الراصد القديم

2011/12/13

«الجنرال» زوجٌ خدعه الحلفاء… والطلاق ممنوع!

لم تعد هناك تبريرات في جعبة العماد ميشال عون، لقد استنفدها جميعاً، وليس لديه اليوم ما يقدّمه من أجوبة لأركان « التيار الوطني الحرّ » وقواعده الشعبية، عن أسئلتهم الزاحفة نحو الرابية: لماذا يخدعوننا؟

لم يكن « الجنرال » يتصوّر أنه في مقابل التنازلات و »التضحيات » التي قدّمها لكسب ودّ « حزب الله » ودعمه، سيصل إلى ما وصل إليه اليوم. فحتى ماء الوجه لم يُترك له، وحتى ورقة التين الهشّة سقطت.

شرح « الجنرال » لأنصاره، بعد « التفاهم »، كيف اقتنع بمنافع السلاح وأهمية المقاومة، كثمرةٍ لسنين طويلة من الشعارات النقيضة. ثم تَعِب في إقناعهم بأهمية العلاقة مع دمشق والدفاع عن نظامها الذي « هزّ مسماره » يوماً. وفي كلّ ذكرى 6 آب يحتار كيف يبرّر تحالفه مع النظام الأمني الذي سحق الطلاب والحرّيات. وفي كلّ ذكرى « حرب تحرير »، تنتاب « التيار » نوبة من الازدواجية. ومع كلّ 14 آذار، يهلّل لـ8 آذار. وفي ذكرى جبران تويني وكلّ شهيد من « ثورة الأرز » يجدّد العهد بالوقوف، عملياً لا نظرياً، ضدّ المحكمة الدولية… وماذا بعد؟

الميكيافيللية كمشروع

« الجنرال » « مدركٌ طريقه وواثقٌ من نفسه ». هو وافق على كلّ ذلك، لأنّه يريد شيئاً ما، مهما كان الثمن غالياً. وبدا أنّه في مطالعاته الكثيرة في منفاه الباريسي الفاخر، لم يتعمّق إلّا في كتاب « الأمير » لميكيافيللي. وثمة من يقول إنّ عون كان مقتنعاً به منذ أن شنّ حروبه التي انتهت بملّالة سريعة إلى سفارة قريبة.

يقول « الجنرال » لقواعده: انسوا المبادئ. البراغماتية مطلوبة. تعالوا نقف إلى جانب سوريا و »حزب الله ». تعالوا إلى الأقوياء، لنقطف الثمار. إنّهم وحدهم القادرون على إيصالنا إلى رئاسة الجمهورية، ومعها نحصل على الحصص في المجلس النيابي والحكومة والتعيينات، وعلى المال الذي لطالما تَوزّعتْه المجالسُ والصناديق.

ولكن، لم يصل « الجنرال » إلى بعبدا ولو كاد يفجّر مؤتمر الدوحة احتجاجاً. وحصصُه في المجلس والحكومة وهميّة، وأكبر دليل إلى ذلك مرور التمويل والأجور تحت قدميه. ولم يُسمح له بمنصب « يَمون عليه » حليفه الأقوى، كالمدير العام للأمن العام، ولن يُتاح له إيصال مرشحه إلى رئاسة مجلس القضاء الأعلى. وأمّا الإتّكاء على الأقوياء الإقليميين فمسألة باتت قديمة، لأنّ هؤلاء يفتّشون عن سبيل للخلاص بأنفسهم.

الأرباح الحقيقية فقط هي أنّ « الجنرال » أُتيحت له الظروف، تعويضاً، لتحصيل مكاسب أخرى لا شكوك حولها ولا فناء لها. ويتحدّث البعض عن شبكة مصالح باتت تربط القريبين من الرابية بأطراف وقوى، ويصعب الخروج منها.

لكن معاناة العماد عون مع جمهوره باتت كبيرة، لكلّ هذه الأسباب. فالشمس طالعة. وبات مُهيناً أن يكون دور « التيار » فقط تغطية الحلفاء سياسياً، بل التبرّع بدور « المحرقة »، ليتمكّنوا هم من قطف الثمار، ثم « تعويضه » بوعود جديدة لا ترى النور. ففي اعتصام وسط بيروت « اشتغل » عون رأس حربة لاقتحام السراي… فتسنّى لـ »حزب الله » إنجاز التسوية على ميشال سليمان لا ميشال عون. وفي تمويل المحكمة بدا عون وكأنّه هو المعني بالمطلوبين الأربعة، فكان دوره التهديد بالاستقالة من الحكومة مقابل تهديد ميقاتي، لكنّ « طبخة » تمويل رباعية أو خماسية كانت على النار، ومن الضروري أن يسخّنها « الجنرال » بمواقفه. وأخيراً وعَدَه الحلفاء بالدعم في ملفات الكهرباء والأجور، فعطّلوا « لصهره » معمل الزهراني، وجرّوه إلى الفخّ في مجلس الوزراء. وهناك أسقطه أقرب الحلفاء قبل أن يُرضوه في اليوم التالي بدعم لوجستي للإضراب، ليبقى احتجاجه تحت السيطرة!

مداواة الوعود… بوعود جديدة!

« إنفَلَق » العماد عون من الوعود، وفجّر اعتراضه عبر تلفزيونه، متّهماً « حزب الله » صراحةً بالتحالف مع الآخرين ضدّه في الحكومة. ويقول القريبون من الرابية إنّها تعيش حالة غليان وتشعر بالنقمة إزاء وعود الحلفاء. وتردّد أنّ اتصالات رفيعة تمّت بين الرابية وقيادة « حزب الله »، سعى فيها « الحزب » إلى تهدئة خواطر « الجنرال »، وإقناعه بالضرورات التي تفرض عليه اتخاذ هذه المواقف. وجدّد « الحزب » طمأنة « الجنرال » إلى أنّه سيفي بوعوده له… عندما تسمح الظروف.

المؤكّد أنّ عون، خصوصاً على أبواب استحقاقات انتخابية، يدرك أنّ هذا النهج سيُضعف « التيار » أكثر فأكثر. وتصل إلى الرابية نتائج إحصاءات تقلقها على الصعيد المسيحي. ولا يتوقع « الجنرال »، بعد التجربة، أن يحظى بفرصة لأيّ مكسب حقيقي يطمح إليه سياسياً، وتحديداً الوصول إلى قصر بعبدا.

وثمة مَن يعتقد، في أوساط « التيار » أنّ عون قد يكون راغباً في البحث عن سبيل آخر لتحقيق طموحاته، لكنّ ذلك متعذّر. فهو ربط نفسه ومصالحه الانتخابية والسياسية، وسوى ذلك، بشبكة تخوض اليوم صراع بقاء، وهي لا تصدّق أنّها تحظى بتغطية مسيحية. ولن يكون متاحاً لعون الطلاق من حلفائه ولو عانى مرارة الشعور بأنّه « زوجهم المخدوع »، لأنّ ذلك ممنوع عليه. وفي أيّ حال، هو لو غادرهم… فإلى أين؟



طوني عيسى -الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر