيرة للسلطنة العثمانية، والبلد الأصلي لغالبية اليهود الذين قدموا الى فلسطين. والحركة الصهيونية، إن لم تكبح، فمن شأنها حسب رأيهم أن تسبب فقدان مساحة من السلطنة، شبيهة بخسارة المساحات في البلقان خلال القرن التاسع عشر. ولذا ففي نظر الزعامة العربية والتركية على حدّ سواء لم تكن الصهيونية سوى خطر محتمل لوحدة السلطنـة وسلامة أراضيها.

وهذا الموقف يسمع من مطالبة العرب، المرة تلو الأخرى، طوال الفترة، بأنه إذا سمح لليهود الأجانب بالإقامة في فلسطين، فمن واجبهم أن يكونوا رعايا عثمانيين . وقد جرى التعبير عن هذا الموقف بوضوح. فحافظ بك السعيد، ممثل يافا في البرلمان العثماني، على سبيل المثال، طرح استجواباً في أيار/ مايو 1909 عن أبعاد الصهيونية. وهل تنسجم حركة اليهود القومية مع مصالح السلطنة؟

وكتعبير واضح عن آرائه، طلب حافظ بك إغلاق ميناء يافا أمام المهاجرين اليهود. وكذلك الأمر في 1910، عندما بدأ ممثلون صهيونيون محادثات لامتلاك الأراضي التي أقيمت عليها لاحقاً مستوطنة "مرحافيا"(9)، فأرسلت برقية من قبل أعيان حيفا، وفيها احتجاج على البيع المقترح. وادّعى الموقعون (الذين لم تعرف أسماؤهم) بأن صحافة العالم تشهد على جهود الصهيونيين منذ سريان مفعول الدستور( أي،1908)، لاستملاك أراض واسعة في سوريا وفلسطين، وأنه دخل البلد مؤخراً مائة ألف مهاجر يهودي، أخلّوا بالهدوء، وبذلك عرضوا السلطنة لأخطار سياسية.

ويبدو أن التعبير الأشد عن هذا الموقف صدر في بداية صيف 1911، عندما اكتشف وجود الجمعية الأولى لمناهضة الصهيونية التي أسسها العرب. وفي شباط/ فبراير وأيار/ مايو من ذلك العام جرى بحث مطولٌ لمسألة الصهيونية في البرلمان العثماني. والمداولة الأولى كانت جزءاً من هجوم سياسي أكثر اتساعاً على "جمعية الاتحاد والترقي"، ولم يشارك فيه ممثلون عرب. والمداولة الثانية كانت بمبادرة المندوبين العرب، وفي نهايتها اشتكى احد المندوبين (حافظ ابراهيم أفندي ـ من ألبانيا) من أن وقت البرلمان يهدر في البحث حول "أشباح الموتى": فللسلطنة جيش من مليون رجل، وليس لديها ما تخشاه من مائة ألف يهودي في فلسطين . وبرقيات "وكالة الأنباء العثمانية" التي أوردت هذه الملاحظة، لم تفهم كما يجب في يافا، فُهِمت على أنها تنسب إلى حافظ بك السعيد ممثل المدينة، الذي بالفعل لم يشارك أبداً في النقاش . واحتجاجاً أُرْسِل إلى" فلسطين" (الصحيفة التي تأسست مؤخراً في يافا ) كتابٌ مفتوح، يتضمن مدائح للممثلين الذين تكلموا ضد الصهيونية، وكذلك نقد لحافظ بك، الذي كأنما قال: بأن "الخطر الصهيوني" خيالي. وعلى العكس: فبحسب دعوى المبادرين إلى الاحتجاج، "الصهيونية خطر يحيق بوطن حافظ بك، وموجة هائلة ومفزعة تضرب شواطئ البلد. هذا وبعد: فالصهيونية هي إشارة مبشرة للهجرة المعدّة مستقبلاً للسكان المحليين من وطنهم، ومغادرة بيوتهم وممتلكاتهم". وهذه الرسالة المفتوحة تميزت بأنها كانت موقعة من قبل " الحزب الوطني العثماني"(10).

المقاومة للصهيونية جراء الولاء للعثمانيين كانت، كما يبدو، الاتجاه الرئيسي للمناهضة العربية للصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى. والمرشحان المقدسيان الاثنان، اللذان فازا في انتخابات البرلمان في نيسان /ابريل 1914، عبّرا بوضوح بمصطلحات الولاء للعثمانيين، عندما أجرى معهما محرر صحيفة "الإقدام " ( القاهرية) مقابلة في آذار/مارس من تلك السنة. وأعلن سعيد بك الحسيني أن الصهيونية هي خطر على السلطنة، سواء من ناحية سياسية أو اقتصادية. ". . . وأنا أستغرب جدا كيف تسكت الحكومة على هذه الحركة، لأن الصهيونيين يبقون في حماية الرعاية الأجنبية. ولذلك، فعلى الحكومة أن، تستيقظ وتفيق من غفلتها وتعلم ما الذي يواجهها ".

وفي تفاصيل الأمر،آمن سعيد بك أن مشاكل الأراضي تستوجب المعالجة، ومن حق الفلاح تلقي المساعدة، من أجل "ألا تنتقل البقية الباقية من الأراضي التي في أيدينا إلى الصهيونية".

من جهته قال راغب بك النشاشيبي: أنه ليس ضد اليهود العثمانيين، وإنما هو ضد اليهود الأجانب فقط.
" وإذا كان اليهودي الأجنبي راغباً في استمالة قلبنا إليه، فعليه أن يرضى بأن يكون من الرعية العثمانية، ويتعلم لغة الدولة من أجل أن يفهمنا ونفهمه، وكلانا يعمل لصالح الوطن. ولكن إذا كان المواطن الأجنبي آتياً لمحاربتنا بسلاح مواطنته، ومعاداة أبنائنا وإخواننا والخروج على قوانيننا وأحكامنا، فمن واجبنا ألا نسكت عن ذلك. وإذا انتخبت نائباً فإنني سأكرس كل طاقاتي، ليل نهار، لإبعاد الضرر والخطر المتوقعين لنا من الصهيونية، دون المساس، كما ذكرت، بصلاحيات إخواننا العثمانيين ( اليهود)".

وقد أوصى أيضاً أن تتبنى الحكومة في موقفها من الصهيونيين "أسلوب حكومة رومانيا" أي: تسلك إزاءهم كما تفعل مع الأجانب وتحجب عنهم حقوقاً سياسية ومدنية في مجالات محددة.
الجزء الثامن

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر