الراصد القديم

2011/12/14

فوضى السلاح...عربياً ولبنانياً

تجتاح فوضى السلاح العالم العربي. لم يعد المرض، مرض السلاح غير الشرعي مقتصراً على لبنان. انتشر في غير مكان في المنطقة. صار النظام السوري الذي لم يكن لديه، في الماضي والحاضر، من همّ سوى تهريب السلاح الى دول الجوار يشكو من الظاهرة!

ليس هناك اسوأ من فوضى السلاح. فوضى السلاح اضاعت على الفلسطينيين فرصة اقامة دولتهم المستقلة انطلاقاً من غزة. فوضى السلاح يمكن ان تفوّت على الليبيين اعادة بناء مؤسسات الدولة التي تولى معمّر القذافي القضاء عليها بشكل منتظم ومنظّم. فوضى السلاح يمكن ان تعيد العراق الى الحروب المذهبية بعد الانسحاب الاميركي اواخر السنة الجارية.

فوضى السلاح كادت تقضي على الجزائر في مرحلة معينة، ويمكن ان تقضي على لبنان. يقاوم لبنان هذه الظاهرة المرضية منذ ما يزيد على اربعين سنة، اي منذ العام 1969 تاريخ اجبار العرب حكومته على توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم. نتائج توقيع الاتفاق لا تزال تتفاعل حتى الآن، بعد حلول ميليشيا "حزب الله" الايرانية مكان المسلحين الفلسطينيين المنتمين الى منظمات من مختلف المشارب. منظمات تابعة، في اكثريتها، لانظمة عربية لم يكن لديها هدف آخر سوى المتاجرة بفلسطين والفلسطينيين على حساب لبنان واللبنانيين!

كان في استطاعة الفلسطينيين توفير نموذج عما يمكن ان تكون عليه الدولة الفلسطينية بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة صيف العام 2005. بدل ذلك، امعنت حركة "حماس" في نشر فوضى السلاح واطلاق الشعارات الفارغة، من بينها تحرير فلسطين من البحر الى النهر او ان فلسطين "وقف اسلامي". انتهى الامر بتحول غزة الى سجن كبير للفلسطينيين بعد الحصار الذي فرضه الاسرائيليون معتمدين على فوضى السلاح اوّلاً. تبيّن ان فوضى السلاح هي، الى اشعار آخر، الحليف الاوّل للاحتلال الاسرائيلي.

من حسن الحظ ان هناك بين الليبيين من تنبه باكراً الى خطورة فوضى السلاح على مستقبل البلد ككلّ وذلك في ضوء سقوط "جماهيرية" معمّر القذّافي. لم يكن هناك هدف من اعلان "الجماهيرية" سوى تدمير مؤسسات الدولة واستعباد الليبيين. تحرك الليبيون في طرابلس اخيراً. اكّد اهل طرابلس قبل ايّام بالفم الملآن ان ليس في الامكان اعادة بناء الدولة في ظل فوضى السلاح. دعوا المسلّحين الى الخروج من طرابلس. هؤلاء الثوّار حرروا البلد كلّه من "جماهيرية" القذّافي وليس طرابلس فقط. مع ذلك انهم مدعوون الى التخلي عن سلاحهم في حال كان مطلوباً ان يكونوا هناك دولة اسمها ليبيا.

كاد السلاح يقضي على الجزائر. قاومت الجزائر فوضى السلاح. اذا كان هناك من أمل يوماً في عودة الجزائر دولة عصرية قادرة على التعاطي بشكل ايجابي مع جيرانها ومع ما يدور في محيطها، بعيداً عن عقدة المغرب التي لا تزال تعاني منها، فإنّ ذلك عائد الى انها قضت على فوضى السلاح. لم تسمح المؤسسة العسكرية في الجزائر بفوضى السلاح. السؤال الآن هل يمكن تطوير البلد... بعيدا عن فوضى السلاح وكلّ ما له علاقة بالارهاب تفاديا لثورة اخرى تؤكّد ان رياح "الربيع العربي" لا يمكن ان تتوقف عند حدود معيّنة؟

كان الحادث الذي تعرّضت له الوحدة الفرنسية في جنوب لبنان قبل ايّام مناسبة كي تصدر ادانات عن كلّ الاوساط اللبنانية، بما في ذلك الحكومة التي يرئسها الرئيس نجيب ميقاتي وحتى عن "حزب الله" نفسه. هذا الحزب الذي يتحكّم بالحكومة وبالمنطقة التي وقع فيها الانفجار الذي ادى اصابة خمسة جنود فرنسيين بجروح.

المؤسف ان السياسيين اللبنانيين التابعين لـ"حزب الله" بكلّ ما يمثله من تعبير عن فوضى السلاح لم يتجرّأوا على قول الكلام الذي يجب قوله في المناسبة. ملخّص الكلام انّ لبنان كلّه والجنوب تحديداً، باهله وارضه، ضحية ظاهرة السلاح غير الشرعي التي يقف خلفها المحور الايراني ـ السوري الساعي الى تكريس لبنان "ساحة" لا اكثر.

لا يمكن الاّ الترحيب بما قاله رئيس مجلس النوّاب اللبناني السيّد نبيه برّي عن ان اسرائيل هي المستفيد من الانفجار الذي استهدف العسكريين الفرنسييين في جنوب لبنان. مثل هذا الكلام صحيح مئة في المئة نظرا الى ان اسرائيل سعت دائما الى ان يكون الجنوب خارج سلطة الدولة اللبنانية. ليس صحيحاً ان اسرائيل كانت ضدّ اتفاق القاهرة. ليس صحيحاً ان اسرائيل كانت ضدّ الوجود المسلح في جنوب لبنان، اكان هذا الوجود فلسطينياً او ايرانياً، بالواسطة طبعاً.

من يريد بالفعل ادانة العمليات التي تتعرض لها القوة الدولية في جنوب لبنان، لا يستطيع الاكتفاء بالقشور، اي بتجاهل الواقع المتمثل في ان النظام السوري اراد توجيه رسالة الى فرنسا عبر جنوب لبنان الذي يسيطر هليه "حزب الله" شبراً شبراً. المشكلة ليست في النيات المكشوفة للنظام السوري. المشكلة في ان الحكومة اللبنانية لا تريد الاعتراف بانّ شعار "الشعب والجيش والمقاومة" لا يستهدف ايجاد مبرر لابقاء جنوب لبنان جبهة مفتوحة يستغلها من يشاء من حلفاء ايران.

يبدو انه لم يأت بعد اليوم الذي يقف فيه مسؤول لبناني كبير للقول انّ لا مستقبل للبنان في ظلّ فوضى السلاح وان ما ينطبق على لبنان ينطبق ايضاً على فلسطين وليبيا والعراق والجزائر... وكلّ دول المنطقة من المحيط الى الخليج!

كلّ ما عدا ذلك كلام بكلام ومحاولة للالتفاف على الحقيقة المتمثلة بانّ لا مستقبل للبنان في ظل وجود سلاح "حزب الله" الموجّه الى صدور اللبنانيين طالبي الحرية والسيادة والاستقلال وليس الى ايّ مكان آخر.

خيرالله خيرالله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر