الراصد القديم

2011/12/16

المغرب في سبيله نحو الثورة


بقلم: فؤاد وجاني



شعب مغربي يصرخ مطالبا بالإصلاح وملك أصم لا يريد السماع، تكاد تلخص الجملة الآنفة ما يحدث بالمغرب. التغييرات الدستورية والانتخابات البرلمانية كانتا مسرحيتين للضحك على أذقان شعبٍ قد سئم تمثيل المخزن البائس ويطمح الآن إلى تغيير جذري ويروم إصلاحا حقيقيا على الساحة السياسية المغربية.

المسرحية هذه المرة لم تكن دستورا جديدا قاطعه الشعب بل انتخابات صورية أسفرت (أو أصفرت كلا المعنيين ينطبقان على حالة الصفر السياسية التي رجع إليها المغاربة) عن حزب صُنع بأكبر مؤسسة للإنتاج السياسي بالمغرب: وزارة الداخلية.

انتخابات يقال -والداخلية أعلم- أن نسبة المشاركة فيها كانت 45 بالمائة من الشعب المغربي، وفي تلك الحسبة يدخل من صوتوا أكثر من مرة دون إدلاء ببطاقة، ومن دُفع لهم، ومن استُؤجروا، ومن أُجْبروا من أصحاب البذل الرسمية، وأولئك المستفيدون من الوضع القائم، ولنستثني من تلك الحسبة الرياضية الفاشلة ثلث المغاربة، أولئك المقيمين بالخارج الذين لم يروا صندوق انتخاب. لو أعدنا الحسبة لأتت نسبة المشاركة أهزل مما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية.

وإذا ألقينا نظرة على الحزب الفائز ولو فضولا، فإن من نشأ في أحياء مدينة الرباط يعرف جيدا ظروف نشأة حركة التوحيد والإصلاح، والتي كانت تسمى سابقا الإصلاح والتجديد قبل اندماجها مع ما يسمى برابطة المستقبل الإسلامي. لقد أنشئت الحركة بفضلٍ من الداخلية المغربية لاستقطاب الشباب الطامح للإصلاح آنذاك ولإضعاف التيارات الإسلامية الأخرى المناهضة لنظام الحكم الوراثي العض جملة وتفصيلا كالعدل والإحسان والجماعات السلفية، والتي كان لها نشاط حي داخل المساجد والجامعات والأحياء الشعبية، ثم تحولت الجماعة المذكورة إلى حزب سياسي تحت مسمى العدالة والتنمية.

وتحاول جماعة "الداخلية" هذه أن تجد لنفسها جذرا تأريخيا متينا لتبني عليه مشروعيتها الكاذبة لذلك تراها تربط نفسها دائما بالدكتور الخطيب الذي لم يحتضنها إلا في عام 1996 حين فتح لها أبواب حزبه الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، والتي تحولت عام 1999 إلى حزب العدالة والتنمية.

كذبُ جماعة الداخلية "التوحيد والإصلاح " أو حزب الداخلية "العدالة والتنمية" يبدأ من تأريخها المزور، فتراها في تعريف "الحزب" تربط نفسها بالنضال والمقاومة وهي الرضيع الذي ولد بالأمس في أحياء الرباط على مسافة قصيرة من وزارة الداخلية والقصر الملكي.

وليس الكذب بأمرغريب عن بنكيران، ذلك الشخص الذي بدأ حياته السياسية ماركسيا في المدرسة المحمدية للمهندسين حيث كان ينقل أخبار وأسرار الرفاق إلى الداخلية فطردوه حين كشفوا أمره، ليغير قميصه الأحمر بين ليلة وضحاها إلى إسلامي انتقاما من الماركسيين فرِحاً لمقتل الشهيد عمر بنجلون على يد جناة أنكروا ضلوع جماعة الشبيبة الإسلامية في ملف مايزال مفتوحا، والمخزن فيه أول المتورطين.

حقا إنه "رجل المرحلة" كما يصفه عملاء النظام وجلادوه، ذاك الذي ركب على أَظْهُر حزب الدكتور الخطيب وتأريخ النضال ورفات عمر بنجلون ووشى بالماركسيين والإسلاميين على حد السواء زاجا بهم في سجون الاستبداد إرضاء للعتبات "الملكية الشريفة المقدسة"، مقارنا محمد السادس بعمر بن الخطاب، موصيا أتباعه بالملكية وإمارة المؤمنيين بعد الله. حقا إنه "رجل المرحلة"، مرحلة يعتبرها المخزن حرجة ولا بد فيها من النفاق السياسي تثبيتا للملكية بالمغرب وحماية للطبقة الأوليغارشية المستظلة بظلها، ومن أصلحُ لتلك المهمة من بنكيران ريثما يتسنى للمخزن إيجاد صيغة دائمة للملكية تكرس حكم الأوليغارشية تحت صورة ديموقراطية مزيفة.

إن المشاكل الحقيقية التي يعاني منها النظام المغربي ليست الفساد واحتكار الملك وعائلته وحاشيته المؤلفة من الماجيدي والهمة وآل الفاسي وأزولاي وهلم جرا لثروات البلاد والظلم والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري للمعارضين فقط، بل الغباء السياسي الذي شل عقله فلم يصبح قادرا على تسيير بلاد شعبُها من أنجب الشعوب على البسيطة.

لم يعد هناك فارق الثروات فقط بين الطبقة الحاكمة والشعب الذي يتفاقم مع مرور كل ثانية بل فارق في الذكاء بينهما أيضا. فلا يعقل أن يحكم الجاهل عالما ولا الغبي ذكيا. وإن سر نجاح الحسن الثاني في الاحتفاظ بحكمه وتسليم مقاليد الدولة العلوية لابنه لم يكن العنف رغم محاولات الانقلاب العديدة والانتفاضات الشعبية التي كانت تزلزل أركان القصر في مناسبات ومناطق مختلفة، بل الحكمة والدهاء السياسيين. وتلكم صفات لا يتحلى بها الملك محمد السادس الذي قلما حضر مجْمعا عربيا أو مؤتمرا دوليا أو ناظر صحافيا مناظرة مباشرة أمام الملأ، باستثناء تلك الخطابات المكتوبة بأيدي مستشاريه والمنقحة بأقلام لغوِيِّي ديوانه، وحتى تلك الخطابات لا تخلو من استغلال للدين استغلالا جريئا وقحا أحيانا كما حدث خلال خطاب 17 يونيو 2011 حين دعى إلى التصويت بنعم على مشروع الدستور الجديد حيث وضع نفسه في مقام النبي محمد مقارنا الإصلاح السياسي بسبيل الله، فدعم طرحه بسورة من القرآن قد نزلت على الرسول لدعوة الناس إلى الحق ولم تنزل على محمد السادس: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين".

ثم إن الثورة السياسية تغيير جوهري في هياكل السلطة التنظيمية وتقوم في عرف العارفين على أساسين: التغيير الشامل من دستور إلى آخر أو تعديل دستور قائم. وما حدث في المغرب لم يك هذا ولا ذاك إنما احتيال على الديموقراطية، القداسة غُيّرت بكلمة التوقير، واسم الوزير الأول أصبح رئيسَ وزراء مكبلا من رأسه إلى أخمص قدميه بتعليمات القصر، والملك يعين ويقيل مَن شاء مِن المستشارين والوزراء والسفراء والولاة، ولا حسبان لإرادة شعب يجاوز الثلاثين مليونا أمام شخص واحد اسمه: محمد السادس. إنها الملكية المطلقة قد عادت بزي آخر والجوهر نفسه، والدليل أنها مافتئت مرتبطة بالإرادة الإلهية والتفويض السماوي وأما ما يخص الدنيا فهي بفضل كرسي العرش تستحوذ على جل ثروات البلاد وعقاره.

إن الثورة السياسية التي كان من الممكن أن يقود بها محمد السادس المغرب قيادة جدية نحو دولة المؤسسات الدستورية قد فشلت لأنها زائفة ، غيرت المصطلحات والمظهر وأبقت المعاني والجوهر.

صورة المستقبل القريب في المغرب قاتمة، فالملك متشبث بملكيته المطلقة، والشعب ساع نحو التحرر، ولا بد من التصادم بين الطرفين، ولا أستبعد اعتصام الشعب وحركة عشرين فبراير طيلة أيام الأسبوع في مناطق متعددة من المغرب بدل احتجاجات نهاية الأسبوع التي بحت لها الحناجر ولم تؤت أُكلا، ولا أستبعد قمع الشرطة بل وتدخل الجيش وفرض حظر التجول في مناطق الشمال والشرق والوسط والغرب والجنوب لتلك الاعتصامات القادمة. لكن الجيش نفسه غير راض عن تفريط الملك في صورة الصحراء ووحدة المغرب الترابية التي أهانتها قطر خلال الألعاب العربية على الرغم من المنحة الباهظة التي سُلمت لأميرها -45 ألف هكتار- ثمنا لصمت الجزيرة عن الحراك الشعبي بالمغرب، أضف إلى ذلك أوضاعُه المادية المزرية وتقاعد محاربيه الهزيل، وعوامل أخرى قد لا تدفع الجيش إلى حماية قائده الأعلى إذا وقع التصادم بين الملكية والشعب.

لقد فات الأوان في المغرب، واتضحت الصورة جلية للمغاربة، فالسماعة الملكية هي التي كانت ومازالت تحكم البلاد، ولم يعد هنالك أمل في إبداء حسن النية وتحويل السلطة المطلقة إلى الشعب مع احتفاظ الملك ببعض الصلاحيات المنطقية. لقد كان عبد الكريم الخطابي رحمه الله على حق حين قال: ليس في قضية الحرية حل وسط.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر