الراصد القديم

2011/12/10

الشاذلي" الذي ظلمه السادات واللامبارك!!.


أحببته في الله لجملة أسباب لعل أهمها أنه قد آمن بقدرات شعب مصر وطاقات أبنائه في الصمود أمام العدو الصهيوني وتحقيق النصر، من خلال عبور القوات المصرية البطلة شرق القناة فكسر بلك حاجز الخوف الذي تلبس العرب في أعقاب نكسة حزيران 67 وحقق نصراً عسكرياً باهراً على العدو الصهيوني، ولعل أكثر تلك الأسباب أهمية بنظري أن من ناصبه العداء طيلة خمس وثلاثين عاماً متواصلة قد تمثل بالقيادة السياسية المصرية بدءً من أيام الرئيس الراحل السادات صاحب معاهدة الاستسلام المسماة كامب ديفيد التي جعلت مجمل السياسة الجيوسياسية والاقتصادية في الكيان الصهيوني طوال 35 عاما تمضي مستقرة هادئة لصالحه دونما منغصات تذكر، مروراً بآخر أيام حكم الرئيس المخلوع الفاسد اللامبارك الذي تقزم بعهده دور مصر وفقدت دورها الريادي المؤثر على الساحة العربية والإقليمية والدولية، بعدما امتثل اللامبارك لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية وأذعن نظامه كاملاً لاشتراطات الكيان الصهيوني!!.

رجل شوّهَتْ صورته القيادة السياسية المصرية على امتداد خمس وثلاثين عاماً، لا لشيء إلا لأنه كان ضميراً مصرياً حياً ووطنياً صادقاً، آمن بقدرات شعب مصر وطاقاته الخلاقة، رجل لو وجد في غير "مصر السادات" أو "مصر مبارك" لكان مبعث فخر لتلك الأمة ولنال من التكريم والاحتفاء ما لم ينله غيره، ذلكم هو رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية إبان حرب أكتوبر 1973 وبطل العبور الحقيقي الفريق أركان حرب سعدالدين الشاذلي رحمه الله، ذاك العبور الذي شوه الرئيس السادات معالم إنجازات تلك البطولة بعدما أخفق بعناده وإصراره على تنفيذ فكرة تطوير العبور والتي رفضها الفريق الشاذلي وقادة الجيشين المصريين "الثاني والثالث"، فكانت من تداعيات تلك الفكرة الساداتية الفاشلة غير المدروسة ثغرة الدفرسوار القاتلة وما أعقبها من إبرام معاهدة مع الكيان الصهيوني لتصبح مصر ناقصة السيادة حين نزع سلاح سيناء وكبلت تماماً ببنود ذاك الاتفاق!!.

ولأنني أحببته في الله، فإنه لأمر طبيعي ومنطقي أن أجلس إلى الشبكة العنكبوتية لأكثر من أربعة أيام متتالية أبحث عن مقاطع من أفلام YOUTUBE كي أكشف حجم الإنجاز البطولي لهذا القائد العربي الملهم ولأقف على تاريخ هذا العسكري المصري العملاق وما لحق به من تشويه متعمد لصورة أدائه وعطائه وجهده العسكري من قبل قيادته السياسية لحقبتي السادات واللامبارك، ولقد زدت ذهولاً وصدمة حين وجدت بأن تشويه وتحريف حقائق حرب أكتوبر قد وصل إلى صور بانوراما حرب اكتوبر في القاهرة والتي لم تسلم هي الأخرى من تزييف الحقائق في محاولة يائسة بائسة لمحو دور رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق الشاذلي في حرب أكتوبر المجيدة، فرحت - وقد تملكني العجب والذهول – أتطلع إلى الصورة الشهيرة التي نشرت في وسائل الإعلام العالمي إبان حرب أكتوبر 1973 والتي تظهر الرئيس السادات في غرفة العمليات الحربية وعلى يمينه يقف الفريق سعدالدين الشاذلي فيما يقف عن يساره وزير الحربية المصرية المشير أحمد إسماعيل، لأنتقل بعدها لتلك الصورة التي نشرت في المواقع الألكترونية نقلاً عن بانوراما حرب أكتوبر حيث تم استبعاد صورة الفريق الشاذلي نهائياً لتظهر محلها صورة الفريق عبدالغني الجمسي إلى يمين السادات ثم يليه الرئيس المخلوع الفاسد اللامبارك!!.

لقد كان الفريق الشاذلى "رحمه الله" صاحب خطة المآذن العالية التي قامت على أساسها حرب أكتوبر وعبور قناة السويس بعملية هجومية محدودة ليتم تمركز القوات المصرية الباسلة بعدها على شريط بعمق 10 – 12 كيلومتر على امتداد شرق القناة وذلك لتأمين حمايتها من قبل وسائل وأنظمة الدفاع الجوية المصرية انسجاماً مع القدرات العسكرية المصرية آنذاك، ولحين بناء قدرات عسكرية مصرية تسمح بالاستمرار في القتال من أجل تحرير كامل التراب الوطني المصري المقدس، غير أن "نرجسية !!" الرئيس السادات تفتقت عن فكرة تطوير الهجوم للوصول إلى عمق أكثر في سيناء والذي جوبه بمعارضة شديدة من الفريق الشاذلي على اعتبار أن تلك الخطة ستخرج القوات المصرية من نطاق حماية مظلة الدفاع الجوي وستجعلها لقمة سائغة لطيران العدو الصهيوني، وذاك لعمري ما حصل فعلاً، حيث انتهت خطة تطوير الهجوم التي أرادها السادات وعارضها الفريق الشاذلي بالفشل الذريع، وخسارة القوات المصرية 250 دبابة من قوتها الضاربة الرئيسية في ساعات معدودات من بدء التطوير جراء التفوق الجوي الصهيوني، لتنقلب بعدها المبادأة لتصبح في جانب القوات الصهيونية التي استثمرت ذاك الفشل من خلال تنفيذ خطتها المعدة من قبل والمعروفة باسم "الغزالة" للعبور غرب القناة، فكان حصار القوات المصرية الموجودة شرقها، وأصبح ظهر الجيش المصري مكشوفا غرب القناة، فيما سميت بثغرة الدفرسوار الشهيرة!!.

لقد ظل الفريق الشاذلي "رحمه الله" عبر مقابلاته المتلفزة ومن خلال مقالاته التي كان ينشرها يطالب بكشف الحقائق كاملة عن حرب أكتوبر وملابسات ما جرى فيها من أخطاء، وها هو يقول بإحدى مقابلاته وأقتبس نصاً: "لكل حرب أمجادها وأخطاؤها، وقد كانت لحرب أكتوبر 73 أمجاد كثيرة مازلنا نتغنى بها وبحق حتى الآن، ولكن يجب أن نعترف بأننا ارتكبنا بعض الأخطاء حتى يمكننا أن نستخلص الدروس المستفادة من تلك الأخطاء، وحتى لا يرتكب أبناؤنا وأحفادنا تلك الأخطاء نفسها فيما بعد.. ولذلك فإن الدول تقوم بعد كل حرب بتشكيل لجنة قضائية عليا للكشف عن تلك الأخطاء وتحديد المسؤول عنها. حدث ذلك فى إسرائيل عندما شكلت لجنة أجراناتAgranat فى أعقاب حرب أكتوبر، وحدث ذلك فى بريطانيا أعقاب حرب الفوكلاند عام 82. لماذا لم تقم القيادة السياسية فى مصر بتشكيل مثل هذه اللجنة حتى الآن، ورغم مرور 25 سنة على تلك الحرب؟"، ثم يقول في مقابلة أخرى وأقتبس نصاً: "لماذا ترفض القيادة العامة للقوات المسلحة الإفراج عن وثائق حرب أكتوبر بعد مرور 25 سنة تحت ستار الأمن.. في حين أن إسرائيل وهى أكثر الدول حساسية من ناحية الأمن قد أفرجت عن وثائقها!؟"، هذا كما وطرح الفريق سعدالدين الشاذلي "رحمه الله" طويلا ومراراً، جملة تساؤلات عن الأسباب الخفية التي كانت تدفع كلاً من السادات وأحمد إسماعيل إلى الخلط بين أسلوب المناورة بالقوات - التي دعا إليها الفريق الشاذلي لمعالجة ثغرة الدفرسوار-، وبين مفهوم الانسحاب الذي يعنى الهروب من المعركة كلياً، والذي كان يسيطر على كل من السادات وأحمد إسماعيل، فأسلوب المناورة التي دعا إليها الفريق الشاذلي رحمه الله ينص على سحب بعض القوات المصرية من شرق القناة ومن الأماكن غير المهددة والزج بها في المعركة إلى الأماكن التي تحتاج إلى هذا الدعم، وهو لعمري مبدأ ثابت من مبادئ الحرب معترف به!!.

لقد ذهب الفريق الشاذلي رحمه الله أبعد من تلك المطالب التي كان يعلن عنها عبر مقابلاته ومقالاته بضرورة كشف ملابسات ثغرة الدفرسوار، فرأيناه يتقدم من منفاه القسري في الجزائر بدعوى إلى النائب العام المصري يطالبه فيها بمحاكمة السادات وذلك لجملة من التهم كان قد ساقها في نص دعواه تلك، منها ما كان يقع ضمن القرارات العسكرية الخاطئة والقاتلة تسببت بحدوث ثغرة الدفرسوار وعدم معالجة تلك الثغرة بالشكل السريع والصائب، ومنها ما يندرج ضمن الأكاذيب كادعاء السادات بأن الجـيش الثالث لم يحاصر قط في حين أن الجيش الثالث قد حـوصر بواسطة قوات العدو لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، ومنها أن عدد الدبابات التي عبرت القناة كان سبع دبابات فقط ، وذلك من أجل تشويه التاريخ متعمداً لإخفاء الحقيقة عن الشعب المصري من خلال خطبه أو نشره كتابه "البحث عن الذات"، ولقد أصر الشاذلي بدعواه تلك على إظهار الحقيقة كاملة أمام شعب مصر وأمتنا العربية، وليقينه من قوة حجته ومتانة موقفه بما يملكه من وثائق وأدلة، فإنه قد طالب بأن يحاكم هو شخصياً لإظهار الحقيقة كاملة كما جاء بنص دعواه تلك وأقتبسها نصاً: "ثالثا: إذا لم يكن من الممكن محـاكمة رئيس الجمهورية في ظل الدستور الحـالي على تلك الجرائم، فإن اقل ما يمكن عمله للمحافظة على هيبة الحكم هو محاكمتي لأنني تجرأت واتهمت رئيس الجمهورية بهذه التهم التي قد تعتقدون من وجهة نظركم أنها اتهامات باطلة. إن البينة على من ادعى وإني أستطيع- بإذن الله- أن أقدم البينة التي تؤدى إلى ثبوت جميع هذه الادعاءات وإذا كان السادات يتهرب من محاكمتي على أساس أن المحاكـمة قد تترتب عليها إذاعة بعض الأسـرار، فقد سقطت قيمة هذه الحجة بعد أن قمت بنشر مذكراتي في مجلة "الوطن العربي" في الفـترة ما بين ديسمبر 78 ويوليو 1979 للرد على الأكاذيب والادعاءات الباطلة التي وردت في مذكرات السـادات. لقد اطلع على هذه المذكرات واستمع إلى محتوياتها عشرات الملايين من البشر في العالم العربي ومئات الألوف في مصر."... انتهى الاقتباس!!.

لقد اختلفت الروايات والتبريرات والأقاويل عن سبب عداء الرئيس المخلوع اللامبارك له، فمنهم من قال انه عداء شخصي وغيرة من مبارك للشاذلي، ومنهم من قال بان استبعاده ومحاكمته ومنع نشر كتابه وزجه في السجن كان بإيعاز وتوجيه من أمريكا و"إسرائيل" لمنع الرموز الوطنية المصرية من أخذ دورها ومكانتها، وقد يكون هذا وذاك صحيحاً، لكنني أضيف إليهما باحتمال "الأنا" النرجسية التي تتركب الحاكم العربي محاولا استبعاد أي أمرؤ عن الأضواء والشهرة والمجد، وذاك ما كان لدى كل من السادات ومبارك من بعده!!، ذاك من جانب، ومن جانب آخر، فإنه لا يجب إخراج الخلاف بين الشاذلي والسادات ومبارك عن السياق الوطني وعده خلافا شخصيا، فالأمر أكبر من هذا بكثير، فالشاذلي رحمه الله كان ينتمي لمشروع وطني عروبي صادق، وكان يؤمن بقدرات شعب مصر وطاقات أبنائه الخلاقة في إمكانية البذل والصمود وتحقيق النصر، فيما كان السادات ومبارك يتبنيان مشروعا سياسيا يمالئ أمريكا ويرتهن لإرادتها وإملاءاتها، ولطالما كان السادات يردد أن 99% من أوراق الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا كان مبارك المخلوع صاحب العبارة الشهيرة "دي أمريكا يااااابا"!!، مبارك الذي قال عنه المحلل السياسي لصحيفة "هآرتس" العبرية ألوف بن وأقتبس نصاً: "إن السلام مع مصر كان عبارة عن كنز استراتيجي لإسرائيل، حيث حمى مبارك ظهر إسرائيل طوال السنوات الماضية، واستغلت هي ذلك لتركيز عملها في الضفة الغربية وغزة."... انتهى الاقتباس!!.

ختاماً أقول:
1. لقد كانت حرب أكتوبر العظيمة فرصة تاريخية لكسر جدار الخوف وتحقيق نصر عسكري على العدو الصهيوني لولا الأخطاء العسكرية والسياسية التي وقع بها الرئيس السادات، هذا كما وان حرب أكتوبر قد أثبتت بأن التخطيط الجيد والعلاقة القوية بين الرئيس والمرؤوس، و لقد ظل الفريق الشاذلي رحمه الله وحتى يوم وفاته يظل يردد بضرورة محاربة "إسرائيل" وبحتمية انتصار العرب على "إسرائيل" مستندا بذلك على يقينه وإيمانه بالقوى الكامنة الهائلة والكبيرة غير المستغلة عند العرب، ومن منطلق الإيمان بحتمية زوال دولة إسرائيل!!.
2. لا أرى مسرحية ثغرة الدفرسوار إلا مدخلاً وتهيئة لجر مصر لتوقيع معاهدة للسلام مع الكيان الصهيوني، فذاك ما أعلنه ريتشارد باركر – دبلوماسي أمريكي – في مقابلة متلفزة له عن حرب أكتوبر حيث صرح فقال وأقتبس نصاً: " كنا نعرف تماماً بما يفكر به المصريون، لم نكن نتفق معهم ولم نستطع أن نقنعهم، كانت المسألة بوضوح ما هي الشروط الإسرائيلية للانسحاب، وقد قلنا للمصريين بأن الإسرائيليين لن ينسحبوا دون اتفاقية للسلام من نوع ما، عليكم أن تجلسوا مع الإسرائيليين وتوقعوا على الوثيقة نفسها"...

رحم الله الفريق سعدالدين الشاذلي، القائد العسكري المصري العربي المسلم الذي حقق النصر بالعبور ورفض أن يشارك السادات بجريمة تزييف الحقائق أمام الشعب المصري فكان أن نال ما ناله منه، ودعوة لثورة 25 يناير المصرية أن يطالبوا برلمان مصر القادم وقادته الجدد بإظهار وكشف حقائق حرب أكتوبر العظيمة كاملة غير مشوهة ليأخذ كل ذي حق حقه... وأول أصحاب الحق السليب ولا ريب الفريق أركان حرب - بطل العبور والنصر- سعدالدين الشاذلي "رحمه الله" الذي قال في إحدى لقاءاته الصحفية وأقتبس نصاً: "ليس التكريم هو أن امنح وساما في الخفاء، ولكن التكريم هو أن يعلم الشعب بالدور الذي قمت به، سوف يأتي هذا اليوم مهما حاول السادات تأخيره ومهما حاول السادات تزوير التاريخ، انه لن يستطيع لأنه لا يصح إلا الصحيح".

سماك العبوشي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر