الراصد القديم

2011/12/09

غربة قتلة الأطفال



… »نحن لا نقتل شعبنا. ليس من حكومة في العالم تقتل شعبها، الا اذا كانت تحت قيادة شخص مجنون ». هذا الكلام السوريالي هو لبشار الاسد ادلى به في مقابلته الاخيرة مع شبكة « سي بي أس نيوز ». فبعد قتل اكثر من خمسة آلاف مواطن بينهم مئات الاطفال والنساء، وبعد جرح ما يزيد على مئة الف شخص، واعتقال ما بين خمسة عشر الفا الى عشرين الفا، وبعد تدمير ممتلكات في عشرات المدن والقرى، وبعد تسعة اشهر على بدء حرب شاملة ضد شعب سوريا الاعزل يكتشف بشار الاسد ان المجنون وحده يقتل شعبه!

عجيب أمر الطغاة، يعيشون حتى في لحظات السقوط المريع في فصام حقيقي عن الواقع، ولا يرون جرائمهم، ولا يرون انه يمكن في الدنيا ان يكون هناك من يكرههم. هكذا كان القذافي الذي اغرق الدنيا بالخطب عن الملايين الذي كانوا يحبونه. وهكذا هو بشار الاسد الذي قال في 30 كانون الثاني الفائت في مقابلته الاخيرة لـ »الوول ستريت جورنال » قبل اشتعال الثورة ضد نظامه ببضعة اسابيع ان الشعب السوري لا يمكن ان ينتفض ضده لأنه (أي الاسد) قريب من طموحات شعبه ورغباته! وفي مقابلة اخرى ضمن تحقيق اجرته قناة فرنسية خلال 2010 قال انه يتجول من دون حراسة، ولا يخاف لأن شعبه يحبه!

عجيب امر الطغاة، يمضون سنوات الحكم والتسلط في غربة تامة عما يدور حولهم، و يتوهمون ان الخوف والمحبة سيان. يغرقون في بحر من الاوهام يغذيها محيطهم: يقال لهم ان الشعب يحبكم، والشعب يريدكم مدى الحياة، ومن بعدكم يريد ذريتكم الى ما شاء الله. هكذا تهيأ للقذافي، وهكذا تهيأ لحافظ الاسد بالرغم من انه كان متشككا في الناس الى حد التطيّر، وهكذا يتهيأ لابنه الذي ورث ملكا في سوريا ولبنان، فأضاعه في البلدين. في لبنان ظن ان الناس لن يقولوا له اخرج، فقالوا له اخرج حتى قبل ان يقتل وحلفاءه رفيق الحريري. وفي سوريا خيل له انه ورث عبيدا يقيمون على ارض اسمها « سوريا الاسد »، فقام صبية في درعا وكتبوا على جدران المدرسة « الشعب يريد اسقاط النظام »، فاقتلع أظفارهم واشعل النار في البلاد!

عجيب أمر الطغاة، وعجيب اكثر امر صغارهم. هم اعجز من ان يفهموا حركة الشعوب، واعجز من ان يفهموا حركة التاريخ ومنطقه. عجيب امرهم لأنهم يرفضون رؤية الحقائق الساطعة.

في هذه الايام اتذكر زميلا كبيرا غادرنا قبل اشهر: سهيل عبود الذي وصف لي في نهاية شهر آذار الماضي، اي في الاسبوع الثاني من انطلاق الثورة السورية وضع بشار، وقال: « لقد ارتفعت الموجة وانقلبت، وكيفما تصرف بشار سيخسر. ان مال معها اخذته، وان وقف بوجهها جرفته! اضاف سهيل مستشرفا سلوكيات النظام: كلما أتوا بحركة انقلبت ضدهم. ان بشار أضعف من ان يوقف حركة التاريخ ». ويخلص قائلا: « انتهى النظام! ».

ان من يشاهد مقابلة الاسد الابن الاخيرة يكتشف ان « قاتل الاطفال » انما يعيش على كوكب آخر!



علي حمادة -النهار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر