الراصد القديم

2011/12/02

وظيفة تراجع « حزب الله »



يحتاج الأطراف اللبنانيون الذين سبق أن رفضوا بشدة تسديد حصة لبنان من تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الى تبرير قبولهم بأن يدفع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي هذه الحصة، بعد أشهر من السجال على هذا الموضوع. وأكثر الأطراف حاجة الى تبرير التراجع عن رفض التمويل هو «حزب الله»، الذي يشكل العمود الفقري لهذه الحكومة وراعيها.

وسيحتل التبرير، الذي يقوم على احتفاظ هؤلاء الأطراف بموقفهم الرافض للمحكمة التي سبق لـ «حزب الله» أن اعتبرها أميركية – إسرائيلية وكأنها غير موجودة، حيزاً من المشهد السياسي اللبناني في الأيام المقبلة. كذلك السجال حول الرابح والخاسر في هذه العملية.

وهي ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يتراجع الحزب فيها عن موقف، رافضاً التسليم بأنه أخطأ الحساب حين وضع نفسه منذ بداية رفضه التمويل، في نقطة اللاعودة عن موقفه، الذي اضطر للعودة عنه في النهاية، بطريقة تسيء الى صورته.

ولو كان الحزب يولي أهمية لآثار مواقفه وخطواته وتراجعه وتنازلاته على موقعه اللبناني، لما كان ورّط نفسه أصلاً، في ما يخص قضية تمويل المحكمة، بالرفض المطلق له، مع ما لهذا الرفض من انعكاسات على علاقته بفريق واسع من اللبنانيين، متجاهلاً الأولوية التي تحتلها قضية المحكمة والكشف عن حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، عند هذا الفريق، ولما كان ساهم مساهمة رئيسية مع القيادة السورية، في إفشال المفاوضات السعودية – السورية قبل عام، التي كانت توصلت الى تسوية تشمل موضوع المحكمة، وأدت الى مصالحة شاملة في لبنان، ولما كان رفض نتائج المبادرة التركية – القطرية التي أعقبت توقف المفاوضات السعودية – السورية في ذلك الحين. فهي لو نجحت، لكان تحدي عدم التمويل مطروحاً على الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة، في وجه المجتمع الدولي، وفي محاولة إقناع جمهوره العريض، بدلاً من أن يكون التمويل تحدياً مطروحاً على الرئيس ميقاتي في علاقته مع «التزام القرارات الدولية» ومع جمهور الحريري الذي يحتاج ميقاتي الى عدم إغضابه أكثر مما هو غاضب. فالتسوية كانت لتفضي الى معادلة عفا الله عما مضى، حتى لو استمرت المحكمة في عملها.

إلا أن الحزب رفضها لأنه كان سيقابلها إنهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها، وبسط نفوذ القوى الأمنية الرسمية على الأراضي اللبنانية منعاً لاستخدام السلاح في الخلافات السياسية.

وعليه فإن ما يعتبره خصوم «حزب الله» مكابرة منه في رفض الإقرار بخطأ إصراره على رفض قبول التمويل ثم القبول به، وقبله إطاحته بما سمي تسوية س – س، وقبلها احتلاله العاصمة بيروت عام 2008، فإن قيادته تراه واقعية وتفوّقاً، وثقة بالنفس. وهو ما يراه مراقبون من بعد عدم إكتراث بالخسائر نظراً الى الشعور بفائض القوة لأنه يشكل جزءاً من منظومة سبق للحزب نفسه أن اعتبرها «قوة عظمى» في المنطقة، قادرة على تغيير معادلات إقليمية ودولية، في شكل يمكّنه من استيعاب أو هضم تراجعات هنا وهناك مثل القبول بتمويل المحكمة.

فالأجندة الإقليمية هي التي تهم الحزب. ولأن لها الأولوية يهون عليه التراجع عن خطأ رفض التمويل وتعبئة جمهوره والرأي العام ضده، إذا كان الثمن بقاء الحكومة الحالية التي تفقده استقالتها التغطية الشرعية لسعيه الى الاحتفاظ بنفوذه على الأرض، وداخل المؤسسات اللبنانية، لا سيما الأمنية منها، من أجل التمكن أكثر من تحصين مواقعه في المواجهة الإقليمية الدائرة، والتي تزداد تصاعداً، خصوصاً مع طهران. وما يراه خصوم الحزب تنازلاً أو تراجعاً بقبول التمويل، من الطبيعي أن يرى فيه مناصروه حنكة أهدافها بعيدة المدى، وثمناً لغرض أكثر أهمية هو بقاء الحكومة، التي يصعب الإتيان ببديل عنها لا يشترك خصومه الذين أبعدهم قبل عام وأخذ يتصرف على أن لا وجود لهم، في صوغه.

إلا أن لتنازل الحزب وتراجعه هذه المرة ظروفاً إقليمية مستجدة بالتزامن مع تصاعد الأزمة السورية، التي مهما كانت نهايتها، سترخي بظلالها على الحزب في لبنان في شكل يؤدي الى حسم الدور السوري من «فائض قوته». وبقاء الحكومة الحالية بهذا المعنى يمنع التآكل السريع في هذا الفائض، وبالتالي هو يأمل بأن يبقي على فعالية وظيفته الإقليمية في ظل الأمواج التي تتلاطم المنطقة.

يصبح التراجع عن رفض التمويل هنا مسألة بسيطة. فالحزب يحتاط لما هو أدهى.



وليد شقير -الحياة

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر