الراصد القديم

2011/12/01

سكان سرت: استمرار الولاء للقذافي والخوف من الثوار


أصبحت مدينة سرت التي كانت ساحة المعركة النهائية بين الثوار والمقاتلين المواليين للزعيم الليبي السابق معمر القذافي مدينة محطمة.

فبعد مرور أكثر من شهر على انتهاء القتال في هذه البلدة الساحلية، وهي مسقط رأس القذافي وآخر مدينة تحررت من حكمه أو انهزمت كما يعتقد الناس هنا، أصبحت شوارعها مجرد أكوام من الأنقاض ومباني محروقة تنتشر فيها ثقوب أحدثتها طلقات نارية وفجوات يصل قطرها إلى متر كامل أحدثتها الصواريخ. وتطل أعمدة الإنارة المكسورة والمتداعية على الطرقات. "حتى الأشجار أصيبت بجراح" حسبما أشار أحد عمال الإغاثة.

المدارس مغلقة ولا توجد شبكة للهاتف المحمول، ولا يوجد سوى عدد قليل جداً من المحلات التجارية التي تفتح أبوابها. كما نزح معظم سكان المدينة البالغ عددهم 65,000 نسمة.

ومع عودة المياه والكهرباء إلى أجزاء كثيرة من المدينة في الأيام الأخيرة، بدأ السكان في العودة ببطء، ولكن على نحو متزايد.

وقد اعترف عمال الإغاثة بعدم الفهم الجيد لديناميكية الحياة هنا، وبأن عودة السكان قد تتسبب في زعزعة الاستقرار إذا لم يتم التعامل معها بحذر.

ففي مدينة دمرتها الصواريخ بنفس القدر الذي دمرتها الانقسامات السياسية بين الكثير من سكانها وسكان باقي البلاد، أثارت عودتهم الكثير من التساؤلات حول مقدرة واستعداد ليبيا الجديدة على إعادة دمج السكان المستمرين في دعم زعيمهم البائد.

العائدون


وتتباين تقديرات أعداد العائدين إلى سرت بدرجة كبيرة جداً. فقد ذكر عبدالجليل عبدالسلام الشاوف نائب رئيس المجلس العسكري في سرت مؤخراً أن نحو ثلاثة أرباع السكان عادوا إلى المدينة، لكن وكالات الإغاثة تشكك في هذا الادعاء، قائلة أن نسبة العائدين تقترب من 25 بالمائة من إجمالي سكان المدينة.

ويبدو أن النوافذ وواجهات المحلات المغلقة والأحياء الخاوية توحي أيضاً بانخفاض معدلات العودة.

وتوقع خالد بن علي رئيس وكالة الإغاثة الإنسانية الليبية أن عودة السكان إلى سرت ستستغرق شهوراً طويلة.

ومع ذلك، تشهد وكالات الإغاثة تناقصاً في أعداد النازحين.

وقال الشاوف أن "الوضع الأمني يتحسن كل يوم"، مضيفاً أن المياه والكهرباء عادت إلى 90 بالمائة من أحياء المدينة، على الرغم من عدم وضوح ما إذا كانت المياه صالحة للشرب بعد.

وأثار هذا أيضاً اعتراض وكالات الإغاثة خاصة في المناطق الأكثر تضرراً من القتال، بما في ذلك المنطقة 2 والمنطقة 700؛ حيث أن خمسة بالمائة فقط من المنازل يوجد بها مياه أو كهرباء، طبقاً لما ذكرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأفاد فيصل محمد جلوال رئيس إدارة التخطيط بشركة كهرباء ليبيا أن عودة الكهرباء إلى المنطقة 2 "ستستغرق وقتاً طويلاً" نظراً للأضرار الجسيمة التي لحقت بها.

ويحذر عمال الإغاثة من أن التأخير في عودة الخدمات الأساسية، وكذلك أي صورة من صور التمييز في المعاملة، يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوتر.

عملية التنظيف الكبرى

وتفتح مروة باب منزلها في المنطقة 2 وهي ترتدي قناعاً للوجه حول رقبتها. لقد عادت منذ شهر ولا تزال تحاول تنظيفه منذ ذلك الحين.

وشهد هذا الحي الموالي للقذافي بعض أشرس حالات المقاومة في البلاد، ومروة عادت لتجد منزلها قلب رأساً على عقب.

وألقت مروة اللوم على الثوار بسبب هذه الفوضى، وقالت أنهم اقتحموا جميع المنازل بحثاً عن الأسلحة أو المقاتلين الموالين للقذافي.

ووجدت ثقوباً ناجمة عن إطلاق الرصاص في أغرب الأماكن في المنزل وأنقاضاً تنتشر على جميع أجزاء الفراش والكتب ملقاة على الأرض. وكانت هناك مرتبة سرير مزقتها على ما يبدو طلقات النيران، بالإضافة إلى فجوة في سقف المنزل. وقد قامت بجمع فوارغ الصواريخ وقذائف الهاون في كومة.

وعلى مقربة من منزلها توجد شاحنة جارها التي تناثر زجاجها الأمامي، في حين تتناثر الثقوب على باب الجراج بفعل طلقات الرصاص.

وقالت مروة "إنهم يقولون إن الأمور أفضل الآن، ولكنها ليست كذلك".

وأضافت "لقد تعرضت البنوك للتدمير ولا توجد أموال لإعادة البناء".

وقال كريم خليل المدير القُطري لوكالة التعاون التقني والإنمائي إنه "مما لاشك فيه أن آليات مواجهة الصعاب قد ضعفت بعد أن تعرضت ممتلكات العائلات للتدمير من جراء القتال".

ولكن وكالات الإغاثة تركز أكثر على القضايا الإنسانية البحتة مثل توفير الغذاء والرعاية الصحية للنازحين وعودة العائلات، وتقول أن إعادة بناء المنازل ينبغي أن تكون مسؤولية الحكومة. وتضيف وكالات الإغاثة أن بعض السكان طالبوا في شكواهم بأن يقوم من دمروا منازلهم بإصلاحها. ولم تتقدم المجالس العسكرية والمحلية التي يقودها الثوار بأي خطط لإعادة البناء حتى الآن.

وقال يحي عليبي رئيس مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المنطقة أن المجلس الوطني الانتقالي ليس له وجود هنا، وهو شيء من شأنه "أن يكون وسيلة جيدة للتعافي وبناء الثقة".

هل الإغاثة مسيسة؟

ولا يزال التأييد للقذافي مستمر وثابت هنا في المنطقة 2. ففي تلك الشوارع الترابية، اعتاد ابنه الخامس المعتصم أن يلعب مع أطفال السكان المحليين، وكانت الأعلام الخضراء ترفرف على كل منزل، بينما لا تُرى أعلام الثورة الجديدة في أي مكان.

وطبقاً لما ذكره الشاوف نائب رئيس المجلس العسكري في سرت، فقد تم إنشاء لجنة إغاثة محلية في كل منطقة في سرت لمساعدة المحتاجين، ولكن رؤساء اللجان يتم تعينهم من قبل المجلس العسكري المناهض للقذافي.

وقال أحد عمال الإغاثة إن "مدى استمرارهم في تقديم المساعدات يخضع للحساسية السياسية ويخضع أيضاً لقدراتهم".

وأشارت مروة إلى أنها تلقت مؤخراً بعض المواد الغذائية وأدوات النظافة من الهلال الأحمر الليبي، ولكنها تعتقد أن الأولوية في تلقي المساعدات تعطى للسكان المعروف عنهم تأييدهم للثوار أثناء الحرب.

وكانت هناك صعوبة في توصيل المساعدات المقدمة من الوكالات المحلية، نظراً للعلاقة السيئة بين سكان سرت وثوار مصراته - وهي أقرب المدن الكبيرة إلى سرت - الذين قضوا على مقاتلي القذافي في نهاية المطاف.

وقام مكتب الإغاثة الليبية في مصراته بتقديم الغذاء للعائدين في سرت في نهاية شهر أكتوبر، ولكن "بسبب الحساسيات بين سرت ومصراته"، طلبت منظمة الإغاثة الليبية من فرعها في بنغازي أن يتولى مسؤولية تسليم الغذاء إلى تلك المنطقة، كما أفاد أحد المتطوعين.

وقال عليبي إن المتطوعين في الهلال الأحمر الليبي في مصراته - الذين انضم العديد منهم إلى الثوار أو فقدوا أفراد أسرهم على أيدي كتائب القذافي - واجهوا إهانات من أفراد آخرين في مصراته عندما ساعدوا في حمل الجثث في سرت من أجل التحقق من الهوية الصحيحة للموتى.

وأضاف أنه "لم يكن من السهل بالنسبة لهم أن يكونوا محايدين بقدر المستطاع، ولكنهم كانوا كذلك".

الحكام الجدد


ولكن التوتر في سرت يتجاوز مسألة الإغاثة.

وتسيطر فرق عسكرية على المدينة من الخارج - وحدات الثوار الذين يوفرون الآن الأمن في غياب الخدمات الحكومية - وهي قادمة من مدينتي مصراته وبنغازي الثوريتين المجاورتين.

والشاوف، مثل العديد من أعضاء المجلس العسكري، هو في الأصل من سرت ولكنه عاش في مصراتة ويعد عضواً في إحدى فرقها العسكرية.

وقال أحد عمال الإغاثة إن "السكان في جوهر الأمر يعودون إلى ديارهم ليجدوا سلطة لا تمثلهم. وهذا سيقوض جهود العودة".

وقال إيمانويل جيغناك رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا إن "الناس لن تقبل بالضرورة نظام الحكم الجديد بتلك السهولة. فهناك إحساس بالمرارة بين السكان، وهذا سيستمر لبعض الوقت".

وتقوم مروة بخفض صوتها حتى في منزلها عندما تتحدث عن ولائها؛ فهي خائفة من أن تجاهر بمعارضة الحكام الجدد - وهم مجموعة من كتائب الثوار يمكن رؤيتها وهي تتجول في شاحنات مزودة بالمدافع الرشاشة.

وتقول "نحن جميعنا قلقون. لا أدري ما الذي سيحمله الغد. وفي الوقت الحالي، سنقوم فقط بتنظيف حياتنا"..

وأكدت إحدى الجيران أنه لا يوجد سوى تفاعل قليل بين السكان والثوار الذين يديرون المدينة الآن.

وأضافت "في يوم ما سوف نطردهم من هنا لأن هذه المدينة ستظل أرض القذافي في نهاية المطاف".

وقالت مروة إنه على الرغم من قيام الثوار بتطهير المنطقة من معظم الأسلحة، إلا أن بعض السكان لا يزال لديهم بنادق في منازلهم.

وأضافت مروة أن أفراداً من كتائب الثوار لا يزالوا يأتون لأخذ أناس يعتقدون أنهم حاربوا مع القذافي. وأشارت إلى أن عمها - وهو أستاذ جامعي في المملكة المتحدة وكان من مؤيدي القذافي ولكنه لم يكن مقاتلاً - كان من بين الأشخاص الذين اعتقلهم الثوار.

وحذرت منظمة هيومان رايتس ووتش في أكتوبر الماضي من "الإعدام الواضح" الذي تعرض له 53 من مؤيدي القذافي في سرت بعد العثور على جثثهم متحللة في فندق بالمدينة، وكانت أيدي بعضهم مقيدة خلف ظهورهم.

وأقر الشاوف بأن بعض الكتائب التي أتت من مصراته قامت بارتكاب بعض الانتهاكات، ولكنه قال إنهم تلقوا أوامر بمغادرة المدينة بعد أن أصبح لدى سرت هيكلها العسكري والسياسي الخاص بها.

وأضاف أن "كل شخص من سكان المدينة لديه حرية العودة إليها باستثناء هؤلاء الذين كانوا يقودون القتال".

وعندما سُئل عن كيفية التعرف عليهم وعما إذا كان هناك نظام قضائي موجود لمحاكمتهم، أجاب "نحن نعرفهم جيداً".

تحذير

وقالت الأمم المتحدة بعد زيارة مشتركة لعدد من وكالات الإغاثة إلى مدينة سرت والمناطق المجاورة في أكتوبر الماضي إن "هناك خطر كبير من أن يؤدي الإحباط والاستياء بين النازحين لفترات طويلة إلى انعدام الاستقرار".

وقال إيمانويل جيغناك رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في ليبيا إن معاملة الأشخاص الذين أيدوا القذافي ستكون مؤشراً هاماً في الأسابيع والأشهر القادمة، مضيفاً أنه "إذا لم تتمكن السلطات من إعادتهم إلى النسيج الاجتماعي الجديد في ليبيا، فإن الثورة ستكون قد فشلت".(إيرين)

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر