الراصد القديم

2011/12/16

عودة الروح إلى ترويكا 8 آذار: سنبلة قمح؟


كان ينقص قوى 8 آذار، كغالبية حكومية، أن تتناحر في ما بينها ولا تكتفي بسياسة الإنهاك التي يقابلها بها الرئيس نجيب ميقاتي منذ تأليفه الحكومة. صارت الغالبية نصفين، بعضها يصوّت ضد بعض. إلا أنها أعادت تجميع أجزائها وتنسيق تعاونها والاحتكام إلى التصويت

أعاد الاجتماع الأخير لممثلي حركة أمل والتيار الوطني الحرّ وحزب الله، الوزيرين علي حسن خليل وجبران باسيل وحسين الخليل، قبل ثلاثة أيام، الاعتبار إلى تحالفهم كغالبية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ورسموا خطة إحياء ترويكا تعاونهم في المرحلة المقبلة وفق معطيات منها:

1 ـــــ أن لا خلفية مقصودة للبلبلة التي سادت علاقة الأفرقاء الثلاثة في جلسة التصويت على مشروع رفع الأجور في مجلس الوزراء. وأظهر تصويت وزراء الحركة والحزب على طرف نقيض من تصويت وزراء تكتّل التغيير والإصلاح الذي لم يسلم بدوره من تناقض في تصويت أعضائه أنفسهم. بل نجم التباين في التصويت عن خلل في التنسيق بين الأفرقاء الثلاثة، وعدم تبادلهم المعلومات حيال مواقفهم قبل دخول جلسة مجلس الوزراء.

2 ـــــ تنسيق تعاملهم مع كل جلسة يعقدها مجلس الوزراء، على أن يلتقوا قبل انعقادها ويتشاوروا في جدول أعمالها ـــــ في البنود الواجبة خصوصاً ـــــ توطئة لاتخاذ موقف مشترك ممّا سيتناوله مجلس الوزراء ويصبّ التصويت في منحى الاتفاق.

3 ـــــ استخدام الغالبية الحكومية التي يمسكون بها في مجلس الوزراء بغية فرض إقرار ما يتفقون عليه، ويدخل في صلب تعزيز مواقعهم في الحكم، والاحتكام تالياً إلى التصويت. على هذا النحو سيقاربون التعيينات الإدارية، ولا سيما تلك التي لا توجب ـــــ كموظفي الفئة الأولى ـــــ تصويت ثلثي مجلس الوزراء، فيلجأون إلى الأكثرية المطلقة لتثبيت إرادتهم، كغالبية حكومية، تريد قطف ثمار التعيينات.

ولا يدخل في هذا الامتحان تعيين رئيس جديد لمجلس القضاء الأعلى الذي يتطلب ثلثي مجلس الوزراء، الأمر الذي لا تملكه قوى 8 آذار في الحكومة لدعم مرشح عون للمنصب، ولا يملكه كذلك رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لفرض مرشح رئيس الجمهورية في المنصب، ما يجعل هذا التعيين معلقاً إلى حين التوصّل إلى الغالبية الضامنة نصاب الثلثين.

4 ـــــ توضيح النيات بإزاء ما رافق بعض الأحداث الأخيرة بين حركة أمل والتيار الوطني الحرّ، ولا سيما حادث الزهراني الذي عزته الحركة إلى احتجاج الأهالي على عدم إنصافهم في الحصول على التيار الكهربائي، من دون أن يستهدف التيار الوطني الحر ولا وزير الطاقة جبران باسيل، وكان في إمكان هذا الحادث أن ينفجر في وجه الوزير محمد فنيش لو كان على رأس هذه الحقيبة، أو كان في الإمكان حدوثه في الضاحية الجنوبية، آخذة على باسيل وضع ما حدث في نطاق استهداف شخصي محض، أنكرته الحركة.

اتفق المجتمعون كذلك على تجاوز التباين الأخير وطيّ صفحته نهائياً، والتفاهم على ضرورة تضامنهم في ما بينهم داخل مجلس الوزراء وخارجه، كسنبلة قمح من أجل مواجهة الاستحقاقات المقبلة.

أوجب هذا التفاهم مسارعة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله إلى لمّ شمل حليفيه، رئيس المجلس نبيه برّي ورئيس تكتل التغيير والإصلاح الرئيس ميشال عون، بدعوة ممثلي ترويكا تحالفهم إلى الاجتماع، وتحديد مسار علاقتهم داخل مجلس الوزراء أولاً لتبديد تباين الأيام الأخيرة وارتداداته في مواقف نواب الطرفين، وإزالة رواسب أكثر من سبب عزّز الخلافات الأخيرة، أبرزها تبعاً لمطلعين على العلاقة الملتبسة بين حركة أمل والتيار الوطني الحرّ:

ـــــ تنافر مزمن بين مزاجي برّي وعون لم يُحلهما صديقين ولا حليفين حقيقيين، وتعامل كل منهما مع الآخر وفق معادلة كرّرها الرجلان أكثر من مرة، في أكثر من مناسبة، وهي أن أحدهما هو «حليف الحليف » للآخر. كلاهما حليف لحزب الله. إذاً هما حليفان بالإكراه إلى حدّ.

كلّ من برّي وعون من مدرسة سياسية مختلفة، وطباع متباعدة، وأسلوباهما في ممارسة الحكم متناقضان. ولم يتمكنا من تجاوز هذا المقدار من الافتراق، بل ضاعف مرور الأيام والأحداث من وطأته، وخصوصاً بعد انتخابات قضاء جزين عام 2009.

ـــــ ثمّة ملفّان معلنان عكسا خلافاً مباشراً بين برّي وعون في المدى القريب، ساهما أيضاً في تسعير الخلاف: الأول هو ملف النفط، والثاني ملف تلزيم جباية الكهرباء وطلب تعديل شروط التلزيم.

ـــــ الإحراج الذي وقع فيه حزب الله، وأمينه العام خصوصاً، بين حليفين لا يسعه الاستغناء عن أحدهما، ويجد نفسه في الوقت ذاته في حاجة ملحة إليهما: رئيس المجلس الذي يقاسمه شراكة الثنائية الشيعية، فضلاً عن موقعه على رأس السلطة الاشتراعية وفي الشارع، ورئيس تكتّل التغيير والإصلاح الذي منح حزب الله غطاءً مسيحياً غير مسبوق لسلاحه ومقاومته تحت وطأة تذمّر مسيحي غير مكتوم من الخيارات الإقليمية للحزب وانتفاخ جسمه وتوسّع نفوذه إلى أبعد من تبرير المقاومة وحمايتها، أثارت مخاوف الشارع الموالي لعون، وتركت آثارها على شعبيته عام 2009 في أول انتخابات نيابية تلت توقيع وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر.

ولعلّ المشكلة الحقيقية التي يواجهها نصر الله بين حليفين ندّين غير مستعدين تماماً لتحالف صادق، أن مهمته الرئيسية أمست تضييق ثغرة تنافرهما من غير أن يُحمَل، في أي وقت، على الاختيار بينهما. وهو يحاول، في الواقع، أن لا يقع في تجربة مفاضلة مكلفة. أضف أنه لن يختار إذا أرغم على ذلك. لا يريد اختيار أحدهما دون الآخر. إلا أنه يعرف أيضاً أن عدم الاختيار لا يفضي بالضرورة إلى تذليل ما بينهما.



نقولا ناصيف -الأخبار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر