الراصد القديم

2011/12/07

العلامة الأمين عن عاشوراء: هناك من يستغل الذكرى لصالح طموحاته السلطوية


أكد العلاّمة المجتهد السيد علي الأمين أن بعض الناس حاولوا في حقب مظلمة من التّاريخ استغلال مقتل الإمام الحسين في مشاريعهم السياسيّة وطموحاتهم السّلطويّة.

وقال إن هؤلاء الناس كانوا يجمعون النّاس تحت شعار (يا لثارات الحسين) كون قضيّة الإمام الحسين يتعاطف معها النّاس لمظلوميّته وموقعه الدّينيّ عند المسلمين.

وأضاف أننا عندما لا نسيئ إلى الآخرين في عاداتنا وتقاليدنا، نكون بذلك كلّه من العاملين بالمبادئ الإصلاحية التي انطلق من أجلها الإمام الحسين.

ودعا الأمين إلى ضرورة إعادة النّظر في تنظيم المجالس الحسينية وتقديم قراءتها بالوسائل التي تنسجم مع أهداف هذه الذّكرى وغاياتها لتصبح مدرسة حقيقيّة نتعلّم منها مواجهة الظّلم والفساد بأدوات العصر وجعل الإصلاح الدّاخلي بكلمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، مشيراً إلى أن ذلك هو “الهدف الّذي تريده الشّريعة في المجتمع وهو الذي يقوم على التّعاون والتآزر بين أبنائه”.

سفك دماء رموز الدين

^ كيف تنظرون إلى ما جرى في موقعة كربلاء من سفك للدماء المحرمة؟

- عاشوراء في تاريخنا الإسلامي محطّة أليمة فاقت في فصولها المأساوية ومضمونها الإجرامي التوقّعات كلّها إذ ظهرت فيها الجرأة البالغة على سفك الدماء التي حرّم الله سفكها بنصّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة وهما مصدرا العقيدة والشريعة للرّسالة الّتي آمن بها المسلمون، ووصلت تلك الجرأة على المحارم إلى رموز دينيّة كبرى لها مكانتها وقدسيّتها في نفوس المؤمنين جميعاً الذين آمنوا بالله ورسوله فأصابت الإمام الحسين ابن بنت رسول الله وأهل بيته وأصحابه والمسلمين، يومئذٍ، وصلهم سماعاً وروايةً قول رسول الله عليه الصلاة والسلام (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

^ لماذا تقام مجالس العزاء في هذه الفترة من السنة؟

- لما كانت واقعة كربلاء فجيعة عظمى على جميع المسلمين وأصابتهم في الصّميم فإنهم يستذكرون ذكرى هذه الواقعة كل عام ليستلهموا منها الدروس والعبر، وكان من أسباب إقامة هذه الذكرى سنوياً إظهار مدى فظاعة هذه الجريمة واستنكارها والتّنديد بها حتّى لا تتكرّر المأساة في حياة المسلمين وحقناً لدمائهم، لأن دماء الإمام الحسين إذا ذهبت من دون تنديد واستنكار متواصلين فلا تبقى من قيمة لحرمة سفك الدّماء بين المسلمين وسيسود انتهاك سائر الحرمات والمحرّمات الأخرى.

استغلال المناسبة سياسياً

^ ولكن هناك من استغل مقتل الإمام الحسين في مشاريعه السياسيّة وطموحاته السّلطويّة؟

- نعم، كما ذكرت، أن بعض الناس حاولوا في تلك الحقبة المظلمة من التّاريخ أن يستغلّوا مقتل الإمام الحسين في مشاريعهم السياسيّة وطموحاتهم السلطويّة وكانوا يجمعون النّاس تحت شعار (يا لثارات الحسين) لأنّ قضيّة الإمام الحسين يتعاطف معها النّاس لمظلوميّته وموقعه الدّينيّ عند المسلمين.

معنى «ثأر الله»

^ ولكن، أيضاً هؤلاء يستشهدون بقول الإمام الحسين أن للشهيد ثأراً عند الله تعالى؟

- انظر أخي، لقد أدرك الإمام الصّادق مخاطر هذا الشّعار على إشعال نار الفتن والحروب في المجتمع الإسلامي فواجه هذه الحالة التي كانت تخفي وراءها الكثير من حبّ السلطة والنّفوذ، وقال لهم إن الإمام الحسين ليس ثأراً لأشخاص ولا لقبيلة ولا لعشيرة إنّه ثأر الله، فالشهيد عندما يقتل في سبيل الله فإن الله تعالى هو الّذي يتولى أخذ ثأره من الظالمين من خلال أحكامه وقوانينه التي يُسقط بها عروش الطّغاة والجبابرة.

^ إذن ما معنى أخذ ثأر الإمام الحسين في هذا الزمن؟

- الإمام الحسين ليس ثأراً لبني هاشم وليس ثأراً لطائفة ولا لمذهب! والذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء أصبحوا في محكمة الله، فالإمام الحسين مضى شهيداً والشهيد ثأر الله والله خير الحاكمين. ولذلك كان الإمام الصادق يخاطب الإمام الحسين عليه السلام عند زيارة ضريحه بقوله له: (السّلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره).

أحداث كربلاء لم تتكرر!

^ ما الدروس المستنبطة من عاشوراء والتي تستفيد المجتمعات المسلمة الآن؟

- عاشوراء مدرسة نتعلم منها الدروس في الصبر والتضحية والفداء، ورفض القهر والظّلم، وهي مثالٌ لكلمة الحقّ في وجه الفساد في البلاد والاضطهاد للعباد وشاهد صارخ على تعسّف الحكّام الطّغاة الّذين يواجهون كلمة الإصلاح بالسّيوف وقطع الرّؤوس، وتبقى الأسباب والظّروف الّتي أحاطت بالإمام الحسين ودفعته إلى الخروج مع الاطّلاع على النّتائج خاصّة بالإمام الحسين فقط، فهي، كما يقال في علم الفقه، “قضيّة في واقعة” وتكليف خاصٌّ بالإمام الحسين.

^ يعني هذا أن أحداث كربلاء لم تتكرر بعد ذلك في أي زمن بعده!

- نعم، هذا ما فهمه أئمة أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين، فلم تؤسس حركته عندهم لقاعدة عامّة في الخروج على الحاكم، ولذلك لم تتكرّر أحداث كربلاء في حياة الأئمة مع أنّ أسباب الظلم والقهر لم تتغيّر في كثير من مراحل حياتهم إن لم تكن أشدّ ظلماً وفساداً.

تحقيق الإصلاح

^ لماذا لا نبرر قيام الشعوب المضطهدة تطبيقاً لأحداث كربلاء؟

أقول: لم تكن كربلاء بفجائعها فعلاً من أفعال الإمام الحسين ولا صنيعة من صنائعه لنقتدي به في صنعها بأنفسنا ومجتمعاتنا وإنّما كانت صنيعة سوء من الحاكم الجائر.

^ إذن أنتم تدعون لتغيير واقع الظلم والاضطهاد بالحُسنى؟

- علينا نحن أن ننظر إلى أهداف الإمام الحسين ونضعها نصب أعيننا، فنسعى لتحقيق الإصلاح في أمّتنا ومجتمعنا كما سعى الإمام الحسين لتحقيق الإصلاح في أمّة جدّه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وبذلك نقتدي بما روي عن الإمام علي (ع): (انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتّبعوا أثرهم فإنّهم لم يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى. فإن نهضوا فانهضوا وإن لبدوا فالبدوا ولا تتقدّموهم فتضلّوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا). ممارسات لا أصل لها!

^ هل لبعض الطقوس في موسم عاشوراء أصل في الشرع؟

ـ كلا! فالكثير من الممارسات التي تجري في مناسبة عاشوراء أصبحت على مرور الزّمن من العادات والتّقاليد التي لا دليل عليها في أصل الشّرع، ولم يقم بممارستها أئمة أهل البيت في حياتهم، ويروي أصحاب السيرة الحسينية في مجالسهم وصيّة الإمام الحسين لأخته السيدة زينب وفيها النّهي عن خدش الوجه وشقّ الجيب وغير ذلك من مظاهر الجزع عند المصاب الّتي ورد النّهي عنها في الشريعة.

^ فما السبب إذن في تكرارها في أماكن العزاء؟

لقد ترسّخت هذه العادات عبر قرون عديدة من منطلقات عاطفيّة! والعلماء بصفة عامة لم يتصدّوا إلى تهذيبها وتعليم النّاس ما ينبغي أن يقوموا به في مثل هذه المناسبات ممّا أوحى إليهم أنها من الأمور المستحسنة شرعاً، بل يظنّ بعضهم أنّها وصلت إلى درجة الواجبات الشّرعيّة!!

^ هل هناك من المراجِع من أنكر تلك الأعمال غير المشروعة؟

- الكثير من العلماء ومراجع الدّين لا يمارسون تلك الأعمال ولا يحبّذونها، بل يذهب بعضهم إلى تحريم بعضها كإدماء الرّؤوس والأجساد. وذكر العلامة المجتهد الشيخ محمد جواد مغنيّة: (إنّ العادات والتقاليد المتبعة عند العوام لا يصحّ أن تكون مصدراً للعقيدة لأن الكثير منها لا يقرّه الدّين الذي ينتمون إليه حتى ولو أيّدها وساندها شيوخ يتسمون بسمة الدّين. ومنها ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران من لبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في اليوم العاشر من محرم. فإن هذه العادة المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة من دون أن يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كلّ دين ومذهب، إذ توجد به عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الإهانة والضرر ولم يجرؤ على مجابهتها ومحاربتها أحد في أيامنا إلا قليل من العلماء وفي طليعتهم المرحوم السيد محسن الأمين الذي ألف رسالة خاصّة في تحريم هذه العادة وبدعتها وأسمى الرسالة “التنزيه لأعمال الشبيه”). انتهى كلام الشيخ مغنية رحمه الله.

إعادة تنظيم مجالس العزاء

^ إذن هناك حاجة ملحة اليوم لإعادة تنظيم هذه المجالس؟

- نحن ندعو إلى ضرورة إعادة النّظر في تنظيم هذه المجالس وتقديم قراءتها بالوسائل التي تنسجم مع أهداف هذه الذّكرى وغاياتها لتصبح مدرسة حقيقيّة نتعلّم منها مواجهة الظّلم والفساد بأدوات العصر وجعل الإصلاح الدّاخلي بكلمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو الهدف الّذي تريده الشّريعة في المجتمع وهو يقوم على التّعاون والتآزر بين أبنائه.

^ كيف تكون هذه المجالس منارة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟

- نحن عندما نتنافس على مصلحة الشعب والوطن ونسعى لترسيخ الأخوّة بين المواطنين نكون بذلك من الآمرين بالمعروف والنّاهين عن المنكر.

السبيل إلى نهج الحسين

^ ما القيم التي يجب أن تدعو إليها هذه المجالس لتكون “حسينية” المنهج؟

ـ عندما لا نسيئ إلى الآخرين في عاداتنا وتقاليدنا، نكون من العاملين بالمبادئ التي انطلق من أجلها الإمام الحسين وبذلك نكون من العاملين بما قاله الإمام محمد الباقر عن شيعته: (شيعتنا سِلْمٌ لمن خالطوا وبركةٌ على من جاوروا وإذا رضوا لم يسرفوا وإذا غضبوا لم يَظلِموا).

^ كيف ينتفع المسلمون بذكرى استشهاد الحسين؟

- عندما نحافظ على انتظام الأمور ونحتكم إلى المؤسسات النّاظمة للأمر نكون بذلك من السّائرين على خطى الإمام الحسين والمنتفعين بذكراه. وعندما نطالب بتحسين أجور العاملين وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والمساواة بين الحاكم والمحكوم في الضمان الصحّي والتعليم نكون من المقتدين بنهج الإمام الحسين. جعلنا الله وإياكم من الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه والسلام على الإمام الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر