الراصد القديم

2011/12/04

هل ستقع الحرب ضد سوريا


أنا أقصد هل ستباشر القوات الأميركية والفرنسية والتركية والقطرية بضرب سوريا. سؤال بات يقل السوريين. صحيح أن الحرب بدأت فعلا من خلال قرارات الجامعة العبرية بزعامة أمينها العام الجديد نبيل العبري وصحيح أن التصريحات الإعلامية لمختلف المسؤولين العرب والغربيين تجري باتجاه عدم اللجوء للقوة العسكرية بشكل مباشر ولكن معرفتنا بالتاريخ وكذب السياسيين بشكل عام تجعلنا لا نثق بالتصريحات الرسمية.

كل الوقائع تشير أن الأمور تسير فعلا باتجاه العدوان العسكري المباشر. فلم يكن أحد يتوقع من أعداء سوريا المحليين والعرب والعالميين كان يتوقع أن يبقى النظام متماسكا بعد أكثر من ثمانية أشهر على بداية الأحداث وهذا ما بات يقلق كل هؤلاء الشياطين والذين يحالون بكل ما أوتوا من قوة من شيطنة نظام الرئيس بشار الأسد.

بل هم لم يكونوا يتوقعون أن يلتف أكثر من نصف السوريين على الأقل حول نظام الرئيس الأسد وأن تصبح مظاهرات التأييد عفوية وهو أمر غير معتاد في سورية ولكن السوريين بحدسهم السياسي المعروف فهموا أن الهدف هو إشعال سورية وليس قلب النظام فقط. الهدف غير المعلن لهذه الحرب هو فك التحالف السوري الإيراني وها هو برهان غليون قد فهم اللعبة فبادر إلى التصريح علنا بفك هذا التحالف في حال وصوله للحكم ما لم يفهمه بعد أن بلده فرنسا مستعد للاستغناء عن خدماته بمجرد انتهاء دوره والأمثلة كثيرة في التاريخ ليس آخرها الاستغناء عن خدمات بن علي ومبارك والقذافي وقبلهم صدام وشاه إيران بمجرد انتهاء أدوارهم.

لن أتحدث عن المقاومة والممانعة فكثيرون أشبعوا الموضوع درسا وبحثا ولكني سأتحدث فقط عن احتمالات الحرب لأسباب اقتصادية فقط. يعلمنا التاريخ أن الأسباب المباشرة للحروب غالبا ما تكون اقتصادية والأزمة الاقتصادية التي تعصف بأميركا وأوروبا تجعل احتمال مهاجمة سوريا قائماً بشكل جدي.

سوريا من الدول القليلة في العالم التي تتمتع باكتفاء غذائي وأمني واقتصادي. فهي غير مديونة للبنك الدولي وعجزها الاقتصادي مقبول جدا قياسا لدولة من حجمها. هي تصدر الغذاء والدواء والمياه لدول مجاورة لعل أهمها الأردن الذي يفتخر وزير خارجيته بأنه صوت مع كل القرارات ضد سورية ونسأله ماذا سيفعل الأردن إذا ما أوقفت سوريا كل أشكال المساعدة له؟ . إفلاس اليونان ليس إلا نقطة البداية لأزمة ستجتاح كل دول القارة الأوروبية وستضع كل الاتحاد الأوروبي في موضع الخطر. الإفلاس يهدد حاليا إيطاليا وبعدها اسبانيا والبرتغال وحتى فرنسا ليست بمنأى عن احتمال الانزلاق إلى الهاوية بل إن الخبراء الاقتصاديون الأوروبيون صاروا يقولون إن الأزمة الحالية قد تستمر لعشرة سنوات قادمة على الأقل. الاقتصاد الأميركي ليس أسن حالاً. كل هذا يجعلنا متشائمين.

فما المانع أن تلجأ تلك الدول إلى حرب يكون مسرحها دولة بعيدة عنهم تدفع كلفتها دول أخرى فأمير قطر صرح مؤخرا أنه مستعد لدفع تكلفة الحرب إن كان ذلك يؤدي لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد ( تقدر تكاليف الحرب ب 14 مليار دولار) ثم بعد كل ذلك ستلجأ دول الخليج إلى شراء السلاح من الغرب طبعا ليس لمحاربة إسرائيل وإنما لقمع المظاهرات عندهم كما حصل في البحرين والسعودية مؤخرا ولقصف الدول العربية التي ترفض أن تكون مجرد تابع لهم. حرب على سورية إذن ستكون لها فوائد اقتصادية لاتقدر بثمن للاقتصاد الأوروبي والأميركي.

نحن لانعرف حتى الآن ما نظريات المعارضين الاقتصادية. هل هم يريدون اقتصادا حرا على الطريقة الأميركية أم اقتصادا اشتراكيا موجها أم اقتصادا على الطريقة الإسلامية. نحن أصلا لا نعرف نظرياتهم السياسية فعدا عن مطالبتهم بالتدخل الأجنبي لا نعرف من مطالبهم إلا الشتائم التي يكيلونها للنظام السوري ولا نعرف أين تعلموا ذلك. برهان غليون لم يفهم حتى الآن وبعد أكثر من ثلاثين عاما من إقامته في فرنسا لم يفهم بعد أن الديمقراطية تعني %51 فقط وأن الذين ينزلون إلى المظاهرات لتأييد الرئيس بشار الأسد ليسوا قطيعا من الغنم كما صرح مؤخرا بل يجب أن يفهم أن معارضيه وأنا منهم يعتقدون أن مجلسه غير الكريم هو قطيع من عملاء الغرب ولا مكان لهم في سوريا.

ما هو الثمن الاقتصادي لهذه الحرب والذي يبج أن تدفعه سوريا. هو باختصار ربط الاقتصاد السوري بصندوق النقد الدولي والاقتصاد الغربي. بل أدعي أنه يمكن لسوريا تجنب الحرب في حال قبلت الآن ربط اقتصادها بالاقتصاد الغربي بعد فك تحالفها طبعا مع إيران وحزب الله.

ميلتون فريدمان (2006-1912 ) اقتصادي أميركي حاصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام (1976) وأستاذ في جامعة شيكاغو يعتبر أحد أهم المدافعين عن النظام الليبرالي الجر على الطريقة الأميركية. أسس جماعة تعرف باسم صبيان شيكاغو هذه الجماعة أهلت مجموعة من الاقتصاديين أصولهم من الدول الفقيرة وبشكل رئيس من دول أميركا اللاتينية هؤلاء (الصبيان) حاولوا تطبيق نظريات فريدمان إثر عودتهم إلى بلادهم فكانت النتائج كارثية بكل المقاييس والأمثلة كثيرة قد يكون أهمها أزمة الأرجنتين المعروفة. أنا أعتقد أن أحد أهم أهداف الحرب المحتملة على سوريا هو بناء اقتصاد سوري على طريقة فريدمان بصورة أوضح تدمير سوريا اقتصاديا وهو ما سيدمرها عسكريا وسياسيا واستراتيجيا ولعقود طويلة فهل يعي السدة المعرضون ذلك.

قلت في مقالات سابقة أن هدف الحرب المعلنة على سوريا ليس قلب نظام الرئيس الأسد بأي حال بل هو أكثر تعقيدا من ذلك. سورية كدولة مستقلة ذات سيادة وقرار وطني مستقل أمر يؤرق دوائر القرار العالمية أتمنى لو يعي المعارضون ذلك. أتمنى لو يعوا أنهم ليسوا لن أكثر من رأس حربة سيلفظهم الذين يستخدمونهم الآن بمجرد انتهاء أدوارهم.

باختصار قد أكون متشائما ولكني أخشى أن تكون الحرب قادمة فعلا وأن يندم الجميع حين لا ينفع الندم. وأصر أن أهداف هذه الحرب هي أهداف اقتصادية بالدرجة الأولى حرب سيكون وقودها السوريون والعرب وسيكون المستفيد الأكبر منها الكارتلات العالمية
أسعد سعادة

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر