الراصد القديم

2011/12/18

الإتحاد الأوروبى نموذج فاشل للوحدة

د. ياسر صابر

شهدت الأسابيع القليلة الماضية لقاءات مكثفة بين قادة الإتحاد الأوروبى فى محاولة منهم لإيجاد حلول لأزماتهم التى تعدت حدود الأزمة الإقتصادية وتعدتها إلى أزمة سياسية تهدد الإتحاد الأوروبى بالبقاء ، وهذا أدى إلى تلاسن شديد بين كاميرون وساركوزى وقبله بين رئيس الوزراء الإيطالى والمستشارة الألمانية ميركل. وبالرغم من إتساع هذا الإتحاد ليشمل 27 دولة منها سبعة عشر دولة ذات عملة موحدة وبلوغ تعداد سكانه 500 مليون نسمة إلا أن ساسته يرون أن بقاءه فى خطر وكان أبلغ هذه التصريحات هو تصريح وزير الخارجية البريطانى وليم هيغ بأن " اليورو سيصبح لحظة تاريخية للحماقة الجماعية " وشبه منطقة اليورو " بمبنى يحترق من دون أبواب للخروج".

إن العقبات التى تقف فى وجه هذا الإتحاد كثيرة أولها مبدئى والذى يتمثل بالعقيدة الرأسمالية التى تجعل مقياس الأعمال هو المنفعة ولأن هذه النظرة هى التى تسيطر على شعوب الإتحاد حكاماً ومحكومين ، أصبحت كل دولة تنظر إلى هذا الإتحاد من خلال هذه النظرة الضيقة وأصبحت لاترى فائدة من هذا الإتحاد إلا بقدر مايعود عليها من منافع وبذلك قد تغلبت مصالح الدول منفردة على مصلحة الجماعة ، وهذا هو السم الذى يحمله المبدأ الرأسمالى فى أحشائه لأتباعه وليس أدل على ذلك من أن دولة كبريطانيا تضع قدماً داخل هذا الإتحاد وأخرى خارجه.

ثاني هذه الأسباب يتمثل فى العصبية القومية التى يصعب على أوروبا التخلص منها ، فالعداء والحروب الطاحنة بين الشعوب الأوروبية خلقت حاجزاً كبيراً بين شعوب الإتحاد فمازال الفرنسى ينظر للألمانى على أنه نازى والهولندى ينظر لجاره الشرقى نظرة إزدراء ، بل حتى الألمانى الغربى أصبح ينظر لأخيه الشرقى على أنه أجنبى يزاحمه فى رزقه ويسلب منه رفاهيته ، وهذا مما جعل شعوب الإتحاد غير قابلة للإنصهار فيه ، بل بقيت هذه الحواجز موجودة إلى يومنا هذا بل إزدادت تعقيداً بعد تفاقم الأزمات الإقتصادية ، لأن الشعوب المنتجة كألمانيا أصبحت ترى نفسها كالبقرة التى تدر لبناً ليشربه الإيطالى الذى لايعمل ، وقِس على ذلك نظرة الفرنسى لليونانى أو البرتغالى .

ونمو هذه المشاعر بين شعوب الإتحاد قد فتح الباب أمام اليمين المتطرف ليعتلى سدة الحكم الأن فى بعض الدول الأوروبية ومعروف عن هذه الأحزاب دعوتها للعودة للدولة القطرية ومحاربتهم لفكرة الإتحاد. أما العقبة الأخرى والتى تعتبر عامة وأصابت المبدأ الرأسمالى حيث وصل نظامهم الإقتصادى إلى مرحلة اللاعودة وأصبح ترميم جدرانه يتم بهدم الجدران المجاورة وهذه هى محاولاتهم الفاشلة فى حل مشكلة ديونهم السيادية.

ومع شيخوخة المجتمعات الغربية أصبح الإستهلاك يفوق الإنتاج بمراحل كبيرة ناهيك عن زيادة الفئة العمرية التى بحاجة إلى تكاليف صحية باهظة أى إرهاق لميزانيات الدول. كل هذه الأسباب تؤكد أن الأساس الذى قام عليه الإتحاد الأوروبى لن يضمن بقاءه بأى حال من الأحوال وهذا ماصرح به كثير من الساسة الغربيين . وبالرغم من أن هذا هو واقع الوحدة الأوروبية إلا أننا نرى من أبناء الأمة الإسلامية من يعتبر هذا النموذج الأوروبى جديراً بأن يتبناه المسلمون معللاً ذلك بأن كل محاولات الوحدة العربية فى القرن العشرين قد فشلت ، مع أنه لو نظر بعين الراعى لمصالح الأمة لعرف أن هذه الأنظمة التى أوجدها الغرب فى العالم الإسلامى بعد هدم الخلافة أُوكِلت لها مهمة الحفاظ على حدود سايكس بيكو وتكريس الفرقة السياسية بين أبناء الأمة الواحدة . ولو نظر نظرة الباحث عن الحقيقة لعرف أن النموذج الصحيح الوحيد الذى عرفته البشرية قد أتى به الإسلام ، حيث إستطاع الإسلام أن يجعل من سلمان الفارسى وعمر القرشى وبلال الحبشى أخوة برغم إختلاف أعراقهم وألوانهم ، وصهر قوميات مختلفة كالترك والفرس والعرب فى دولة واحدة. إن الأساس الصحيح الذى تقوم عليه وحدة بين الشعوب هو أساس العقيدة ، فالعقيدة الإسلامية إستطاعت أن توحد شعوباً مختلفة الأعراق واللغات وصهرتهم بأفكارها فى دولة الخلافة التى إحتضنت شعوباً من أندونيسيا إلى أسبانيا وبلغت مساحتها الجغرافية مايفوق مساحة الإتحاد الأوروبى بأضعاف مضاعفة .

وكانت الخلافة هى الحصن الحصين الذى منح الأمة عزتها وحافظ على تماسكها وماظُلم فيها أحد فكانت تحكم بالعدل ولم تفرق بين رعاياها . ولم تعانى هذه الدولة من أزمات إقتصادية ولاأزمات حكم كتلك التى تعانى منها أوروبا الأن ، وفى عام الرمادة حين أرسل الخليفة عمر لوالي مصر عمرو بن العاص طالباً الغوث قال عمرو بن العاص " والله لأرسلن له قافلة أولها فى المدينة وأخرها عندى فى مصر".

وفى ظل الخلافة لم تغتصب بلاد المسلمين كما ضاعت فلسطين وكانت دولة ترفع الظلم عن المظلومين مما جعل دولة مثل فرنسا تستغيث بخليفة المسلمين ليساعدهم فى الإفراج عن ملكهم الذى وقع فى الأسر ، كما كانت دولة قوية متحكمة فى السياسة الدولية وهذا ماجعل أمريكا تدفع ضريبة سنوية لدولة الخلافة مقدارها 642 ألف دولار وأخرى مقدارها 12 ألف ليرة عثمانية ذهبية وقد وقَعَ جورج واشنطن على هذه الإتفاقية التى بموجبها تم إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين الموجودين فى الجزائر والسماح للسفن الأمريكية أن تبحر بأمان فى الأطلسى والبحر المتوسط وكانت هى المرة الأولى التى تُجبَر فيها أمريكا على توقيع معاهدة بغير لغتها عام 1795 . لقد أدرك الغرب قوة المسلمين بالخلافة فعمل على هدمها ولم يكتفى بذلك بل حاربها حرباً شديدة حيث قام بتشويهها وغرس فى نفوس أبناء الأمة صورة مشوهة عنها ليس هذا فحسب بل حاول أن يجعل حدود سايكس بيكو مقدسة عند أبناء الأمة .

إن الوحدة بين الأمة حقيقة موجودة والملايين التى خرجت فى جاكارتا والرباط والقاهرة والخرطوم وإسلام أباد وإسطنبول عند العدوان على إخوتهم فى فلسطين أو العراق أو أفغانستان لهو خير شاهد على ذلك ، والأن بعد هذه الثورات المباركة التى تعمل على إسقاط أنظمة سايكس بيكو من الطبيعى أن تذهب هذه الحدود معهم لتعود وحدة الأمة السياسية من جديد ، وبالتالى نقدم للبشرية النموذج الوحيد الصحيح للوحدة الحقيقية .

إن من يطالب الأمة اليوم بأخذ النموذج الأوروبى فى الوحدة ويبعدها عن الوحدة الحقيقية التى تقوم على أساس العقيدة والتى أثبتت صحتها وقوتها ومازالت تربط أبناء الأمة حتى يومنا هذا بالرغم من ذهاب الوحدة السياسية بينهم ، من يطالب بهذا فإنما يستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير ، يستبدل حكم البشر بحكم رب البشر، فكيف يدعو مسلم لهذا وهو يقرأ حديث رسول الله الذى رواه مسلم " من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " ، ويقرأ قوله تعالى " أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " المائدة 50 .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر