الراصد القديم

2011/12/15

من يكتب تاريخ مصر في قادم الأيام؟

من المسلم به في العلوم الإنسانية الحديثة، أن القوى الاجتماعية المختلفة (يسميها ابن خلدون العصبيات) إنما تستمد قواها السياسية مما تهيمن عليه اقتصادياً بالدرجة الأولى.

وفي حالة الصراع على مصادر القوة الاقتصادية ومساراتها، لابد من الانتباه لحقائق محددة، أولها أن الدولة بقيادة بورجوازيتها البيروقراطية وجناحها العسكري إنما تهيمن على نحو 40 % من الاقتصاد القومي، وأما البورجوازية الكبيرة التقليدية (الرأسمالية المالية والعقارية والريفية وقطاعات من رأس المال التجاري) فتمتلك حوالي 52% والباقي موزع بين الرأسمال العربي والاستثمارات الأجنبية.

فإذا كانت تلك هي حقائق الوضع الاقتصادي، فما من شك في أن نزاعاً سياسياً قد باتت مقدماته تلوح في الأفق بين الجيش الذي يدعم ملكية الدولة (بجانب هيمنته هو نفسه على جانب له وزنه من الاقتصاد القومي) وبين البورجوازية الصغيرة برأس حربتها "الإخوان" (حوالي 3 % من الاقتصاد القومي) وما من شك أيضاً في أن الغلبة ستكون بالطبع للأقوى الذي هو في نفس الوقت محتكر للقوة المسلحة.

ومن هذه المقدمات ما أعلن عنه حول التكتيك الانتخابي كما صرح به بعض الأخوان والسلفيين حيث كان مفترضاً قيام الحشود بأداء صلاة الفجر ثم التحرك "لتقفيل" الطرق المؤدية للمقار الانتخابية! أعلنوا ذلك من باب تخذيل العدو! وهو تكتيك معروف في الحرب النفسية، بيد أنهم سرعان ما تراجعوا عنه بمجرد استبيانهم للتكتيك المقابل من جانب البورجوازية الكبيرة التقليدية (اسمها الحركي الفلول) فلقد لوحت الفلول بتجهيز مئات المليارات لتجييش ربع مليون من حثالة البروليتاريا (واسمها الكودي البلطجية) كانوا مستعدين للصدام المسلح الذي كان سينجم عنه عشرات الألوف ما بين قتيل ومصاب.

والنتيجة معروفة سلفاً (مستعارة من كلمة سلفي) هي فرض الأحكام العرفية وإلغاء الانتخابات.

التحالفات وأشباهها

توافق الجيش مع الأخوان في أعقاب يناير كان مجرد خطبة وليس زواجاً حقيقياً، أما التحالف القائم ـ موضوعياً ـ على المصالح المتقاربة فلا شك في أنه تحالف بيروقراطية الدولة مع البورجوازية الكبيرة (الاسم الحركي لها اليوم الفلول) ولو صح أن الأخوان تعلموا درس أزمة مارس فلسوف نكتشف أن الحديث عن صدام لهم قادم مع المجلس العسكري إنما هو محض تهويش سينتهي برضوخهم لحقائق القوة على الأرض.

قد يختلف السلفيون عن الإخوان في درجة الوعي وقلة الخبرة وضعف التجربة السياسية وهم الذين تمترسوا بمبدأ "لا نعصي الحاكم وإن ظلم" والمسكوت عنه في هذا القول "ما دام قوياً" ذلك المبدأ الذي يخفي نقيضه في الضمائر "ولكننا سوف نعصيه إذا ضعفت شوكته وهان أمره" وقد حدث ذلك بالفعل حين انتقضوا على حسني مبارك بعد أن ضعفت شوكته وهان أمره.

محال أن تحكم، وإلا كانت البورجوازيات الكبيرة في المجتمع بلهاء لا تعرف مصالحها.

والحاصل أن المرشح لكتابة تاريخ مصر في المرحلة القادمة لن يكون التيار الديني بشقيه: المعتدل المتعلم والمتطرف قليل الخبرة. فماذا عن ثوار التحرير؟

حصاد ميدان التحرير

سيسجل التاريخ أن هذا الميدان كان الجامع للمصريين بكل طوائفهم وأطيافهم كي يزيحوا عن كاهلهم حكم الاستبداد والفساد، وما من شك في أنهم نجحوا في مسعاهم ذاك لو قصرنا القول على الرؤوس وليس النظام الطبقي المفرّخ لتلك الرؤوس وأذنابها القريبة من دوائر صنع القرار.

وعبر هذا الإنجاز المحدود سالت في الميدان أنهار من الدم وسكبت على هوامشه ترع ومراوي ومصارف من الحبر، ومع ذلك فلقد ظل تأثير هذا الميدان محاصراً في ذاته لا يتعداها إلى فرض إرادته وإكمال مسيرته نحو الثورة الشاملة التي تغير النظام الطبقي وتعيد توزيع الثروة القومية بما يتفق مع نشاط منتجيها وصنّاعها (وتلك هي الغاية الحقيقية لأية ثورة حقيقية) فلماذا عجز الميدان عن بلوغ غايته؟

لأن رواده اجتمعوا على غير ميعاد دون قيادة تاريخية ملهمة (احمد عرابي ـ سعد زغلول ـ جمال عبد الناصر) ولأن التنظيمات السياسية ذات المصلحة في التغيير الشامل لم تترابط في جبهة موحدة كان من شأنها أن تمثل الدماغ المفكر للجسم الثائر، وهكذا فإن مستقبل مصر لم يعد يتقرر في نتيجة المواجهة بين معتصمي ميدان التحرير والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من حيث يدعي كل منهما شرعية توليه قيادة المرحلة الانتقالية بعد سقوط مبارك، فلقد دخلت المعادلة أطراف أخرى أميزها التيار الديني وبقايا النظام المباركي بالرغم من التضعضع السياسي والمعنوي الذي انتابهم بعد حل حزبهم الحاكم وتفكك صلاتهم بأجهزة الأمن ولو إلى حين.

محصلة الصراع

لقد وضح في حالتنا الراهنة أنه ما كان على المجلس العسكري غير إعادة إنتاج ما حدث في الخمسينات الماضية، وخلاصته أنه من أجل تهدئة القوى الشبابية ذات المطالب الثورية بل واستبعادهم عن صدارة المشهد؛ ما كان عليه سوى استخدام قوة الأخوان والسلفيين لمساعدته في هذا المسعى، ثم التخلي عنهم في الوقت المناسب.

فأما السلفيون فلا مندوحة من انحسار موجتهم طال الوقت أم قصر، وأما الأخوان الذين استوعبوا حقائق العصر وتدارسوا علاقات القوة في الداخل والخارج (والنموذج الجزائري ما زال في الأذهان) فأغلب الظن أنهم لن يجادلوا طويلاً ـ حتى وإن فازوا بأغلبية في البرلمان ـ حول حقية "مدنية الدولة" أو المطالبة بجمهورية برلمانية يستهدفون بها الوصول إلى تشكيل الحكومة التي يريدونها، ووضع الدستور الذي يحقق مصالحهم سياسياً واقتصادياً ولعلهم قد باتوا يدركون أن اللاعب المواجه لهم أذكى من أن يترك مقدرات دولة ذات وحدة هيدروليكية واحدة في مهب رياح تسعي لتقسيمها بذرائع طائفية وتشنجات أيديولوجية.

وفي عالم محترفي السياسة لا تثريب على الأذكى إن هو قام بتوظيف كل القوى الاجتماعية والسياسية بالدهاء والمناورة وربما أيضاً بالقوة المتاحة، لأنه في واقع الأمر إنما يدافع عن مصالحه الحيوية.

وبالمقابل لا عزاء للسذج عديمي الخبرة ولا للرومانسيين الثوريين.

مهدي بندق

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر