الراصد القديم

2011/12/18

الانسحاب من العراق..تركة ثقيلة وعدوان مبيت؟



بقلم: زياد ابوشاويش


رغم بقاء آلاف الجنود الأمريكيين في العراق بحجة التدريب وحماية السفارة في المنطقة الخضراء وغيرها من المسميات الخادعة إلا أننا يمكن ملاحظة الفارق النوعي بين واقع الحال اليوم مقارنة بعراق 2003 وحتى قبل بضعة أشهر.


التركة الثقيلة للاحتلال الأمريكي في بلد العباسيين وبوابة الوطن العربي الشمالية لا تقتصر على حجم الدمار الهائل الذي ألحقته آلة الحرب الأمريكية المتطورة، أو على مئات آلاف الضحايا الذين سقطوا جراء القصف الهمجي والقتل المتعمد، أو ملايين المشردين في شتى بقاع العالم، بل وكذلك على تمزيق منهجي لوحدة الأرض العراقية وتوريث شعبه الأبي أشد الأمراض فتكاً بجسده ألا وهي الفتنة المذهبية والطائفية التي يتصاعد دخانها من تحت رماد الكذب والتمويه الذي تقوم به جحافل المرتزقة والعملاء ممن مهدوا الطريق للغزو ومنحوه غطاءً عربياً قذراً.


ينسحب الأمريكيون رغم أنوفهم وليس حرصاً على منح العراقيين حريتهم أو نزولاً عند رغبة بعض المفتونين بحجم التأييد الطائفي لهم ولما يمثلون، كما أنهم ينسحبون تحت وطأة المقاومة العراقية الشرسة والشجاعة وليس التزاماً باتفاقية وقعوها مع بعض من جعلتهم الولايات المتحدة أوصياء على البلد وحاكمين بأمر الاحتلال لشعب عربي طالما رفض العمالة وقاوم الغزاة.


الحكمة من قراءة عقابيل هذا الانسحاب أنها تنير لبعض الواهمين أو من تاهت بصائرهم طريقاً جديداً لحرية العراق وكرامته لا يمر بالضرورة ولا بغيرها بعون القتلة والسفاحين الذين يغطون وجوههم بقناع إنساني مزيف ويبحثون عندنا عن مصالحهم فقط، تلك المصالح التي بات يعرفها كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج والمتمثلة في تأمين النفط وتأمين الكيان الصهيوني.


إن الانسحاب الأمريكي جاء في وقت تشهد فيه المنطقة موجة من الحراك الشعبي الحاد والخطير بالاتجاهين، ولهذا يحاول الأمريكيون وبمساعدة حلفائهم المحليين تعويض هزيمتهم في العراق بحرف هذه الإرهاصات باتجاه خلق مناخات وأوضاع تستجلبهم مرة أخرى، ولكن بثمن أقل تحت عنوان حقوق الإنسان وحماية أرواح المدنيين....الخ.


إن اشتداد وتيرة التدخل الخارجي في الأزمة السورية الواقعة على حدود العراق وارتفاع صوت الإعلام الغربي والعربي العميل من أجل تحويل الملف السوري لمجلس الأمن الدولي والإلحاح على إصدار قرار يدين العنف الممارس ضد الشعب السوري بأي ثمن والضغط الذي مورس على جامعة الدول العربية لتطبيق الحصار والمقاطعة الاقتصادية يدل على اتجاه الانسحاب الأمريكي وارتداداته المحلية.


أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول الاستعمارية التي تعيش اليوم أزمة اقتصادية خانقة والمرشحة للتفاقم والانفجار في المدى المنظور لا تستطيع أن تنكر رغبتها الجارفة لحل أزمتها على حساب الدول الأخرى وبرعاية أممية إن استطاعت إلى ذلك سبيلا، وبين تحقيق الطموح الوطني المشروع في الديمقراطية وحرية الاختيار عبر الطرق السلمية والحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الأرض، وبين السعي لتحقيق الهدف عبر اللجوء لهؤلاء القراصنة تقف التجربة العراقية بالمرصاد للجميع، وتدق نواقيس الخطر والإنذار، لأن تركة الانسحاب كما نراها في شمال العراق وجنوبه ووسطه يجب أن تكون دوماً حاضرة في الأذهان. كما أن المصير المجهول لمآلات دول كمصر وتونس واليمن وغيرها تجعل دروس الانسحاب الأمريكي وما يغطيه من جرائم التدخل المموه أو الصريح أوضح من الشمس لمن رغب في الفهم والإدراك.


مفاعيل الانسحاب الأمريكي الذي لا يمكن أن نصفه إلا بالنهاية الايجابية للمعاناة العراقية المباشرة من زاوية الكرامة الوطنية، إلا أنه قد يكون الانسحاب الأسوأ في نتائجه عبر التاريخ.


ولأن مقالنا لا يستهدف البحث في الشأن العراقي ما بعد الانسحاب فسنكتفي هنا بالقول أن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي بشرنا بها المجرم بوش وزبانيته في تحالف المحافظين الجدد بأمريكا وأوروبا وبعض الدول العربية الدولارية، والتي طنطنوا بها لتبرير الغزو وتقسيم العراق وتدميره، هذه الديمقراطية هي الآن وبعد الانسحاب في مهب الريح الطائفية والعنف القادم بسبب التشوه العنيف الذي لحق بالمجتمع العراقي جراء الاحتلال وأساليبه القذرة.


أمريكا تشبه الكيان الصهيوني من حيث النشأة والتطور، ولهذا نجد التشابه الكبير في ردات فعل الطرفين على إصابتهما بالهزيمة أو تعرضهما لأزمة نوعية كما نراه اليوم في كلا الدولتين ولأن السوابق لازالت ماثلة في الأذهان فإن توقع السلوك الأمريكي بعيد الانسحاب يجعلنا نتخذ جانب الحيطة والحذر في الشأن السوري على وجه الخصوص، والعمل على تسريع الحل الداخلي للأزمة بتنازلات متبادلة يرعاها الأصدقاء والحلفاء وتضمن تحييد الرد الأمريكي المتوقع على هزيمته في العراق وانسحابه المخزي بعد تسع سنوات عجاف أنتجت خراباً لا يمكن أن يقارن بكل دعاوى الحرية أو الانتصار للشعوب في مواجهة حكامها مهما كانوا.


الانسحاب الأمريكي ترك ورائه تركة ثقيلة كما أسلفنا من بينها بعض الوافدين معه وتحت حمايته، حبذا لو غادروا العراق هم أيضاً وتركوا الشعب العراقي ليتدبر أمره، أما ومطلبنا عصي على التطبيق في الظروف الراهنة إلا أن رحيلهم سيكون حتمياً وقريباً، وهذه حكمة التاريخ ودرسه الأبرز في هذا الإطار. تحية لشعب العراق ومقاومته الباسلة، والمجد لشهدائه الأبرار.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر