الراصد القديم

2011/12/12

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الثالث

وعلى الرغم من بروز المسألة الصهيونية ،وبالتالي، "القضية الفلسطينية"؛ في "الحركة القومية العربية"، وخصوصاً "الوطنية الفلسطينية"، قبل الحرب العالمية الأولى، فإن الأولوية في النشاط السياسي العربي كانت للعلاقة مع الدولة العثمانية، من جهة، ومع الدول الأوروبية ودورها في دعم الاستقلال العربي، من جهة أخرى. في المقابل، ففي الفترة إياها، حسم الأمر داخل الحركة الصهيونية على اعتماد فلسطين قاعدة للمشروع الاستيطاني الصهيوني، ورفض الأمكنة البديلة. وبناء عليه، شكلت هذه المرحلة، وعلى هذا الأساس، بداية تمايز مضمون "الحركة الوطنية الفلسطينية" عن "الحركة الأم" (القومية العربية)، لما تميّز به ذلك المضمون من تركيز على الصهيونية. وقد وجهت صحيفتا "الكرمل" و "فلسطين" نقداً شديداً للمؤتمر العربي الأول (1913) في باريس، لأنه ركز مداولاته على مسألة الاستقلال الذاتي، ولم يول اهتماماً كافياً للمسألة الصهيونية. هذا، على الرغم من وحدة الموقف لدى القوى السياسية الفلسطينية من الصهيونية، وتعاطف القوى القومية العربية معها. ولكن القضية الملحّة في المؤتمر كانت تتمحور حول مصير العلاقة بين الأمة العربية والدولة العثمانية، الأمر الذي حسمته الحرب العالمية الأولى. وعلى أية حال، فقد بلغت مساحة الأراضي التي اشتراها "الصندوق القومي اليهودي" عشية الحرب العالمية الأولى نحو420،700 دونم، أقيم عليها 47 مستوطنة في مناطق متعددة من فلسطين. وفي الواقع، فإن جميع المحاولات للتوصل إلى "اتفاق " بين الحركة الصهيونية، من جهة، والتيارات المحلية المختلفة – العثمانية، اللامركزية، القومية العربية، والوطنية الفلسطينية – عموماً، قد باءت بالفشل، كما يؤكد كاتب المقال.

ومنذ أن تسربت المعلومات عن "وعد بلفور"، بدأ الفلسطينيون يعبرون عن رفضهم له، وعن مخاوفهم من نتائجه بصور متعددة. وتشكلت في البلاد لجان إسلاميةــ مسيحية، انطلاقاً من الوعي الذي ساد في حينه، من أن المشروع الصهيوني ينطلق من أرضية يهودية. ومن هنا، رأى رجال هذه اللجان في بريطانياً طرفاً ثالثاً، تجري مناشدته للتخلي عن دعم هذا المشروع، من أجل الحفاظ على الصداقة مع العرب. وكانت هذه اللجان خطوة أولى نحو التنظيم السياسي، من جهة، وتعميق الوعي بطبيعة المشروع الصهيوني، من جهة أخرى، الأمر الذي أدّى إلى وقوع صدامات عنيفة مع المستوطنين، على الرغم من وجود الحكم العسكري البريطاني. وقد تشكلت تلك اللجان من الوجهاء والأعيان والملاكين ورجال الدين والمثقفين ورجال الأعمال. وإذ ظلت ترفع شعار الاستقلال والوحدة العربية، فإنها لم تدع إلى مقاومة الاحتلال البريطاني، وإنما ناشدته الوقوف في وجه الأهداف الصهيونية، ودعت حكومة لندن للوفاء بتعهداتها للعرب، عشية اندلاع الحرب وفي أثنائها. وفي ظل الاحتلال، وبينما راحت الحركة الصهيونية تبني "الوطن القومي اليهودي"، والحركة القومية العربية، في دمشق، تركز اهتمامها على الاحتلال الجديد، بهدف تحقيق الاستقلال، راحت الحركة الوطنية الفلسطينية مع الوقت تركز اهتمامها على درء الأخطار الصهيونية، التي تهدد مستقبل البلد وسكانه. ومع ذلك ظلت العلاقات بين الحركة الوطنية الفلسطينية، والحركة الأم – القومية العربية قائمة، وإن لم تكن على تواصل يومي كما كانت الحال قبل الحرب العالمية الأولى.

ورداً على "مؤتمر يافا" الصهيوني، الذي دعت إليه "لجنة المندوبين الصهيونيين" (1918)، وخرج بقرارات بعيدة الأثر بالنسبة إلى "تهويد فلسطين" الفوري، عقد "المؤتمر العربي الفلسطيني الأول" في القدس (27/1-1/2/1919). وقد تنادى المؤتمرون للنظر في المطالب الفلسطينية من "مؤتمر باريس للسلام"، على قاعدة تقرير المصير، وتحديد الموقف من المشروع الصهيوني، بعد أن راحت عناصره وغاياته تتكشف بوتيرة متسارعة، نتيجة للنشاط الذي تمارسه لجنة المندوبين برئاسة حاييم وايزمن. وفي هذه الفترة، كانت بلاد الشام كلها تحت الحكم العسكري البريطاني. وكانت قد تشكلت في دمشق حكومة عربية بقيادة الأمير فيصل (30/9/1919) وكانت الحركة الوطنية الفلسطينية على صلة وثيقة بالحركة القومية العربية في دمشق. إلا أنه إزاء النشاط الصهيوني المتزايد في فلسطين وانكشاف "وعد بلفور"، وما نجم عنه، راح الهمّ الفلسطيني يتركز حول المشروع الصهيوني. في المقابل، ومع تكشّف عملية الخداع التي مارسها الحلفاء على الحركة القومية العربية، وافتضاح مؤامراتهم على تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ لهم، تمحور الهمّ العربي ( الدمشقي) على الاستقلال. ومع اشتداد الهجمة الامبريالية - الصهيونية، وتقسيم البلاد العربية، أصبحت الحركة العربية بمجملها في موقع الدفاع عن النفس، وتركزت أولوية كل جانب فيها على مشكلاته المباشرة. وراحت الاتصالات بين الأجزاء تضعف، وبالتالي، يأخذ النشاط طابعاً إقليمياً، شكلاً ومضموناً. وإذ تمحور النشاط الفلسطيني حول الخطر الصهيوني، فإن همّ دمشق تركز على الاستقلال في مواجهة الخطر الفرنسي الداهم.

وفي الواقع، فإنه إزاء الوضع الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى أرضية المشاريع المطروحة بالنسبة إلى الوطن العربي، لم يعد الاستقلال على رأس هموم الحركة الوطنية الفلسطينية بقدر ما أصبح همّها إنقاذ البلد من براثن الصهيونية. ولاغرو أن هذه الحركة كانت معنية بتوثيق الارتباط بالحركة الأم، لكن الواقع فرض نفسه بقوة. وإزاء التطورات المتسارعة، اجتمع في "النادي العربي" بدمشق حشد من الشخصيات الفلسطينية، وقرر تشكيل "الجمعية العربية الفلسطينية" (31/5/1920). وانتخبت للجمعية لجنة إدارية من: الحاج أمين الحسيني،عارف العارف، رفيق التميمي، عزة دروزة، معين الماضي،إبراهيم عبد الهادي وسليم عبد الرحمن. ودعت اللجنة إلى توحيد الجمعيات الفلسطينية في إطار للعمل المشترك. واحتجت بشدة على قرار "مؤتمر سان ريمو"، القاضي بانتداب بريطانيا على فلسطين. كما قامت الجمعية بإذاعة بيان عام إلى مسلمي الهند والعالم أجمع، لفتت فيه أنظارهم إلى الخطر الصهيوني. وشهدت سنة1920 انعطافاً في الحركة العربية بصورة عامة، والحركة الوطنية الفلسطينية بصورة خاصة، وكان العامل الخارجي هو الأكثر تأثيراً في فرض المسارات اللاحقة.
يتبع

الجزء الثاني

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر