الراصد القديم

2011/12/03

آسيا تايمز:هل تتجه سورية نحو انقلاب عسكري؟


لا تؤدي الجيوش دوماً دور الخادم المطيع للنظام بقدر ما تدّعي، ففي بعض الأحيان، تتحرك تلك الجيوش وفقاً لمصلحتها الخاصة، فتطرح في العادة أفكاراً مبهمة عن الشرف والفضيلة والواجب.

اتخذت الانتفاضة في سورية منحىً عنيفاً في الأسبوع الماضي وبدأ نظام بشار الأسد يضعف فعلاً، فقد حصل المدنيون على الأسلحة وأطلقوا حملة مقاومة مسلحة، وبدأ الجنود السوريون ينشقون عن النظام ويشكلون “الجيش السوري الحر”، وبعد أن صوتت جامعة الدول العربية، يوم الأحد، على قرار فرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية ضد دمشق، اتسع نطاق القتال ليشمل البلد أجمع بين الأغلبية السنّية والأقلية الشيعية.


غالباً ما يؤدي النظام المتداعي والعنف المتزايد إلى انقلاب عسكري، ولطالما كان هذان العاملان شائعين في معظم الدول النامية خلال فترة الخمسينيات والستينيات، وقد بدأ هذا الوضع المعقد يظهر في مصر منذ الخريف الماضي، ويبدو أن سورية تستعد لمواجهة الوضع نفسه الآن، إذ ستؤدي موافقة جامعة الدول العربية على فرض العقوبات (وهي سابقة لم تحصل في تاريخ الجامعة طوال 66 عاماً) إلى زيادة الضغوط على الأسد.

تدهور الوضع

يواجه نظام الأسد أعمال عنف من جهات متعددة، فقد تسلح المدنيون في معسكر المعارضة بأسلحةٍ اشتروها من الأسواق اللبنانية ومن غرب العراق عن طريق جماعات “الإخوان المسلمين” وشبكات التهريب التي ربطت نفسها بحركات التمرد. ولم تعد قوى الأمن السورية قادرة على إطلاق النار على الحشود خشية الرد عليها من أسطح المباني والنوافذ، ولم تعد تستطيع التنقل من بلدة إلى أخرى من دون الخوف من التعرض للاعتداءات.

في الأسابيع الأخيرة، انشق آلاف الجنود عن النظام (لم يتضح عدد المنشقين بدقة بعد) وشكلوا “الجيش السوري الحر”. يُعتبر هذا الجيش أفضل من القوى المدنية المقاتلة من حيث التدريب والمعدات، وهو ينفذ اعتداءات على المباني الحكومية في دمشق ويزرع الكمائن المميتة بين المدن المضطربة. بالتالي، لم يعد النظام يستطيع الاتكال على الدعم القوي من القوات المسلحة.

على صعيد آخر، تنتشر أعمال العنف الطائفية في بعض المدن، وتتعرض الفئات العلوية التي تنتمي إليها النخبة السياسية والعسكرية والمهنية الموالية للأسد للاعتداءات وأعمال الترهيب. تعيدنا هذه الأحداث بالذاكرة إلى أول أيام القتال الطائفي بعد سقوط صدام حسين في العراق، في عام 2003، ما أدى حينها إلى اندلاع حرب طائفية مدمرة.

هرب حتى الآن مئات آلاف السنّة العراقيين في سورية من الحرب والاضطرابات وعادوا إلى بلدهم الذي يخضع الآن للسلطة الشيعية. لا شك أن الكثيرين منهم سيدعمون السنّة السوريين ضد الشيعة داخل النظام وخارجه، وستساهم روابطهم مع المقاومة السنيّة في بغداد في توفير إمدادات وأسلحة مفيدة ومقاتلين مدرَّبين.


تبلغ نسبة الأكراد 10% تقريباً من أصل 23 مليون سوري، لطالما تحمل الأكراد أعمال القمع وهم سيسعون على الأرجح إلى الانفصال عن شمال شرق سورية ليصبحوا جزءاً من المنطقة الكردية في شمال العراق. استفاد الأكراد العراقيون من سقوط صدام حسين للانفصال عن العراق، فابتكروا علماً مغايراً ودستوراً مختلفاً وجيشاً مستقلاً. عملياً، يشكل هؤلاء الأكراد دولة مستقلة، ولا شك أنهم سيرحبون بضم جزء من سورية إلى منطقتهم. تشمل منطقة شمال شرق سورية معظم موارد النفط السوري، وستصبح كردستان الغنية بالنفط أكثر قوة وغنى وسيزداد اهتمام الغرب بها بعد ضم الجزء السوري إليها.

الرؤية العسكرية

لا تؤدي الجيوش دوماً دور الخادم المطيع للنظام بقدر ما تدّعي، ففي بعض الأحيان، تتحرك تلك الجيوش وفقاً لمصلحتها الخاصة، فتطرح في العادة أفكاراً مبهمة عن الشرف والفضيلة والواجب. تكرّس قيادة الجيش السوري نفسها عموماً لخدمة نظام الأسد. ويحصل الضباط الموالون على مكافآت وترقيات، وهم يتوقعون الحصول على مناصب لا تتطلب منهم أي جهد شاق في قطاع الأعمال التابع للنظام عند تقاعدهم (كما يحصل مثلاً مع نظرائهم في الجيشَين المصري والباكستاني).

قد يجد الضباط الآخرون أن مصلحتهم تقتضي الابتعاد عن دمشق، حيث يوشك النظام على السقوط، والتركيز على خدمة المصلحة الوطنية وتحديداً بعد أن بدأت العقوبات الجديدة تؤثر في قطاع الأعمال. بالتالي، لم يعد النظام قادراً على فرض القانون ومنع الفوضى كونه السبب الرئيس للاضطرابات، ولم يعد يستطيع أن يضمن سيادة الحدود الوطنية. وإذا انفصلت المنطقة التي تنتج النفط عن البلد، فسيضعف الاقتصاد الوطني للغاية. فضلاً عن ذلك، يؤدي حكم الأسد إلى التفكك التدريجي للمؤسسة التي تهمّ الجيش أكثر من أي شيء آخر، أي المؤسسة العسكرية.

بالنسبة إلى الضباط السوريين، يبدو أن الاعتبارات الوطنية والمؤسساتية الخاصة تجعل من خيار الانقلاب العسكري احتمالاً وارداً، ففي هذا الإطار، يبرز سيناريوهان منطقيان: انقلاب جماعة النخبة أو انقلاب تنفذه جماعة مدعومة وأوسع نطاقاً.

سيشمل أي انقلاب من تنفيذ النخبة الحاكمة عدداً من كبار العسكريين والسياسيين ورجال الأعمال الذين سيطيحون بالأسد وربما بعض الشخصيات المرموقة الأخرى سواء تم ذلك بموافقتهم أو من دونها، وقد يُرسَل الأسد إلى المنفى أو يوضَع تحت الإقامة الجبرية، مع أن احتمال إسقاطه بشكل نهائي يبقى ممكناً بنظر الموالين البراغماتيين.

الأسد ليس شخصاً أو زعيماً قوي الإرادة، إذ كان متدرباً في مجال طب العيون ولم يكن ينوي خلافة والده في منصب الرئاسة إلى أن قُتل شقيقه الأكبر في حادث سيارة في عام 1994. ثم نُصّب سريعاً خلفاً لوالده وحظي بمناصب صُوريّة في الدولة والجيش وبحملة إعلانية واسعة.

غيّر الأسد أجزاء من النظام بعد أن وصل إلى الرئاسة في عام 2000، عندما بدأ بتطبيق الإصلاحات الاقتصادية، فاستبدل المسؤولين الحزبيين بخبراء تقنيين مدرَّبين، كما أنه ألمح إلى إجراء إصلاح ديمقراطي في المستقبل من دون تحديد موعد معين. لذا اعتبره بعض المسؤولين الأكبر سناً في النظام تهديداً عليهم قبل بدء الانتفاضات في الربيع الماضي بفترةٍ طويلة وقد يكونون مستعدين للإطاحة به.


سيكون أي انقلاب مماثل بمنزلة تغيير جذري وانتصار للمعارضة الشعبية. عندئذٍ، سيدعو القادة الجدد إلى الهدوء ودعم النظام الجديد. لكن قد يثير هذا الوضع استياء الأقلية العلوية والفئات الأخرى التي استفادت من حكم الأسد على مر العقود، وجميع الأشخاص الذين يعتبرون أن تحرك المعارضة سيؤدي إلى حرب أهلية وصراع طائفي وغزو أجنبي.

يمكن أن ترحب إيران و”حزب الله” بهذا الانقلاب باعتباره الطريقة الوحيدة للحفاظ على ارتباطهما بالنظام الجديد في دمشق، أما روسيا والصين، فستدعمان هذا الخيار ولكنهما ستشككان حتماً بقدرة ذلك النظام على الصمود. من المستبعد أن ترحب المعارضة السورية بهذا النوع من النظام أو أن تعتبره جديداً أو قابلاً للصمود. عملياً، ستكون هذه الخطوة مؤشراً على ضعف النظام، بل إنها ستقوي المعارضة وتسرّع الانشقاقات من الجيش.


يرتكز أحد سيناريوهات الانقلاب المحتملة على تحرك جزء أكبر من الضباط، بمن فيهم الجنرالات الرفيعي المستوى. يعتبر هؤلاء الضباط أن النظام القائم يعيق ترقيتهم إلى رتب أعلى بسبب تفضيله ولاء حزب البعث والفئات العلوية، وبالتالي، قد ينضمون إلى الأغلبية السنّية أو إلى بعض شرائح المعارضة التي تشعر أيضاً بقمع النظام.

كذلك، ستستفيد المملكة العربية السعودية من الانقلاب الذي يطيح بالعلويين والنظام الموالي لإيران، لدرجة أن هذا الاحتمال أصبح على الأرجح قيد التداول بين الاستخبارات السعودية والشبكات السلفية التي تحظى بتمويل سعودي داخل سورية (ولبنان). سيكون تفكيك الروابط السورية الإيرانية القائمة منذ فترة طويلة لطمة موجعة في وجه طهران، وستحصل المملكة العربية السعودية بذلك على تعويض جزئي عن المكاسب التي حققتها طهران نتيجة سيطرة الشيعة على العراق بعد حقبة صدام. كما أنها قد تنضم إلى المنطقة السنّية في غرب العراق لمعارضة إيران والعراق الشيعي.


يصعب التخطيط للانقلاب من أي نوع، والأصعب هو تنفيذ خطة الانقلاب بنجاح. سبق أن وصل حكام دكتاتوريون كثيرون (مثل جمال عبدالناصر، ومعمر القذافي، وصدام حسين، وحافظ الأسد) إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، ففرضوا ضمانات لمنع أي عقيد طموح آخر من احتكار السلطة بالطريقة نفسها، لذا يخضع الضباط للمراقبة الدائمة للتأكد من ولائهم، وفي الأوقات العصيبة، يكثف النظام مراقبته للضباط.

لكن حتى الانقلاب الذي يقوده الضباط بهدف الإصلاح وإنشاء نظام تمثيلي سيكون مشبوهاً، إذ يشك الشعب السوري، مثل شعوب العالم العربي عموماً، بنوايا الجنرالات الذين يدّعون أنهم يقفون في صف الشعب، فهم يبدون مستعدين لإسقاط حاكم دكتاتوري أو جنرال أو أكثر بهدف الحفاظ على مناصبهم العليا أو توسيع نطاق نفوذهم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر