الراصد القديم

2011/12/19

سرقة ومخدّرات ودعارة.... «ابتسم» أنت في«النبعة»

«عمليات سرقة وتشليح و«تلطيش البنات»، حبوب الهلوسة، وأبر المخدّرات وبيوت الدّعارة... على نحو ساخط ومعمّم»، مشهد اقتحم منطقة «النبعة - برج حمود» أخيرا، وهدّد أهاليها، ما دفع البلدية إلى اتخاذ قرار بطرد العمّال الأجانب، من أكراد وغيرهم، القاطنين هناك من دون أوراق ثبوتيّة.

شهران مضيا تقريبا على قرار طرد "الأجانب" من "النّبعة"، وعلى رغم الإجراءات المتخذة، إلّا أنّ معظم سكان المنطقة لا يزالون غير راضين على البيئة التي يعيشون فيها... بيئة يؤكّدون أنها "لم تعد بيئتهم!" وفي وقتٍ لا يوجد إحصاءٌ دقيق لعدد هؤلاء، تشير المعلومات إلى أنّهم بالمئات، ما يخلق أزمة تتعلّق بصعوبة تأمين مساكن لهم...

يدفعك الفضول إلى التوجّه إلى "النبعة"، إلى قلب هذا الحيّ، الذي نما على ما يبدو، ليصبح أحياء كثيرة، حيث تختلط الحضارات والتقاليد والطوائف والطقوس... ينمون عشوائيا كالفطر، في بيئة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الخدمات! ففي هذا الحيّ الشهير، الممتدّ على كيلومتر تقريبا، حيث يتخطّى عدد السّكان المئة وخمسين ألف نسمة، يشكّل الفقر والإهمال والحرمان سماتِ ما يعانيه أبناء "النبعة". لا بدّ من هذه المقدّمة المطوّلة، لتكون مفتاحا يسمح لزائر المنطقة بدخولها من باب العارف. ففي الشّكل، وُضعت للمنطقة بعض المساحيق التجميليّة. وُسّعت بعض الطرقات وزُيّنت بعض المستديرات "الخارجية" بالورود والأشجار، لكن كلّ ذلك لم يغيّر في "الجوهر".

سكّان "النّبعة"

تعيش كلّ عائلة في منطقة "النبعة"، في منازل صغيرة مشرّعة على أزقّة تمتزج فيها الأمطار بالمجارير والنّفايات، فضلا عن كونها مشرّعة على منازل أخرى ملاصقة لها، بحيث يصحّ الكلام عن "تجاوز" أكثر منه تعايش، وخصوصا عندما يكون الآخرون "آخرين" من عمّال أجانب سوريين أكراد، إلى عراقيين ومصريين وسودانيين، وأثيوبيات وسريلانكيات وحبشيات، فهندوس وبوذيين وغيرهم... واللافت أنّ كلّ عشرة منهم أو أكثر يقيمون جماعيّا في غرفة واحدة يستأجرونها، وتكتظّ بهم. أمر لا يُصدّق! 15 شخصاً في غرفة واحدة، أجانب كانوا أم لبنانيين، أمر غير مقبول إنسانياً... ولكنّه الواقع!

فكان الإعلان الأخير، الذي نقل الأزمة من كونها تفصيلاً إدارياً بين البلدية ومالكي الأبنية، إلى خلاف بين الأخيرين والمستأجرين عندهم. المالك لا يربح إذا أجّر عائلات، بقدر ما يجنيه من "الأجانب". فتجد جميع المالكين يؤجّرون ما تسنّى لهم من غرف إلى "أجانب"، كونهم في هذه الحال يقبضون "على الراس"، كما يقول فادي، الذي يؤكّد أنّ "القيمة الواجبة على الفرد تتراوح بين 50 و60 دولاراً أميركياً. وإذا افترضنا الرّقم الأقلّ، وضربناه بمتوسّط عدد "سكان الغرفة"، يصبح الإيجار 750 دولاراً شهرياً لغرفة رخيصة في حيّ مُهمل، لن تقوى أي عائلة على دفعه. ولهذا السّبب، ارتفعت أخيرا الإيجارات في شكل ملفت، حيث بلغت الأجرة الشهرية للغرفة ومنتفعاتها ما يعادل الـ400 دولار على أقل تقدير".

ووفقا لمصدر في البلدية، كان المالكون "يتلاعبون بالسّجلات ويسجّلون الغرفة باسم عاملٍ واحد، لكونه يحظى بإقامة شرعيّة"، ويدفع الآخرون "على الطريقة اللبنانية".

"أمّا الإعلان المُلصق على جدران المباني والذي تلفت فيه البلدية إلى أنها ستضع حدّاً للتّلاعب وستُجري كشفاً دورياً على الشّقق المستأجرة"، فتوضح أم أحمد، أنه "إجراء غير مكتمل وشكليّ. إذ إنّ المالكين، غير الآبهين بالتفاصيل الناتجة عن الاكتظاظ، عادوا في اليوم التالي، لتأجير شققهم لأكثر من ثلاثة عمّال، وبالتالي لم يتغيّر شيء".

الاكتظاظ يبدأ بعد الخامسة، حين يعود العمال إلى مساكنهم المدقعة. وخلال جولة في الأزقّة، يشعر الزائر "بالفعل" بالحذر "الشديد"، إذ "يخيّل له أنّه ليس في لبنان"، حسب ما يؤكّده أقرباء إحدى العائلات السّاكنة هناك، والذّين يزورونهم "مرّة كل سنة".

وفي حين تشير ريتا إلى أنّ "وجود غرباء كثر جعل العائلات اللبنانيّة يفضّلون عدم السّكن في النبعة"، يوافقها أحمد ويقول: "يزداد الاكتظاظ ويتضاعف في عطل نهاية الأسبوع، عندما يتوافد أيضا عمال أجانب من خارج المنطقة، للتّلاقي والتعارف والتسوّق والترفيه، حيث يدير بني جنسهم أسواقا ومطاعم تتوافر فيها سلع رخيصة ومآكل من بلدانهم. لقد أصبح الشارع كلّه لهم، وكلّ المحلات تحت إدارتهم وتصرّفهم، ونادرا ما تجدين محلا صاحبه لبنانيّ".

ويتدخّل جاد ليقول: "ازدادت وقاحة السّارقين، في ظلّ غياب الحرس البلدي الذي لا يمرّ في شوارع "النبعة"، بل يبقى مستنفراً ومرابطاً في شوارع برج حمود".

"منذ ستة أعوام تكاثر الأجانب في برج حمود وفي النبعة تحديدا"، يؤّكد علي ويتابع: "لطالما شكا أهالي المنطقة من "تحرّشات" متواصلة يقوم بها العمّال، وقد ضاقوا ذرعاً بتجاوزاتهم". ويسرد علي فيضاً من الحوادث، تبدأ بالاعتداء على صبيّة هنا، و"محاولة التحرّش" بأخرى هناك. هذا عوضا عن "الضجة والموسيقى وإقلاق الراحة حتى في السّاعات المتأخرة من اللّيل، وأيضا الشّرب حتى الثّمالة على قارعات الطّرق، وغيرها من ممارسات بعيدة من الآداب العامة".

وتقول السّيدة منال: "حتى الشباب اللبنانيين باتوا يصاحبون "الغريبات" من فيليبينيّات وحبشيات وغيرهنّ، والبعض يعيشون معهنّ". بدورها، تؤكد السيدة علياء أنّ "المدخل الجنوبي لـ"النبعة" تحوّل إلى مكبّ هائل للنفايات على تقاطع لثلاث نقاط وهو أمر مستهجن لا منطق فيه".

أمّا من ناحية الأرصفة، "فحدّث ولا حرج" حسب ما يصف نبيل، "فهي إمّا أكل الدهر عليها وشرب، وإمّا أصبحت مرتعاً لمعدّات كراجات التصليح ومحلات الخضار وما شاكل". السيدة راوية أشارت من جهتها، إلى أن "نفوسها مسجّلة في برج حمود وعائلتها من مالكي المنطقة منذ الخمسينات"، وبالتالي "على البلدية أن تنظر إلى وضعنا خصوصاً ونحن لا نقصّر مطلقاً بأداء واجباتنا المالية تجاهها ونلتزم كل قرارتها".

ويبدي فارس قلقه على عائلته "من الوضع الأمني في النبعة حيث قد يظلّ المصاب أو القتيل أو المعتدى عليه لساعات من دون أن تصل إليه القوى الأمنية التي عليها القيام بواجبها"، ويضيف: "أما إذا أعلمتهم بأنّ أحدا يبني جدارا في الشارع، فتجدهم "طبّوا قبل ما تسكّر الخطّ" وذلك لرصد المخالفات أو لقبض الرشاوى أكيد". ويهدّد نديم قائلا: "لم يعد أمامنا من حلّ سوى الاعتصام وقطع بعض الطرق".

وإزاء هذا الواقع، يؤكّد رئيس بلدية برج حمود أنترانيك ماسراليان أنّه "لا يمكن إيقاف ظاهرة "الأجانب" في المنطقة"، ويلفت إلى غياب القوانين التي تلحظ هذا الأمر.

ويشير إلى أنّ "الأمن العام يسمح لهم بدخول لبنان، ووضعهم قانونيّ، كما أنّ المالكين يؤجّرون بيوتهم إلى العمال الغرباء، فماذا يمكن أن تفعل البلدية؟" أمّا في ما يتعلّق بالوضع الأمني، فيعتبر ماسراليان أنّ "من مسؤولية الجيش القبض عليهم وليس البلدية".

أهالي المنطقة تقدّموا أيضا بعريضة احتجاجية إلى قائمقام المتن مارلين حداد التي بادرت إلى القيام بجولة استطلاعيّة. وبحسب الأهالي، فوجئت بما رأته وعلى الفور استدعت رجال الأمن. إلا أنّ هذه المبادرة بقيت فرديّة وبالتالي لم تدُم لأكثر من يومين. وكأنّ شيئا لم يكن. إلا أنّ حدّاد تَعِد "بمتابعة القضية ومراجعة الوزير المعنيّ للخروج بحلّ فعليّ وجذريّ لمعاناة الأهالي".

مخيتاريان

وإزاء هذا الواقع، تتثبّت يوما بعد يوم صحة قرار البلدية، المدعوم من حزب "الطاشناق"، "إعادة تنظيم المنطقة، والتخفيف من الإزعاج الذي يتسبّب به الأكراد في الأبنية". وفي هذا الإطار، يؤيد الأمين العام لحزب "الطاشناق" هوفيك مخيتاريان استياء السكان ويقول لـ"الجمهورية": "من حقّهم التذمّر، فالبيئة لم تعد تناسب العائلات، لا أحد يقبل أن يعيش في بيئة تكتظّ بغرباء يختلف نمط حياتهم تماما عن نمط عيشه".

لم ينفِ مخيتاريان ظواهر التلوّث الاجتماعي من سرقة ومضايقات ومخدّرات ودعارة وغيرها، بل يؤكدها قائلا: "لا يمكن لأي فتاة أن تسير في الشارع بعد السّاعة الخامسة مساء، الوضع خطير". ويشير إلى أنّ هذه الظواهر "لا تقتصر على النبعة، بل تتعدّاها لتشمل كلّ المناطق اللبنانيّة. إلّا أنّ كثافة النبعة السّكانية المختلطة تساهم في إبراز هذه الظواهر وتسليط الأضواء عليها"، داعيا الدولة اللّبنانيّة إلى "تحمّل مسؤوليّاتها في هذا الشأن".

وإذ يلفت إلى أنّ "النّبعة ممثّلة بأحزاب متعدّدة نظرا إلى طبيعتها المختلطة وهي: إلى جانب حزب الطاشناق، التيار الوطني الحرّ، الأحرار، الكتائب، القوّات اللّبنانية، "أمل" و"حزب الله"، يكشف أنّ "التنسيق بين الأحزاب جارٍ، وهناك تواصل دائم مع وزير الداخلية مروان شربل".

ويشدد مخيتاريان على أن "الجميع توافقوا على ضرورة معالجة ظاهرة الأجانب في النبعة، وما يحصل ليس لصالح أحد"، موضحا أنّ "تنظيم الوضع ليس إلا مسألة وقت، فسنبدأ باتّخاذ الإجراءات المناسبة مباشرة بعد رأس السّنة، مع العلم أنّ البلدية باشرت بمسح المنطقة وبإحصاءات دقيقة للمقارنة بين معلومات البلدية المتعلّقة بعدد السّكان وهويّاتهم، والواقع على الأرض، وبالتالي الإبلاغ إلى قوى الأمن الدّاخلي القيام بواجباتها في هذا الإطار، تليها دوريّات أمنية متواصلة للأجهزة لضبط الوضع وفرض الأمن تدريجيا". ويختم مخيتاريان: "لا شيء مستحيلا والحلّ ممكن"، ويحرص على التأكيد أنّ "المشكلة ليست مع الأجانب وأهلا وسهلا بهم، ولكن في الإطار القانوني، حتى لا نشعر بأننا غرباء في وطننا".
باسكال بطرس
"الجمهورية "

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر