الراصد القديم

2011/12/13

الفيتو الروسي والصيني.. الضغوط والمساومات!!

د. أبا الحكم


· المساومات والضغوط.. تأتي في خلفية القرارات التكتيكية.

· المساومات والضغوط.. يصعب تمريرها في القرارات الإستراتيجية.

· الفيتو الروسي والصيني.. قراران إستراتيجيان شموليان.

· التراجع عنهما.. يضع الدولتان العظميان في مأزق!!



المقدمة :

أولاً- يتصور البعض إن القرار السياسي ذو البعد الإستراتيجي، الذي تصدره دولة عظمى ربما يأتي بناءً على محض تصور مجرد تمليه الحالة أو الموقف الراهن دون اعتبار لأهم مسألتين في صياغة القرار وهما : ردود الأفعال، سواء كانت إقليمية أم دولية، و فيما إذا كان الفعل إستراتيجياً شاملاً أم تكتيكياً تمليه الظروف والمواقف السياسية.. لأن التطور الحاصل في بنية وهيكلية التنظيم الدولي قد جعل حالة التداخل تأخذ نصيبها القوي والمؤثر في مجرى الصراع إذا ما تطور سيثبط أو يقلل من حجم النتائج المتوخات. والمسألة الثانية : هي التوقيت المطلوب لتمهيد الأرضية وتهيئة المناخ الملائم القادر على استيعاب أو قبول الفعل أو بالأحرى إعطاء ما يبرر أو يثَبِتْ من شرعية الفعل.

هذه المقدمة ضرورية من أجل الفهم العام لطبيعة الزاوية التي يحدث فيها الفعل على المسرح السياسي الدولي والإقليمي، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بملف إشعال فتيل الحرب في المنطقة.



ثانياً- عقدان من السنين مرت منذ عام 1991 ولغاية عام 2011 حدثت خلالها تطورات هائلة في مجالين. الأول : التطور المذهل في تقنية السلاح التقليدي وغير التقليدي ووسائل إيصال هذه الأسلحة إلى أهدافها بكثافة ومرونة. والثاني: القدرة على بناء القوة والتحكم في تحولاتها إلى مستوى التوازن.

هذان التطوران قد وضعا الدولتين العظميين روسيا الاتحادية وأمريكا على طريق التوازن الدولي بعد أن رممت روسيا بناء قوتها ذات الأبعاد الاقتصادية والصناعية والتقنية في برنامج إستراتيجي شامل له القدرة على إعادة إنتاج التوازن الدولي صوب مرحلته الأولى.

وقد تجسد هذان التطوران في منحى بناء القوة في (الفيتو) الذي أعلنت عنه موسكو وبكين- يمكن الرجوع إلى مقالنا تحت عنوان " الفيتو الروسي والصيني، بداية تحول لمرحلة جديدة " الذي نشرته البصرة المناضلة يوم 10/10/ 2011 – حيال مسألة مهمة أدركتا خطورتها منذ أن أعلن (ريغان) الرئيس الأمريكي الأسبق أهمية دمج مبدئي القرار في واحدة من أخطر المتلازمات الإستراتيجية وهي (المصالح الحيوية والأمن القومي الأمريكي) في مسار إستراتيجي واحد يعتمد على ما يسمى بالضربة الإستباقية القائمة على الشك والتخمين الافتراضي وليس على اليقين المبني على الحقائق والقرائن والأدلة.

القراران لم يصدرا من العاصمتين موسكو وبكين إلا لأنهما قد استكملا تقريباً القاعدة التي تتأسس عليها عناصر القوة في أبعادها الاقتصادية والصناعية والتقنية والعسكرية. فقد عجَ العالم خلال العقدين الماضيين / حرب عام 1991، وحرب عام 2003 على العراق، وحروب أخرى شنتها القوى الأجنبية على الشعوب والأنظمة ومنها الحرب على ليبيا عام 2011/. ولم تستخدم تينك العاصمتين حق الفيتو من أجل وقف العدوان الاستعماري على الشعوب والأنظمة، بيد أنهما استخدمتا هذا الحق حيال ملف متداخل مع ملفات أخرى وهو الملف السوري.

فالإتحاد السوفياتي السابق لم يستطع أن يستخدم حق الفيتو عام 1991 حين احتشد العدوان على العراق، لأن الإتحاد السوفياتي كان في طريقه إلى الانهيار بسبب من ضعف بنيته الاقتصادية وتداعي ركائزه الأساسية بسبب من سباق التسلح، وكان الانهيار واضحاً وجلياً لم يدركه العراق آنذاك، على الرغم من أن العراق يرتبط بمعاهدة مع الإتحاد السوفياتي تقتضي الدعم والإسناد.

وحين حلت الحرب العدوانية على العراق عام 2003 لم تستطع موسكو ولا بكين من استخدام حق الفيتو لسبب من عدم اكتمال أو ترميم عناصر القدرة على التوازن الإستراتيجي. أما التداعيات التي تمخضت عن الحرب على ليبيا عام 2011 والفوضى التي عمت الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه على أساس تغيير خرائط المنطقة جيو- سياسياً، ليس بإسقاط النظم السياسية فحسب إنما تدمير الدولة وتمزيق مجتمعها دينياً وعرقياً واثنياً، فلم تستطع العاصمتان موسكو وبكين من استخدام الفيتو لاختلاف طبيعة الساحة الليبية جيو- سياسياً..إلخ.

المنهج الإستراتيجي الاستعماري، الذي تقوده أمريكا ومن خلفها الصهيونية العالمية، قد جعل كل من العاصمتين موسكو وبكين تدركان بأن مجالهما الحيوي بات قاب قوسين من فعل الناتو وإستراتيجيته العسكرية وتطبيقها تحت تبريرات اعتمدها (زبيغنيو بريجنسكي) مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر في نظريته القديمة الجديدة (الضرب في أسفل الجدار)، التي تشكل (حقوق الإنسان والاثنيات والعرقيات والطائفيات..إلخ) أحد أخطر أعمدتها، إضافة إلى عوامل أخرى لسنا بصددها، الأمر الذي عجل في استخدام الفيتو الروسي حيال الملف السوري، فيما جاء الفيتو الصيني داعماً ومسانداً له مغزاه ومعناه في أن مرحلة جديدة قد بدأت تعتمد إعلان القطبية متعددة الأطراف وليس على ثنائية التوازن الرادع المؤكد بين موسكو وواشنطن كما كان عليه الحال في ظل الحرب الباردة.



محاولات واشنطن اليائسة لإفراغ الفيتو الروسي من محتواه :

- في خضم الترويج الاستخباري الأمريكي لخطط الحرب معززة بـ(صور الأقمار الصناعية لمواقع حيوية – مواقع مفاعلات نووية ومراكز اتصالات وعقدها ومقرات قيادات عسكرية وانتشار للقوات العسكرية الأمريكية في بحار وخلجان المنطقة.

- وسيناريو تم نشره على نطاق واسع، تبناه موقع (القوة الثالثة) المعروف بتسريباته الإعلامية ذات الطابع الإستخباري في الحرب النفسية، تناول تفاصيل خطة السيناريو لعدوان الناتو على سوريا.



وفي خضم هذا التشويش الإعلامي الكثيف :

· قدمت واشنطن لإيران وعوداً بعدم استخدام القوة العسكرية ضد برنامجها النووي إذا بقيت خارج الحرب التي من المحتمل كما قيل، أن يشنها الناتو على سوريا.

· كما قدمت ما يغري إيران في تعزيز نفوذها في العراق.

· ودفعت واشنطن سلطة القرار في أنقرة إلى تقاسم المنافع التركية الإيرانية في المنطقة، شريطة التزام طهران الحياد في حالة استخدام الناتو العدوان العسكري ضد سوريا.

· فيما أغرت واشنطن تركيا بأن تخفف (باريس) من تشددها حيال قبول تركيا في الإتحاد الأوربي، ويطوى ملف الأرمن، وأن يكون لتركيا الدور الفاعل للحلف الأطلسي في قيادة مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم المنطقة برمتها على أساس مقررات مؤتمر الناتو الذي عقد في أنقرة عام 2010.



هذه المحاولات اليائسة كيف نفهما؟!

- صحيح أن إيران تتعاون مع واشنطن في العراق وأفغانستان على أساس من (التوافق الإستراتيجي)، ولكن واشنطن تسعى من أجل تفكيك العلاقة القائمة بين دمشق وطهران بمختلف الوسائل.. هذه الحقيقة تدركها العاصمتان تماماً.

- وصحيح أن الدولة الإيرانية تعمل على أساس مصالحها القومية، وإنها قد تتخلى عن التزاماتها مع أصدقائها - هكذا هو حال السياسة – إذا ما تعرضت مصالحها القومية إلى الخطر أو أنها قد تضحي بهذه الالتزامات بدواعي المحافظة على كيانها، إلا أن طهران ما تزال تدرك بأن التوافق الإستراتيجي بينها وبين واشنطن في العراق وأفغانستان سيجعل من المحاولات التساومية مجرد محاولات لن تصل إلى نتيجة، إلا إذا كانت واشنطن قد رسمت لإيران خطاً يشكل ضلعاً مهماً في نظام الأمن الإقليمي للمنطقة، يتشكل من كل من (تركيا وإيران وأمريكا)، وعلى أساس مشروع الشرق الأوسط الجديد.. بيد أن المشاريع الراهنة المطروحة :

1- المشروع الصهيوني من النيل إلى الفرات.

2- المشروع التركي الإمبراطوري العثماني (المتجدد).

3- المشروع الفارسي من الهضبة الفارسية حتى حافات البحر الأبيض المتوسط.

هذه المشاريع في مجملها تتقاطع وتتعارض مع بعضها البعض في الرؤى والتطبيق، ولن تبدأ إلا بمنافسات حادة على النفوذ والمصالح، ومن ثم تنتهي إلى صراع إقليمي أو توافق إستراتيجي مؤقت وهش!!

- الفيتو الروسي والصيني خيار إستراتيجي وليس صناعة تكتيكية، وعليه فلا تراجع عنه لأي سبب يدخل في دائرة المساومات، لأن التراجع عن القرار الإستراتيجي كارثة سياسية يصعب على صانع القرار الروسي والصيني تحملها، طالما أن ما يترتب عليها من تداعيات قد تمهد لأن يقترب سيناريو (الناتو) من مجالهما الحيوي، على الرغم من تصريحات (بوتين)التي أشار فيها إلى استعداد موسكو للعمل مع المجتمع الدولي، وإن بلاده لا تنوي تجاهل رأي شركائها وستتعاون مع الجميع.

- أما منطقة الحظر المزعومة، التي تشكل ما يسمى (Buffer Zone) بعمق خمسة كيلومترات تتسع داخل الأراضي السورية لتكون منطلقاً لتشكيلات عسكرية يُعتقد بأنها محصلة انشقاقات في الهيكلية العسكرية السورية.. هذا التصور لا يجد له مسوغاً واقعياً ولا قانونياً لأسباب تقع في مقدمتها ضرورة حصول موافقة مجلس الأمن الدولي، وإجراءات الناتو، وتمويل العمليات، كما أشار إلى ذلك (أحمد داوود أوغلو) وزير الخارجية التركي.. فيما تعد المؤسسة العسكرية السورية متماسكة يصعب اختراقها أو إيجاد شق فيها، لأنها تدرك قبل غيرها إن انشقاقها عمودياً يصب في مصلحة الكيان الصهيوني، الذي يحرك الجامعة العربية من خلال دولة قطر، الأمر الذي يعرض الأمن القومي السوري إلى الخطر، وهو الأمر الذي يعني لا مجال لمثل هذه التصورات البائسة، التي طالما تحلم بها واشنطن وأنقره وتل أبيب والدوحة!!

- سيناريو ضرب إيران يصعب تصديقه مهما بلغت حدة التصريحات والتنويهات عن اقتراب ساعة الصفر، فهي كلها نتاج مطبخ استخباري يسعى إلى تمرير مشاريع معينه أو تصريف بضاعة سياسية كاسدة ويخلط الأوراق على ساحات المنطقة برمتها.. فما دام التوافق الإستراتيجي قائم بين واشنطن وطهران حول المصالح المشتركة في العراق، فمن الصعب التصديق بشأن ما يقوله الغرب من احتمال (عملية جراحية محدودة) ستتعرض لها بعض المواقع الحيوية في إيران، لأن حساب حدود المجازفة يتعدى النتائج في ميزان الربح والخسارة!!

- العمق الإستراتيجي السوري- العراقي هل يصلح في أن يُفَعَلْ لإجهاض أو يعرقل مهمات الناتو الموكولة لتركيا ويكبدها خسارة في التجارة على طول حدودها وفي العمق حيث التجارة مع دول الخليج العربي؟.. وعلى هذا الأساس من التصور، فأن حصار سوريا اقتصادياً ونجاحه شبه مستحيل، كما حملة التعبئة السياسية والإعلامية والعسكرية ضدها، لأنها تصب أولاً وأخيراً في المصلحة الإسرائيلية!!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر