الراصد القديم

2011/12/05

قصّة الاختراق الكبير لـ «حزب الـله»


…شخصيّة متمالكة… متماسكة… حضور مثير ومفاجئ، ذاكرة متّقدة تحفظ التواريخ والأرقام بشكل دقيق ومتقن وتسلسليّ… لعلّ هذه الصفات من أهم ما ميّز شخصيّة وحضور «رجل الصفّ الأوّل» أو «الرجل الخطير» الذي أربك صفوف «حزب الله» وأثار المقاومة بعد خرقها نظراً لوضعه وموقعه السياسيّ والدينيّ المتقدّم، وخصوصاً في صفوف الحزب.

حارَ الإعلام العربيّ لكشف هويّته الفعليّة والغوص فيها، ولرصد مهمّته بعدما كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة، وحتى على لسان الأمين العام للحزب « السيّد حسن نصرالله » شخصيّا عن الاختراقات المهمّة التي حصلت في صفوف « حزب الله ».

لعلّ « سماحة السيّد محمد علي حسيني » هو من قلائل المتّهمين المتعاملين مع إسرائيل إنْ لم نقل « الوحيد » الذي لم يتعرّض لأيّ « إكراه » أو تعنيف أثناء التحقيق معه، ليس لمكانته الدينيّة فحسب بل لسرّ يكمن في شخصيته ولِحدّة ذكائه وحنكته التي تبهر محاوره كائنَ من كان… من هو هذا الإنسان الذي أربك المحكمة خلال استجوابه على حدّ قول محاميه الأستاذ « إيلي محفوظ » فجعلت رئيس المحكمة يسأله مراراً عدّة: » لِمَ أنت مرتاح لهذه الدرجة؟ فحتّى ارتياحه النفسيّ جعل المحكمة مرتبكة لتسأله مرّات عدة: « هل أنت فعلاً على عِلم ودراية بأهمّية التهمة الموجّهة إليك؟ فكان يجيب مبتسما واثقا.

« أنا عالم بالطريق التي سأصل اليها، لذلك أنا مرتاح وواثق من براءتي » وفوجئوا لمّا وقف السيّد الحسيني أمام هيئة المحكمة وشكر ضبّاط وزارة الدفاع الوطني على تصرّفهم « اللائق والمهني » تجاهه، بعد أن تمّ استدعاؤه الى وزارة الدفاع في اليرزة والتحقيق معه لمدّة 33 يوما، فأسندت اليه نصّ المادة 272 من قانون العقوبات اللبناني.

من هو السيّد « محمد علي الحسيني؟

• هو مؤسّس مركز بني هاشم العربي في الشرق الأوسط.

• هو مشرف دينيّ لكلّ مواقع المقاومة ومواقع الشيعة في الشرق الأوسط، وأستاذ في العلوم الدينيّة.

• مُحاضر في البحرين والسعودية وإفريقيا، وتحديدا في « التبليغ الديني ».

• هو ممثّل المجلس العربي الإسلامي وأمينه العام الذي أسّس في العام 2006 على فكرة توحيد خطّ العروبة ووأد الفتنة بين السُنّة والشيعة ».

• تلقّى علومه الدينية في إيران في مدينة « قم » من العام 1987 حتى العام 2003 « وبالتالي اصبح المرشد الروحيّ لمقاتلي « حزب الله ».

• يتكلّم الفرنسية والانكليزية والفارسية واليوغوسلافية بطلاقة، بالاضافة الى العربيّة!

• متخصّص في تقييم الأوضاع الامنيّة، ووضع الدراسات الاستراتيجيّة في الحماية والأمن.

• خضع لتدريبات عسكريّة من قبل جهاز المخابرات الإيرانيّة والحرس الثوريّ الإيراني تحديداً في المتفجّرات وتصنيعها.

• كان على علاقة قويّة مع ضبّاط الارتباط في المخابرات الإيرانيّة وكوادر الحرس الثوري.

• إدّعى أنّه كُلّف بمهام مع الحرس الثوري الإيراني في إيران.

• قريب جدّاً من « السيّد حسن نصرالله ».

• تمّ خرقه من قِبل الموساد الإسرائيلي من العام 2003 وحتّى العام 2011.

• يقطن في الضاحية الجنوبيّة قرب مجمّع سيّد الشهداء في مبنى يشغله « حزب الله » وأجهزة المراقبة التابعة له، وهو على تواصل يوميّ مع العناصر الأمنيّة لحزب الله، وبالتالي فإنّ تعامل هذا السيّد يشكّل خرقاً إسرائيليّا كبيراً للحزب!

كيف تمّ القبض عليه؟

تمّ القبض على السيّد محمد علي الحسيني بفعل رصد الاتّصالات الخلويّة من أرقام بريطانيّة تبيّن أنّها أرقام مشبوهة، إذ إنّ نفس هذه الأرقام اتّصلت بعدد كبير من العملاء الذين سبق وألقي القبض عليهم، ومنها تحت أسماء جمعيّات إنسانية موجودة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وفي إطار أسفاره واتّصالاته لإلقاء المحاضرات في إيطاليا وإيران رصدته مخابرات الجيش وأوقفته.

نصرالله ألبسه العمامة

يُعتبر السيّد محمد علي الحسيني اليوم من أخصام حزب الله في السياسة. مواقفه منذ 2005 بدأت تتضارب مع مفهوم الحزب وغايته ويجاهر بها علنيّة، ويعلن أنّه ضد ولاية الفقيه! فما هي الظروف التي جعلته يغيّر مواقفه السياسيّة، عِلماً أنّ السيّد حسن نصرالله شخصيّا قد « عمّمه »؟

يقول المحامي محفوظ إنّ الحسيني أجاب بنفسه عن هذا الموضوع أثناء استجوابه فقال: « إنّه معارض لسياسة حزب الله، وهو يعارض ولاية الفقيه، وليس خجولا بإعلان ذلك »، بالإشارة الى أنّ لديه كتابات تفوق الـ 40 كتابا وأكثر من الـ 300 محاضرة حول العالم، يحمل فيها « راية تثبيت وتأكيد عروبة الشيعة في لبنان. » وهذا الخلاف العقائديّ ربّما أهمّ وأبرز ما أزّم الأمور بينه وبين حزب الله.

القرار الظنّي بحقّ علي الحسيني اتّهمه بالمادة 272 عقوبات (تعامل) و72 من قانون الأسلحة.

وتبيّن أنّ الإسناد القانونيّ بحقّ السيّد الحسيني قائم على ركيزتين:

الاولى: إعطاء معلومات عن حزب الله لدولة عدوّة.

الثانية: إعطاء معلومات لجمعيّة أجنبيّة عن عناصر مخابرات أجنبيّة تعمل على الأراضي اللبنانيّة…

لكنّ الحسيني أبدى مفاجأته بهذه الاتّهامات خلال استجوابه، وكان الملفت حين سألته المحكمة إذا تقاضى أموالاً من الخارج، فجاء جوابه صاعقاً حين قال: « أكيد أنا أخذت أموالا من السعودية والبحرين، ولكن أجيبوني أنتم: هل هذا الأمر محظور في القانون؟ كما أكّد علاقاته واتّصالاته مع الخارج وتحديدا مع بريطانيا وفرنسا. وكشف الحسيني أنّه اجتمع بأشخاص من السفارة الأميركيّة في لبنان، مُشيراً إلى أنّه « لم يقم بها خِفية » موجّهاً مجدّداً السؤال الى المحكمة: « أنتم أجيبوني: هل هذا الامر محظور ايضا في القانون اللبناني؟

كما كشف في الجلسة العلنيّة للمحكمة أنّه « تناول الغداء مع المستشار الأوّل في السفارة الأميركيّة في اوتيل الـ »موفنبيك » على مرأى من الجميع، وقال: « هل في الأمر عيب أو خرق للقانون؟ » وأعلن الحسيني أمام المحكمة انتماءه وتأييده « لمجاهدي خلق » الإيرانيّة المناوئة للنظام، مكرّراً سؤاله لأفراد هيئة المحكمة إذا كان هناك موانع قانونيّة تحظر انتماءه أو تأييده لمجاهدي خلق. هذا الذي أعلنه في الاستجواب العلنيّ.

لكنّ الزبدة تكمن في الجلسة السرّية التي طالب بها الحسيني، وكان له ما أراد، فاستمرّت هذه الجلسة لمدّة ساعتين ونصف الساعة في غرفة مجاورة لقاعة المحكمة، حضر فيها الحسيني ووكيله ورئيس المحكمة والمستشارون حصريّا. كشف خلالها الحسينيّ بمعلومات خطيرة وخاصة وسرّية جدّاً تمنّع أحد محاميه الأستاذ محفوظ عن البوح بها التزاما بالحفاظ على سرّيتها، لكنّه بالمقابل كشف أنّ المفاجآت ستتوالى في جلسة المحاكمة المقبلة أمام المحكمة العسكريّة الدائمة التي، وفي رأي محفوظ، سوف تعلن براءة موكّله.

ماذا كشف الحسيني في الجلسة السرّية؟

معلومات الى « الجمهورية » كشفت أنّ سبب طلب الحسيني استجوابه بالطريقة السرّية أمام هيئة المحكمة فقط، يعود إلى حجّة الحرص على أمنه الشخصيّ وسلامته! بالتالي، فإنّ مجرّد الطلب لهكذا جلسة يكون كلّ ما أدلى به الحسيني في جلسة علنية ليس المطلوب ولا يشكّل الدليل الذي سيبنى عليه حكم المحكمة! ويكون بذلك قد أكّد على الخرق الإسرائيلي لحزب الله. وإلّا فما هو الداعي لإجراء جلسة سرّية لاستكمال استجوابه؟ ما يعني أنّ المعلومات التي أدلى بها هذا « السيّد » أمام هيئة المحكمة على قدر من الخطورة والاهمّية التي ستعرّض حياته للخطر فيما لو ظهرت اعترافاته للعلن.

• كشف الحسيني أنّه تعامل مع الموساد لاختراق « حزب الله » في لبنان، ولكن على خلفية اختراق الموساد وليس العكس.

• تعامل مع المجلس الإيراني المعارض لخرق الحرس الثوري الإيراني.

• تعامل مع « الجبهة الديموقراطية لتحرير الأهواز » المعارضة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

• أنشأ ثلاثة مراكز تجسُّس له: الأوّل قرب مجمّع « سيّد الشهداء » في الضاحية الجنوبيّة، الثاني في حارة حريك، والثالث في صور تحت عنوان « الإرشاد والتبليغ ».

• رفع تقارير دوريّة سياسيّة حول الوضع في لبنان للمنظّمات الأجنبية التي يديرها الموساد وتقارير سياسيّة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن النظام في إيران، وهو في الوقت ذاته واحد من أبرز المرشدين الروحيّين في حزب الله.

مَن بدّل موقف الحسيني؟ متى وكيف ولماذا بدّل الحسيني موقعه وقرّر خرق « حزب الله »؟

في الجلسة السرّية، علمت الجمهورية أنّ الحسيني كشف أنّه في إطار أسفاره لإلقاء المحاضرات في إيطاليا وإيران وفرنسا والعراق وبريطانيا وإفريقيا وألمانيا تمّ الاتّصال به من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كما من جمعيّة « مجاهدي خلق » وجمعيّة اسمها « ولد للحرّية »، كما تواصل مع الشيرازيّين أيضاً، وبدأ العمل معه من قِبل تلك الجمعيّات والمجالس على فكرة « لقاء الأديان »، إنّما فعليّا فقد كان السيّد علي الحسيني على اتّصال بالمقاومة المناوئة للنظام الايراني، والمخابرات الاسرائيليّة.

• بدأ العمل معهم منذ العام 1991 حتى تاريخ توقيفه، فأصبح على تواصل مع « اغازاد محمد علي » وهو المسؤول السياسيّ لجمعيّة مجاهدي خلق.

• تواصلت معه المخابرات الإسرائيلية عبر جمعيّات موجودة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا.

• نقل الحسيني معلومات قيّمة الى المخابرات الاسرائيلية و »المقاومة الوطنية » في إيران، تتعلّق بكوادر حزب الله وعملهم السياسيّ وأمنهم الشخصيّ، كونه يسكن في عمق الضاحية، وهو على تواصل يوميّ مع العناصر الامنية لحزب الله.

في التفصيل القانونيّ

النيابة العامّة العسكرية ادَّعت بتاريخ 14/1/2011 على السيّد محمد علي الحسيني بالتعامل مع العدوّ واحالته أمام قاضي التحقيق العسكري الأوّل رياض ابو غيدا، إلّا أنّ التحقيقات انتهت الى قرار بمنع المحاكمة عنه بجرم التعامل، وكفّ التعقّبات.

• إستأنفت النيابة العسكرية القرار أمام محكمة التمييز برئاسة جوزيف سماحة، فأصدرت قرارا بتاريخ 6/9/2011 فسخت فيه قرار قاضي التحقيق العسكري واتّهمت الحسيني بجرم التعامل مع إسرائيل واحالته الى المحكمة العسكرية الدائمة التي عيّنت جلسة بتاريخ 20/1/2012 للمحاكمة.

المحامي محفوظ قال لـ »لجمهورية » إنّه متأكّد من براءة موكّله، موضحاً بأنّه يشكّل « ضحيّة » نظراً لوضعه وموقعه السياسيّ والديني المتقدّم في صفوف حزب الله، نافيا مقولة إنّ حزب الله قد فبرك هذه التهمة لموكّله لأسباب سياسيّة، لكنّه أكّد من موقع المدافع عن موكّله بأنّه مَعنيّ بإثبات براءته التي تأكّد منها بعد الاطّلاع على الملفّ، لكنّ فرضيّة « الفبركة » لا يمكنه إثباتها أو نفيها، مُشيرا في الوقت نفسه الى أنّ جميع الاحتمالات تبقى واردة، موضحا أنّ الأمور الشخصيّة والمنهجية والسياسية لموكّله لا علاقة له ولا للآخرين فيها، فهو حرّ في انتماءاته الفكريّة. كما أكّد محفوظ أنّ مهمّته كمحامٍ محصورة في الشقّ الذي يثبت عدم تعامل موكّله مع إسرائيل.

وفي السياق عينه، كشف محفوظ أنّ موكّله لم يخجل ولم يُخفِ قبل توقيفه أنّه ذهب الى السعودية والتقى بالملك فهد عبدالله، كما ذهب الى البحرين، والتقى الملوك والأمراء والرؤساء، وذهب الى بريطانيا وألقى محاضرات وتكلّم فيها عن ضرورة الانفتاح على الطائفة الشيعيّة في لبنان. وأضاف أنّ السيّد الحسيني لا يخجل بعلاقته مع « مجاهدي خلق »، وحزب الله يعلم بكلّ هذه الامور، وبالتالي، إنّ سياسة الحسيني لم تكن مخفيّة وجاهرَ بها علَنا، وهذا الامر بالطبع لا يناسب حزب الله الذي في الاصل يضع كلّ شخص في شبهة إذا خالف نظريّاته العقائديّة، ولكنّه في المقابل لا يجزم بأنّ قضيّة الحسيني « مركّبة »، إذ يكشف أنّ الجيش هو الذي استدعى الحسيني وأوقفه وحقّق معه وليس الحزب.

والمُلفت أنّ محفوظ كشف أنّ لدى وكيله كُتباً ينبّه فيها الى كيفية دخول الاسرائيلي الى مجتمعاتنا الشرقية، وكيف يخرقها بواسطة عملاء له في الداخل!

وتوقّع أن تشكّل جلسة المحاكمة في 20/1/2012 « مفاجأة نوعيّة مع ما يمكن أن تتضمّنها من معلومات جديدة حتى على المحكمة ». كاشفا أنّه، وفي مرافعته لم ولن يستند الى عملية ربط سياسيّة، فالذي يعنيه في موضوع الحسيني هو الشقّ القانونيّ البَحت لإثبات براءته. وأنّ « المعطيات الجديدة والمعلومات الخفيّة ستساعد الحسيني على تثبيت براءته ».

واعتبر محفوظ « أنّ الأمر الوحيد الذي سيساعد الحسيني على إثبات براءته هو « نفسه »، لأنّه وبرأي محفوظ « مختلف – حادّ الذكاء – متّقد الذهن – صلب – جاهز – وحاضر – أبهرَ المحكمة حين لم يُخطئ في الإجابة على أيّ من الأسئلة التي وُجّهت إليه.

وبالتالي، فهو سيساعد نفسه في إثبات براءته في أقواله النهائيّة التي … لا أحد يدري إذا كان سيُدلي بها علنيّة أو… في جلسة سرّيّة أخرى.



مرلين وهبة -الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر