الراصد القديم

2011/12/13

الصومال (البعد الأمني القومي)

أهملت الحركة القومية التحررية قضية الصومال ولم يتم تناولها من قبل المحللين والسياسيين بل تكاد حتى بيانات المناسبات القومية تخلو من أي إشارة لقضية الصومال، والأسباب بهذا متعددة ومختلفة، نجملها أولاً بقصور الرؤيا عند المشتغلين بالسياسة ، والذين اثبتوا أنهم ثوار الشبكة الالكترونية والصحف الصفراء وأن معظمهم نفعيين يهدفون بحراكهم جاهاً أو مالاً أو موقع متقدم على الشاشات الفضائية،والسبب الآخر عند المشتغلين وعند الأمناء العامين أن الصومال منطقة فقيرة يحكمها أمراء الحرب بتداخلات مختلفة ومتعددة سنأتي على ذكرها لاحقاً
وقد فشلت الحركة القومية في بلاد الشام وما حولها من التواصل مع القوميين في إفريقيا بل فشلت أيضاً بفهم معنى البعد القومي للأمة، والسبب الأخير ونأسف له واعتذر من القراء بشدة إلا أن الشعب العربي في الصومال لا يتمتع بالقوام.............. لن أقولها،وأكرر اعتذاري.

الصومال دولة عربية جذور سكانها التاريخية مختلطة بين الهجرات من اليمن والمغرب العربي ما قبل الميلاد، جميع أهلها يدينون بالإسلام وانتشر الإسلام في الصومال في القرن العاشر للميلاد، يحدها خليج عدن شمالاً والمحيط الهندي شرقاً وكينيا وأثيوبيا غرباً وجيبوتي في الشمال الغربي، طبعاً هذه الحدود حسب تصنيفات الدول الاستعمارية حيث أن جيبوتي العربية جزء من الأراضي الصومالية وإثيوبيا تحتل أجزاء واسعة من الأراضي الصومالية ،سنأتي على ذكر هذا فيما بعد.
احتلها البريطانيون عام 1884م و انشئوا في الجزء الشمالي منها محمية عرفت باسم الصومال البريطاني والذي يعرف اليوم باسم (جمهورية أرض الصومال) وغير معترف بها دولياً، واحتلها مرة أخرى الايطاليون عام 1941م وانشئوا على ساحلها الشرقي محمية عرفت باسم الصومال الايطالي والتي تعرف اليوم باسم (جيبوتي) وأول دولة اعترفت بها كجمهورية مستقلة المملكة المتحدة ،وقاوم السكان الاحتلالين حيث عادت بريطانيا مرة أخرى لاحتلالها في بداية عام 1950 م ، وقدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الدعم للثوار حتى تم تحرير الصومال عام1960 وتشكلت ما عرف باسم جمهورية الصومال العربي برئاسة (آدم عبدالله عثمان)، دون تحرير المناطق المستقطعة منها وخاصة الاقليمين المحتلين من قبل إثيوبيا.
ومنذ ذلك اليوم وسكان الإقليمين (أوغادين و هود) يقاومون الاحتلال الإثيوبي بكل الوسائل المتاحة وكانت اعنف المواجهات في بداية عام 1970 حيث استمرت الانتفاضة لثلاث سنوات متتالية قامت سلطات الاحتلال الإثيوبي بارتكاب مجازر بحق الشعب العربي الصومالي في المناطق المحتلة واستخدمت كل وسائل التنكيل والقمع حتى أخمدت الانتفاضة بصمت عربي مطبق.
في عام 1988 نجحت فصائل المعارضة بالإطاحة بالرئيس (محمد سياد بري) ونشبت حرب طاحنة بين فصائل المعارضة وبرز أسم (محمد فارح عيديد) كأقوى أمراء الحرب وكان ذي توجه قومي.



وأصابت الحرب البلاد بالدمار والخراب وفي عام 1992 أصاب البلاد الجفاف والقحط مما زاد من معاناة السكان، وفي نفس العام قامت أمريكا بإنزال قواتها في الصومال بهدف احتلالها ، فتصدى السكان لها وتوحدت بعض الفصائل المتقاتلة تحت قيادة (محمد فارح عيديد)وقاوموا أمريكا مقاومة بطولية منقطعة النظير أجبروها على الانسحاب مذلولة ومهزومة ، وصادف أن بعض القوات الأمريكية انسحبت إلى إثيوبيا فتصدى لهم العرب الصوماليون في الإقليمين المحتلين( أوغادين وهود).
وفي العام 2001 م اتفقت بعض الفصائل على تشكيل حكومة برعاية إثيوبيا لمعارضة حكومة الرئيس (صلاد) الانتقالية.
برز ( شيخ شريف احمد) كرئيس لاتحاد المحاكم الإسلامية ويعتبر الرئيس السابع للصومال، وكان قبل دخوله معترك العمل السياسي مدرس فقهي، يحسب فكراً على جناح الإخوان المسلمين
ولم يتضح اتصاله تنظيمياً بهم، وتعتبر حركة الشباب المجاهد في بداية تشكيلها الجناح العسكري لاتحاد المحاكم ومعظم أعضائها هم من أنصار الفكر السلفي الجهادي ، ولهم اتصال وثيق بتنظيم القاعدة.
عارضت حركة الشباب المجاهدين مؤتمر (أسمره) واعتبرته تآمراً على الوطن المحتل وعلى الشرع الإسلامي ، فحدث الانفصال بين الحركة بقيادة (مختار على الزبير) واتحاد المحاكم
وتقاتل الحركة اليوم حكومة (شيخ شريف) المدعوم من إثيوبيا، واستعان بالجيش الإثيوبي أكثر من مرة لتثبيت حكمه.
هذه إطلالة سريعة وموجزة لتاريخ و واقع الصومال اليوم ، والصومال لها موقع متميز في القرن الإفريقي وتعتبر البعد الأمني القومي العربي في منطقة القرن الإفريقي ، وهناك عدة دول
تتقاتل للسيطرة على القرن الإفريقي ، والبداية عندما طرحت (إسرائيل) فكرة تدويل البحر. الأحمر وعارضت الدول العربية بشده التدويل ، كونه يضر بمصالح الأمن المائي العربي ، وقامت (إيران) بدعم بعض العصابات المختصة بتهريب (المخدرات) لتهريبها إلى( اليمن) ومن ثم إلى ( السعودية ) وكذالك دعم عصابات القراصنة دعماً لفكرة تدويل البحر الأحمر، الذي تستفيد منها (إسرائيل) و (إيران) و(أمريكا) وباقي الدول الاستعمارية.
وتقوم ( اليمن ) بدعم حكومة (شيخ شريف) بأموال خليجية سعودية تحديداً من اجل الاستقرار
الوطني التام وخوفاً من تعاظم نفوذ السلفية الجهادية ولمنع تهريب جميع أنواع المخدرات، وبعد تفاقم الخلاف بين (مصر) و (إثيوبيا) حول نهر( النيل) شريان الحياة في مصر ،قامت (مصر) مع الخلاف الفكري الحاد بتقديم الدعم (لحركة الشباب) للتصدي (لإثيوبيا) كما قامت مصر قبل خمسة أعوام تقريباً باستقبال عدد من قادة الحراك التحرري في إقليمي (اوغادين وهود) وإعطائهم صفة اللاجئين السياسيين .
الصومال هي البعد الأمني القومي العربي في القرن الإفريقي وتعامل الدول العربية المعنية مع وضع الصومال ناتج عن ردة الفعل فقط دون تخطيط استراتيجي متفق عليه ، فترى الدول بأنظمتها القطرية تتفق في مناطق وتختلف في مناطق أخرى.
وهناك تحالف خفي بين (إسرائيل) الداعمة (لإثيوبيا ) بمجهودها الحربي لصالح حكومة (شيخ شريف) وبين النظام الفارسي في (إيران)،والتحالف القائم بينهما للسيطرة على القرن الإفريقي برعاية ( أمريكية ) ومعارضة (فرنسية ) صامته.
لم تحاول الدول العربية نهائياً وضع إستراتيجية دفاعية حقيقية عن الأمن القومي العربي ليس في القرن الإفريقي فحسب بل في جميع المناطق، وسمحت لكل المشاريع الاستعمارية من الدخول والسيطرة وتنفيذ أجنداتها الخاصة.
أن الصومال اليوم بأمس الحاجة إلى الدعم العربي رسمياً وشعبياً، من اجل مصالحة وطنية شاملة بعيداً عن أجندات المستعمرين جميعاً وبرؤيا قومية تعني الحفاظ على مصالح
الأمة و صونها.
أن خسارة الأمة العربية للقرن الإفريقي يعني جفاف نهر النيل في مصر والسودان وتدويل المنافذ المائية العربية مما يعني سيطرة على الملاحة المائية والتي يستخدمها العرب وبخاصة دول الخليج لتصدير البترول مما يعني وقوعهم في شباك ثالوث عداء الأمة العربية (أمريكا والصهيونية والفارسية ).
أن الأنظمة العربية القطرية المهترئة لا تدرك حجم الخطر الذي يحيط بها، وكذلك مدعي القومية
الذين لا يرون ابعد من انفهم، والذين تحدثنا عنهم في بداية المقال.
وجب اليوم بعيداً عن أنظمة الخيانة، أن يقوم القوميين الشرفاء بالتحاور مع جميع الأطراف في الصومال للوصول إلى حلول تفضي إلى الاستقرار القومي والحفاظ على القرن الإفريقي.
ونحن لم نتحدث عن المجاعة التي أصابت الشعب العربي في الصومال والتي تهدد أكثر من مليوني مواطن بخطر الموت، ما نراه اليوم ليس اهتمام من قبل المشتغلين بالسياسة مدعي القومية فحسب والأنظمة القطرية العميلة بالبعد الأمني القومي بل إنهم حتى لا يملكون مجرد الشعور الإنساني تجاه أبناء الأمة ، بل أن بعضهم يدفعون ملايين الدولارات لقتل الشعب العربي في سوريا ومصر وليبيا وتجويع وتركيع الشعب العربي في فلسطين.
________________
عبدالله الصباحين/الأردن

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر