الراصد القديم

2011/12/22

ماذا يريد الأردنيون

لا أحد يستطيع أن ينكر على الأردنيين حقهم في محاربة الفساد والمفسدين ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح حين استعراض ماهية الحراك الأردني وأهدافه هو ما هي جملة المطالب الأخرى التي يسعى الحراك الأردني أو يطالب بتحقيقها وهل سوف يرتفع سقف هذه المطالب مع الأيام وحسب مدى تجاوب النظام معها من عدمه ؟

يلخص الأردنيون مطالبهم بعنوان عريض يطلقون عليه اسم " المطالب بالاصلاح " وتدور هذه المطالب في معظمها حول شأن واحد الا وهو محاربة الفساد والمفسدين ومع كل يوم تطفوا الى السطح حالات جديدة من الفساد يتم كشفها على الملأ كان أخرها ملف تسجيل أراضي ملكية الدولة باسم الملك والعائلة المالكة والمتنفذين وبشكل تبدو فيه جعبة الحراك الأردني خاوية الا من هذا المطلب الرئيس في حين ان الوضع على أرض الواقع يحتم وجود مطالب أخرى لاتجد الجرأة الكافية في البوح بها اما لاحجام القوى السياسية الأردنية عن الخوض فيها على اعتبار أنها لاتمس مباشرة مصالحهم المادية واما لعدم استيعاب وادراك حقيقتها وبشكل يشير أن القوى السياسية الأردنية تحاكي الشارع الأردني بما يستطيع أن يفهمه ويستوعبة وهو ما يتعلق بحياتة اليومية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى انقسام الشارع الأردني حول كافة المطالب ما ظهر منها وما بطن .

الأردنيون من أصل أردني يركزون على العامل المادي والمطالب المادية لابل يعتبرون هذه المطالب بمثابة مكاسب مشروعة يجب أن توزع عليهم عشائريا سواءا كانت مناصب حكومية أو مكاسب مادية أخرى اضافة لما يتمتع معظمهم به وعلى النقيض تجد الأردنيين من أصل فلسطيني يختلفون معهم حول هذه النقطة تحديدا وليس السبب كما يروج له البعض في أن الفلسطينيون الأصل أكثر راحة مادية ورخاءا منهم ولكن الحقيقة أن ما تعرض له هؤلاء عبر تاريخ نكبتهم جعل منهم الأقدر على تحمل مصاعب الحياة الاقتصادية والمادية والأكثر خلقا وابداعا في تدبير شؤونهم الحياتية كما أن ذاكرة الفلسطيني الأصل تختزن بتجارب قاسية من خلال مقارعتهم للنظام الأردني في نهاية الخمسينات والستينات وحتى السبعينات حتى فرض عليهم التهميش الكامل وفرغت جميع الدوائر الرسمية الحكومية منهم غالبا وألت الى الأردنيين الأصل .

بعد السبعينات عندما بدأت أجهزة الدولة الأردنية ومؤسساتها تتضخم وظيفيا وزادت نفقاتها مقابل تدني الانتاجية وعمت البيروقراطية وعدم أهلية المناصب بحيث وضعت الواسطات الرجل الغير المناسب في المكان الغير مناسب وعمت الرشوة والمنفعة الفردية والفساد وباتت الدولة بعاجزة عن إرضاء جميع الأردنيين بوظائفها ومنحها ومكرماتها وكان الأردنيون هم أكثر الناس تأثرا بها وتململا لابل أن البعض أدرك تماما أن المصالح العشائرية التي كانت تدار بها أجهزة الدولة هي من جر عليهم هذه المصائب وأن هناك أسرا وعشائر تنفذت واستأثرت وتوارثت المناصب الحكومية دونا عن غيرها.

كانت ولازالت المخابرات الأردنية تعمل باتجاه تشتيت هذا الشعور بالتململ بافتعال كثير من الفقاعات والاشاعات لامتصاص نقمة هؤلاء وتوجيهها باتجاه أخر منها مقولة الوطن البديل والذي استغلت من خلاله المخابرات الأردنية بعض التصريحات الغير رسمية الاسرائيلية وأشاعته لخلق نوع من الفتنة والتفرقة في الشارع الأردني وكان الفلسطينيون أخر من يعلم ولم يصدر أي تصريح فلسطيني بتأييد أو قبول هذ المقولة لابل على لم يعطوا لها بالا لأنها مرفوضة جملة وتفصيلا من قبلهم في حين كان ولا زال بعض الأردنيون يتشدقون بها ، لكن يبدوا أن هذه اللعبة لو تؤت اكلها حتى تم اختراع مسألة الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي التي كانت يمثابة طعم أدرك المغاربة حقيقته في حين وقع الشارع الأردني فيه والحقيقة أن النظام والقوى السياسية الأردني كتعلم علم اليقين أن هذا ليس الا من باب التندر ولكن لابأس من استغلاله لاشغال الرأي العام الأردني طالما أن فيه فائدة للنظام في توجيه الأنظار عما يدور في العالم العربي من حراك وثورات وان كان البعض قد أدرك حقيقة اللعبة لكن لازال كثر من يعلقون عليها أمالهم وحسب تغذية النظام لهذه الخرافة ليل نهار مع علمهم التام بأن لا أجماع خليجي عليها وهذا ما نقرأه من تصريحات رسمية ترد من قطر والامارات وحتى سلطنة عمان التي لها علاقات وطيدة مع النظام الأردني .

لن تخرج المطالب الأردنية عن هذا السياق وستبقى تحوم حول مطلب محاربة الفساد والمفسدين وهذه سهلة جدا على النظام في أن يقدم أكثر من كبش فداء ويرسل بهم الى سجون الخمسة نجوم أو يهربهم أو يعفوا عنهم بعد أن تنسى أسماءهم من ذاكرة الشارع الأردني ولن تكتمل عبار " إس " التي تهدد بها بعض القوى السياسية والعشائرية فهم يعلمون علم اليقين أن هذا بالنسبة لتاريخ مستقبلهم السياسي بمثابة خط أحمر اذا ما تجاوزوه سوف لن يستأثروا بأية مكاسب مستقبلا وهذا ما يقوله تاريخ المعارضات السياسية الأردنية عبر السنين حتى اولئك الذين دخلوا السجون خرجوا منها يوما تم احتوائهم ومنحوا مناصب استأثروا بها .

هناك مطالب كثيرة يفرضها ويحتمها الواقع الأردني لكن القليل من يجاهر بها منها - مركز البلد وثقله الذي ضاع اقليميا بفعل سياسات مبهمة وغامضة تتأرجح كبندول الساعة في مواقفها ازاء قضايا عربية كثيرة ومنها القضية الفلسطينية - فشل السياسة الأردنية في اتخاذ موقف متوازن تجاه الأطراف الفلسطينية واعتقادها خطأ أن ترجيح كفة طرف على أخر قد يحقق المصالح الأردنية في حين أن التجربة أثبتت عكس ذلك نتيجة ارتباط الشعبين الأردني والفلسطيني اجتماعيا وتاريخيا وجغرافيا - فشل معاهدة السلام مع اسرائيل في تحقيق أي فائدة ترجى تعود بالنفع حتى على الاقتصاد الأردني ، حتى تصدير المنتجات الأردنية لأسواق الضفة الغربية وضعت في طريقه كثير من العقبات والشروط التعجيزية الاسرائيلية وأن ما قيل عن مشاريع ثنائية أردنية فلسطينية أو ثلاثية أردنية فلسطينة اسرائيلية كانت كلها لا تغدوا أكثر من ضحك على الذقون حتى تلك المناطق الصناعية التي أطلق عليها " الكويز" كانت مشاريع فاشلة بالنسبة للأقتصاد الأردني ولم يستفد منها سوى الشركاء الأسرائيليون وعندما أنهى كثير منهم عمله ضاعت الكثير من الحقوق على العمالة الأردنية وهذا وارد في سجلات وزارة العمل الأردنية وكتب بشأنه أكثر من كاتب أردني .

- مراهنة النظام الأردني دائما على امكانياته في بيع والاتجار بخدمات أمنية وعسكرية قللت من هيبة الشخصية الأردنية وصورت الجيش والأمن وكأنه جماعات مرتزقة معروضة للبيع والايجار ولا أحد يعلم أين يذهب العائد من هذا وبأي الأوجه يتم انفاقه .

هذا عدا قضايا فساد وفضائح لها علاقة مباشرة بالعائلة المالكة لازال الأردنيون يهمسون ولايملكون الجرأة الكافية للجهر بها بل يجدون متنفسهم عبر مواقع الكترونية عربية خارجية مثل موقع عرب تايمز للتعبير عن أرائهم لأن كافة المواقع الأردنية التي تدعي حرية الرأي والتعبير ما هي الا مواقع مداهنة ولاتملك الجرأة الكافية لنشر كل ما يكتب ويعلق به على صفحاتها لابل تقرأ بين سطورها دعوات مباشرة وغير مباشرة لبث سم التفرقة في محاولة لتشتيت الانتباه عن قضايا كثيرة هامة تمس مستقبل الأردن والأردنيين ومستقبل أجيالهم القادمة .

نتمنى لأشقائنا الأردنيين مزيدا من الوعي والادراك لحقيقة مطالبهم ومقتضيات التغيير والاصلاح واستعادة الأردن لهيبته وشخصيته الوطنية وثقله في الأقليم وأن لايقعوا في فخ نبذ أِشقائهم الفلسطينيين الأصل والانقلاب عليهم لأن هذا لن يخدم قضيتهم بأي حال من الأحوال بالقدر الذي يستفيد منه النظام وهو يسعى جاهدا من أجل تحقيق هذه الغاية عملا بسياسته المعهودة فرق تســد .

راكان غزنوي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر