الراصد القديم

2011/12/28

لهذا السبب يشن حزب الله حملة إعلامية على الحركات الإسلامية

بقلم: حسان القطب

دأب حزب الله منذ انطلاقته على ربط نفسه بالحركات الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي، وقدم نفسه على انه حركة مقاومة إسلامية نموذجية في فكره وممارسته وسلوكه وعقيدته وانتمائه، وان هدفه الأسمى هو تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي ومساعدة حركات المقاومة الفلسطينية، في فلسطين وخارجها، واهتم بنسج علاقات تعاون بينه وبين هذه الحركات وجعل من طهران عاصمة دولة إيران مزاراً لقيادات هذه الحركات وموضع ثقتها ومصدر دعمها ورعايتها، فأقام أفضل العلاقات مع حركة حماس التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من حركة الإخوان المسلمين في العالم والجناح المقاوم والمسلح لهذه الحركة في فلسطين المحتلة، وتبنى حركة الجهاد بالكامل وكأنها احد أجنحته إضافةً لبعض الفصائل الفلسطينية المرتبطة بالنظام السوري.

اعتبر حزب الله أنه يشكل طليعة هذه الحركات وقدوتها ونموذجها الأمثل وأنها يجب أن تكون تحت جناحه يشملها برعايته وتوجيهاته. لذلك حاول حزب الله ومع انتصار ثورة تونس ومصر مطلع هذا العام أن يقول للجمهور العربي أن هذه الثورات تشكل باكورة نجاح فكر المقاومة والممانعة ونهج الارتباط بالمحور الإيراني – السوري، ولكن ضمن هذا الفكر وتحت راية هذه العقيدة كما ذكر بيان مشترك لحركة أمل وحزب الله بالقول: "كما شددوا على وحدة المسلمين تحت راية الحق المحمدي الأصيل رافضين كل ما يمس تضامن المسلمين ووحدتهم".

ولكن عندما وجد حزب الله أن القوى الإسلامية خارج هذه الراية وبالتحديد حركة الإخوان المسلمين التي تشكل العامود الفقري لهذه الثورات والرافعة الشعبية لها، وان الانتخابات الحرة التي جرت وتجري في هذه الدول كانت فرصة لتقديم نموذج سياسي إسلامي معتدل يرضى بالتعددية والخضوع لنتائج صندوق الاقتراع ويحرص على حماية الحريات العامة والعيش المشترك واحترام الأقليات والرأي الآخر، أو بمعنى أخر نموذجاً يختلف عن ذلك الذي يقدمه نظام الحكم في إيران من نظام ديني توتاليتاري تحت تسمية "ولاية الفقيه" يشمل سلوكه ونهجه الوصاية على الأحزاب السياسية وطريقة الانتخاب ونتائج الاقتراع وطريقة عيش وسلوك المواطنين. عندها خشي أركان هذا المحور من وجود نموذج إسلامي يتمتع بديناميكية متقدمة يشكل منافساً فعلياً مغايراً ومناقضاً لنظام إيران وأتباعه في لبنان والعراق والبحرين وحليفه في سوريا الذي بدأ مؤخراً يترنح أمام انتفاضة الشعب السوري رغم ما يتعرض له من مجازر وانتهاكات وتعذيب وسجن وطرد وتشريد واتهامات.

بناءً على هذا الواقع المستجد وخوفاً من نهوض الشعب الإيراني من كبوته متأثراً بهذا المشهد وانتفاضه على حكم الجهاز الديني في إيران، بدأت سلسلة اتهامات تطلق بحق الحركات الإسلامية من قبل أتباع هذا الحلف والمحور بطريقة عشوائية ومتناقضة وحتى أنها غير موضوعية مما يؤكد حالة الإرباك التي يعيشها قادة هذا المحور. وتراوحت الاتهامات التي تطلق بحق الحركات الإسلامية وغير الإسلامية بين الارتباط بالمحور الأميركي- الصهيوني، برعاية قطر والمملكة السعودية ودول الخليج، أو خضوع قيادة الإخوان المسلمين في العالم العربي لتوجيهات تركية رتبت ورسمت مسار الثورات ومستقبل العلاقات بين الأنظمة الجديدة والعالم الغربي، في حين حاول الإعلام نفسه في مناسبات أخرى وبشكل متناقض مع ما سبق اتهام القوى الإسلامية نفسها بالتطرف والتشدد وتبني أفكار وتوجهات تكفيرية والارتباط بتنظيم القاعدة مما قد يشكل خطراً على استقرار المنطقة وسكانها وشعوبها.

هذه الحملة الإعلامية التي يشنها إعلام حزب الله وأتباع المحور الإيراني على الحركات الإسلامية تبدو غريبة بعض الشيء بل حتى غير مفهومة أحياناً من قبل البعض إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المنطق الذي يطرح فيه حزب الله أفكاره ومبادئه والتزامه وارتباطه، وكذلك الأدبيات الوحدوية التي يقدم من خلالها حزب الله نفسه على انه رائدها والسباق إلى طرحها وتبنيها ولكن في حقيقة الأمر صورته هذه تتناقض مع حملته الإعلامية والاتهامات التي يطلقها إعلامه على لسان بعض السياسيين والإعلاميين الذين يستضيفهم على شاشاته ووسائل إعلامه أو من خلال شاشات وإعلام الحلفاء. صحيح أن هذه الحملة لا تطلق على ألسن قادة حزب الله وأركانه، ولكن منابره الإعلامية مفتوحة لكل من يريد اتهام قادة تركيا وقيادة الإخوان وسائر الحركات السلفية بكل ما هو شنيع من الصفات والاتهامات.

ورغم أن حزب الله يسعى وبدأب وبإلحاح إلى التواصل مع قيادة حركة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان وبعض الدول العربية الأخرى محاولاً تقديم نفسه للعالم الإسلامي وللحالة الشعبية في المنطقة على انه منفتح وحاضر لإقامة أفضل العلاقات مع محيطه، إلا أن المستهدف الأول في هذه الحملة هي حركة الإخوان المسلمين في لبنان وسوريا والعالم العربي والإسلامي، إضافةً إلى سائر التيارات السلفية والحالات الدعوية الإسلامية الأخرى، ويتطور الاتهام من الارتباط بمشاريع مشبوهة وصولاً للتحذير من خطر هذه الحركات التي يطلق عليها هذا الإعلام لقب "الأصوليات" في تلميح غير مباشر لخطورتها في تحذير مبطن للأقليات من خطر وصول هذه الحركات الإسلامية الأصولية إلى سدة الحكم في البلاد العربية.

وإذا كانت الأحزاب الإسلامية ذات الالتزام الديني والفكر العقائدي قد تشكل يوماً ما في حضورها على الساحة السياسية وفي التركيبة الحاكمة التي يفترض أن تأخذ طريقها للسلطة في قادم الأيام خطراً كما يقول هذا الإعلام على العيش المشترك والسلم الأهلي واستقرار الأقليات في منطقة الشرق الأوسط، فإن بنية حزب الله العقائدية هي أيضاً تستند إلى المبادئ الدينية، وفكر حزب الله يكرس هذا الفهم العقائدي في سلوكه ومساره وتربيته وثقافته. وطبيعة عمله السياسي في لبنان وتحالفاته مع بعض القوى في العالم العربي تؤكد أنه يسعى لخدمة هذا الفكر وهذه العقيدة، فلماذا لا يكون حضوره هو الأخر على الساحة السياسية مصدر قلق وخطر على العيش المشترك ووجود الأقليات الدينية وحتى على الأكثرية الدينية في المنطقة؟

ولإلقاء الضوء على ما ذكرنا نستشهد ببعض ما ورد في أقوال الشيخ نعيم قاسم: "وكما أن كلِّ اللعن والاستنكار على ظالمي أهل البيت إنما هو بأجمعه صرخة مدوية للشعوب في وجه الحكام الظلمة على مر التاريخ وإلى الأبد وربط الحاضر بالتاريخ الكربلائي، والانتفاضة على الواقع القائم، والتأسيس للإسلام الأصيل، وهذا ما يفسر معنى كل ما عندنا من عاشوراء، لأنه ربط للواقع بالواقعة التي حصلت في عاشوراء، للاستفادة من دروسها وعبرها لحياتنا. والقضية يجب أن تبقى حيَّة ومؤثِّرة لما تمثله واقعة كربلاء في إحياء القضية الإسلامية الكبرى لتعزيز الإسلام المحمدي الأصيل مفهوماً ومضموناً". هذا الكلام ربط الحاضر بالماضي ومعناه إعادة صياغة الخلاف التاريخي وإعطائه إضافةً للمفهوم الديني الذي يتم تغليفه، بعداً سياسياً ينطبق على الواقع الحالي يتم تظهيره في صورة خلاف سياسي بين المحاور الإقليمية المختلفة.

إذاً الخلاف الديني عاد ليبرز من جديد تحت عناوين سياسية تطلقها إيران ومحورها وحزب الله جزء من هذا المحور، والحملات الإعلامية هي ترجمه لهذا الخلاف والتباين، لذا من هنا نفهم تخوف حزب الله من وصول الحركات الإسلامية غير المرتبطة بإيران إلى السلطة في العالم العربي والإسلامي وبالتحديد في سوريا التي كانت انتفاضة شعبها السبب الرئيسي لكشف عمق الخلاف الديني وطبيعته التاريخية بين مكونات المجتمع، والتي يصر هذا الفريق على أن يبقيها حية حتى الساعة كما يقول نعيم قاسم، وهو في سياق كلامه جعل الإسلام مسارين أصيل ومنحرف، وهذا ما كان قد أشار إليه قبل فترة قريبة الشيخ محمد يزبك حين قارن بين معسكر أم المؤمنين عائشة ومعسكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وقد ذكر موقع بحريني في سياق تأكيده على ولاية الفقيه ودوره في السلطة كما أطلقها الخميني فقال: "إمامنا الراحل يؤكد على ولاية الفقيه فإذا أبعدنا تلك الولاية فلن تكون هناك حكومة إسلامية". فشرط الحكومة الإسلامية هو الولاية.

وحتى المواقف السياسية التي تطلق من قبل هذا الفريق نرى فيها تغليب للمصلحة السياسية المبنية على هذا التوجه والفهم الديني التاريخي مع غياب شبه كامل للحد الأدنى من المشاعر الإنسانية، وذلك حين استنكر بيان تجمع العلماء المسلمين تفجيرات دمشق وهي جريمة دون شك، وتجاهل جرائم النظام بحق الشعب السوري، وطبعاً باسم المقاومة وفلسطين بقوله: "لقد أثبتت التفجيرات الإرهابية وبالدليل الواضح أن سوريا مستهدفة أمنياً وسياسياً من أجل إسقاط دورها وريادتها في خط المقاومة والممانعة وموضوع الإصلاحات المرفوع ليس إلا وسيلة من وسائل المشروع الأميركي الصهيوني الذي تنفذه دول التخاذل العربي وتركيا، ويريدونكم أن تتخلوا عن مبادئكم التي يدعو لها دينكم وقوميتكم من خلال تخليكم عن فلسطين وعن الدعوة لوحدة العالم العربي فاختاروا الخط الذي تروا فيه صلاح أمتكم وسيادتكم ورضا ربكم."

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر