الراصد القديم

2011/12/02

سورية أنقذت حكومة ميقاتي وحزب الله يقاتل تراجعياً وعون الخاسر الأكبر


ما ان أطل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عبر وسائل الإعلام ليعلن أنه وقّع على تحويل حصة لبنان من موازنة المحكمة الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه لعام 2011، حتى سارع المراقبون إلى رصد حسابات الربح والخسارة بالنسبة الى كل من الفرقاء اللبنانيين والإقليميين المعنيين بالوضع اللبناني.

وقد خلصت تقارير سياسية ودبلوماسية إلى رسم الصورة الآتية:

1 – الرئيس نجيب ميقاتي: ربح معركة تمويل المحكمة في مواجهة حزب الله وحلفائه، بما يمكنه من استخدام هذه الورقة للدفاع عن صورته أمام الشارع السني. لكن الأيادي السورية التي عادة ما تتدخل في توجيه القرارات اللبنانية من خلال رئيس مجلس النواب نبيه بري من شأنها أن تحرق جزءا من الورقة التي ربحها، على اعتبار أن التمويل جاء بقرار سوري على خلفية مصلحة سورية في تخفيف الضغط العربي والدولي المباشر وغير المباشر عليها في هذه المرحلة، علما أن سورية تعتبر أن أي ضغط على لبنان سينعكس سلبا على قوة نظامها في مواجهة الثورة الداخلية والعقوبات العربية والدولية عليه.

2 – حزب الله: خسر معركة تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، بعدما خسر معركة «الشهود الزور». وبدا حزب الله الذي كان قد استعاد زمام المبادرة مع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري قبل أقل من سنة، وكأنه انتقل من مرحلة الهجوم الى مرحلة القتال التراجعي دفاعا. وجاءت موافقته الضمنية على مخرج تمويل المحكمة دليلا على عدم قدرته على انتاج حكومة جديدة مشابهة في توازناتها للحكومة الحالية، وبالتالي على انقلاب موازين القوى السياسية الداخلية في لبنان متأثرة بالظروف الإقليمية وبالربيع العربي المنتشر في أكثر من دولة بدءا بسورية.

3 – النائب ميشال عون: بدا الخاسر الأكبر لأنه أخذ على عاتقه أن يكون رأس الحربة في إطلاق معركة لم تكتمل ظروفها لإسقاط الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته. ومع اضطرار حزب الله للدخول في مساومة متأثرا بالموقف السوري وبالحائط المسدود داخليا، دفع عون ثمن تراجعه السياسي مزيدا من الظهور بمظهر «الملحق» بقرار حزب الله وسورية لا صاحب قرار مستقل على غرار ما يسعى إلى تصوير نفسه فيه. فهو لم يحقق أيا من الشروط الإدارية والخدماتية التي سعى الى انتزاعها بعدما تبين له أنه ذهب بعيدا في خطواته لإسقاط الحكومة من دون أن تكون الظروف نضجت لذلك بالنسبة الى قوى «8 آذار».

4 – سورية: نجحت دمشق في تحقيق هدف تكتيكي يكمن في حماية لبنان من أي عقوبات دولية نتيجة لعدم سداده حصته من موازنة المحكمة الخاصة. وتسعى سورية من خلال ذلك الى تخفيف الضغط عن نفسها ذلك أن دمشق تخطط لأن يكون لبنان المتنفس الاقتصادي الذي يمكن النظام السوري من مواجهة العقوبات الاقتصادية العربية والدولية. فأي عقوبات دولية على لبنان ستجعله غير قادر- نتيجة للمراقبة الشديدة التي ستفرض عليه، ونتيجة للتراجع المفترض لأوضاعه الاقتصادية والمالية- على تشكيل الرئة التموينية والمالية والخدماتية التي يتنفس من خلالها النظام السوري لخرق العقوبات العربية الدولية المفروضة عليه.

5 – قوى 14 آذار: خسرت فرصة إسقاط الحكومة من خلال انفجارها من الداخل. لكنها ربحت جولة جديدة من جولات المواجهة التي تخوضها لتثبيت عمل المحكمة الخاصة بلبنان ومسارها.

وهي بدت من خلال ردات فعلها السريعة على قرار تحويل حصة لبنان المستحقة عن عام 2011، قادرة على فتح جبهة جديدة لفرض المزيد من الضغط على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وقوى 8 آذار تتمثل في مطالبتها الحكومة بتسليم المتهمين الأربعة الذين صدرت في حقهم مذكرات توقيف. وبدا أن معركة قوى 14 آذار الجديدة متناغمة مع أجواء دولية مشابهة تمثلت في تأكيد السفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيلا على أثر اجتماعها مع الرئيس نجيب ميقاتي بعيد إعلانه صرف حصة لبنان من موازنة المحكمة لعام 2011، أن التزام لبنان بالمحكمة لا يقتصر على التمويل وإنما يتطلب تنفيذ التزامات أخرى في إشارة إلى التعاون في القضايا المتعلقة بالتحقيق وتوقيف المتهمين وغيرها من القضايا.

ويخلص المراقبون في رصدهم للواقع المستجد على الساحة اللبنانية إلى تأكيد أن الرئيس نجيب ميقاتي الذي ربح موقعه في رئاسة الحكومة أسابيع مقبلة، سرعان ما سيجد نفسه في مواجهة جولة جديدة من المطالب والضغوطات التي تستهدف تطويعه من جانب كل من قوى 14 و8 آذار على نحو سيعيده الى النقطة التي اضطرته الأسبوع الماضي الى التهديد بإعلان استقالته، في حين أن «حظ» قوى 14 آذار يبدو كبيرا لأنها تخوض مع حزب الله من دون الاضطرار للاصطدام المباشر معه. فهي من خلال رفض ميقاتي فتح ملف «الشهود الزور» تحمي مواقعها الأمنية والإدارية والقضائية داخل تركيبة السلطة من دون أن تكون مضطرة لدفع ثمن مباشر لحزب الله وحلفائه. وهي من خلال تمويل المحكمة تحمي «المسار» الذي تراهن عليه منذ سنوات من دون أن تدفع ثمنا مباشرا للمواجهة مع حزب الله.

فأي سقوط لحكومة ميقاتي في هذه المرحلة كان من شأنه في أفضل الظروف أن يجر قوى 14 آذار إلى تسوية جديدة مع حزب الله تنال من مكاسبها الشعبية من دون أن تعوض خسارتها بمكاسب سياسية على مستوى السلطة. فالرئيس سعد الحريري في الحكم خلال المرحلة الحالية سيكون بمنزلة «رهينة سياسية» لدى حزب الله، في حين أن وجوده مع حلفائه في «المعارضة» يجعله أكثر قدرة على المناورة والتأثير في الشارع اللبناني، بما يجعله أكثر فاعلية في التأثير الضاغط على دمشق وحزب الله وحلفائهما اللبنانيين.
::نوفل ضو::
"الجريدة" الكويتية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر