الراصد القديم

2011/12/25

الدولة الإسلامية: إسلامية لا مدنية (الحلقة الثانية


مصطفى إنشاصي

قبل أن أعرض للحلقة الثانية أود أن أوضح لصديق وبالتأكيد أن هناك آخرين مثله يعترضون على العنوان في ضوء التراجعات التي حدثت عند كثير من المسميات الإسلامية في زمن ما أسمته الإدارة الأمريكية (ثورات الربيع العربي)، فأثناء حوارنا حول الحلقة الأولى اعترض على بعض ما ورد فيها وأهمها اعتراضي على تسمية الدولة الإسلامية (دولة مدنية)، وأنني بذلك أسبح ضد التيار في وقت أن الإسلاميين حتى السلفيين حسب تعبيره غيروا موقفهم وقبلوا بها! كذلك عرج في حديثه على الديمقراطية وأن الإسلاميين أخيراً اعترفوا بضرورتها ولم يعودوا يرفضونها! وهنا سأكتب ردي عليه أثناء الحوار ليكون رداً لكل الإخوة القراء الذين قد يكون لهم نفس الاعتراضات، قلت:

تعلمت من إسلامي منذ بداية التزامي ألا أكون إمعة كما أمرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن نوطن أنفسنا حتى إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أمسكنا. وبعض الإخوة الكرام في إطار الحركة الإسلامية –إن صح التعبير- في ضوء الظروف الحالية واستراتيجياتهم أو تكتيكاتهم السياسية قبلوا بـ(دولة مدنية بمرجعية إسلامية) وذلك شأنهم ولا يعني أن قبولهم بذلك هو الصواب كما لا يعني رفضي له أنه خطأ، ولكنه ليس ملزماً لي ولا يحق لأحد أن يُخطئني في موقفي وكأن الصواب هو ما رأوه! وللإخوة حق توضيح أسباب الرفض لدي، وهي باختصار:

أن أي مصطلح في أي في لغته الأم معناه، ودلالته، ورمزيته، في بيئته التي ظهر فيها وتم التعارف عليه ويكون محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية، عند ذكره يستحضر السامع له كل تلك العوامل جملة واحدة، ومصطلح (الدولة المدنية) هو مصطلح نشأ في المجتمعات الغربية وكان ثمرة صراع طويل لقرون بين الكنيسة والمفكرين الغربيين وعند ذكره فهو يُذكر سامعه بكل المصائب والمآسي والمعاناة والدماء والمشانق والحرق والصراع و... و... التي مارستها الكنيسة ورجال الدين في أوروبا لكل مَنْ اعترض على حكمها أو اكتشف ما يخالف ما ورد في ما يسمونه (الكتاب المقدس)، في الوقت الذي كانت ممارسة الإسلام والدول الإسلامية عكس ذلك مع العلماء ورواد الفكر .....!.

أما الديمقراطية فقلت الأمر لا يحتاج إلى جدل طويل فهي أيضاً مثل مصطلح (الدولة المدنية) نشأت في بيئة غربية ولها معناها ودلالتها ورمزيتها التي هي محصلة عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية، والديمقراطية كأداة أو وسيلة لتحقيق مبدأ الشورى في الإسلام لا اعتراض عليها، أي وسيله لمعرفة الرأي العام ورأي الأكثرية حول مسألة ما لا تتعارض مع التشريع الإسلامي وغايات العامة للإسلام شيء مقبول، أما إن كانت دين يراد منها التشريع لنا بما يخالف ما دعا إليه الإسلام باسم رأي الأكثرية فهي مرفوضة!. وأعود إلى المقالة:

منذ نجاح الثورة في تونس وفي مصر خاصة كثر الحديث أو قُل الجدل حول هوية الدولة المستقبلية التي يريدها الشباب والشعب بصفة عامة، وهناك مَنْ أعلن رفضه صراحة لإقامة دولة إسلامية واصفاً إياها بأنها ستكون دولة دينية عنصرية تصادر الحريات الفردية وتضطهد الأقليات ...إلخ، فأنصار الدولة المدنية وأنصاف المثقفين ليس لديهم إلا مثال واحد للدولة الدينية هو دولة الكنيسة، أو الحكم الديني الكهنوتي الثيوقراطي، التي حكم فيه الباباوات باسم الله أوروبا فترة العصور الوسطى الأوروبية بزعم الحق الإلهي والعناية الإلهية (التفويض الإلهي)، ولا يعرفون شيء عن الدولة الإسلامية إلا ما تلقوه عن الغرب الذي شوه حقيقة الإسلام والتاريخ الإسلامي، بسبب غياب القيادات والمرجعية الإسلامية التي تحرص على تقديم المنهج الإلهي في كل عصر بما يتناسب وظروفه، وتخاطب العقول بلغة عصرها ومفاهيمه، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم". وعلى الرغم من تراجع بعض الإسلاميين وقبوله بدولة مدنية بمرجعية إسلامية إلا أن أنصار الدولة المدنية مازالوا يرفضون ذلك!.

لا أزعم أني عالم إسلامي أو فقيه ولكني مسلم غيور على دينه وعلي ليس واجب الدفاع عنه فهو ليس متهم ولكن علي واجب التذكرة للذين استقوا معلوماتهم السلبية والمشوهة عن الإسلام من مصادر غير موثوقة بسبق الإسلام في كثير من مبادئ ما يسمونه الدولة المدنية، ولا أُطالب بدولة مدنية بمرجعية إسلامية ولكن بدولة إسلامية بمرجعية إلهية حرصاً منا على وحدة الأمة ومصلحة الوطن، لأن الدولة الإسلامية بمرجعية إلهية تجمع بين الديني والمدني –إن صح التعبير لأني كما قلت أستخدم المصطلحات الغربية بتحفظ-! لذلك كإسلامي ألوم الإسلاميين لأنهم تعاملوا مع هذه المسألة من منطلق الضعف أو ردة الفعل أو الجهل بحقيقة الإسلام وهوية الدولة الإسلامية، وحاولوا مجاراة المفاهيم الحديثة والمعاصرة واتخذوا موقف الدفاع فشوهت اجتهاداتهم الإسلام والهوية الحقيقية لنظام الحكم في الإسلام...إلخ! وذلك راجع إلى أن المنهج التربوي والتوعوي والتثقيفي الفكري لأبناء الحركة الإسلامية–إن صح التعبير- هو منهج تقليدي بعيد عن ثقافة ومفاهيم العصر، لذلك يعاني الإسلاميين أزمة في الربط بين الحداثة –مع تحفظي في استخدام المصطلحات الغربية- أو بمصطلح يعانون أزمة في الربط بين النبوة بين مفهوم التجديد الإسلامي أو الثورة التجديدية والأصول العقائدية الثورية في الدين الإسلامي، وذلك نابع من إخضاع العقل الإسلامي للبصمات الاستبدادية على قطاع العلم الديني المتواكبة عبر القرنين الماضيين مع الاستبداد السياسي. إن تراجع الإسلاميين ذاك على صعيد الفكر يدل على أن الحركة الإسلامية مازالت تعاني أزمة في المعرفة بالمصطلح القرآني في زمن "التجديد الإسلامي"، نتيجة إخضاع مرتكزات الوعي القرآني لأسلوب الوعظ الديني وهو أكبر نكبة على الإسلام. كما أن تراجعاتها تحت ضغط العلمانيين والاستجابة لمصطلحات العصر التي تتعارض مع المصطلح الإسلامي فيه تكريس لتجزئة الثقافة التي يرفضها الإسلام، وكان يجب عليهم الثبات على موقفهم والتمسك بمصطلحاتهم! لذلك لا بد من إحداث ثورة في الوعي لدى أبناء الحركة الإسلامية ومفكريها من أجل التهيئة لتكوين جيل القيادة الإسلامية العالمية الثانية.

الأزمة بدأت مع محمد علي باشا

كما أن الخلل بدأ منذ حوالي قرنين من الزمن منذ انبهار أولئك الطلبة الذين أُرسلوا للدراسة في الغرب بمظاهر الحضارة الغربية وتقدمه الصناعي وهزموا نفسياً، ووقعوا في الخلط الخاطئ بين تجربة الغرب مع الكنيسة وبين الإسلام دون أن يلاحظوا أي اختلاف بينهما وأن لكل دين خصوصيته ولكل مجتمع تاريخه، وأن الإسلام لم يُقِم دولة دينية بالمفهوم الغربي لأنه لا يوجد فيه رجال دين ولا أحد فوق القانون والمحاسبة وإنما فيه علماء دين مكلفين ويخضعون للمساءلة مثلهم مثل أي مسلم في حال أخطئوا! كما لم يلاحظوا أنه في الوقت الذي كان يعاني فيه العلماء والمفكرين في الغرب أزمة مع ما يسمونه (الكتاب المقدس) ومع الحكم الديني (الكنيسة)، وتتهمهم الكنيسة بالهرطقة والتجذيف والسحر والشعوذة وغيرها، ويتم سجنهم وتعذيبهم والحكم عليهم بالسجن أو الإعدام بالحرق وحرق كتبهم وغيرها، كان أقرانهم في الدول الإسلامية يلقون كل الدعم والتشجيع في علومهم وأبحاثهم في كل المجالات، ولم يكن لا بينهم وبين القرآن الكريم مشكلة ولا بينهم وبين الحكام مشكلة، فالقرآن الكريم يحثهم على العلم والبحث وكانوا كما قالت المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكة) في كتابها "شمس الله تسطع على الأرض" يضعون كتاب الله ويتأملون فيه ويسترشدون به في علومهم واكتشافاتهم، وكان الحكام يغدقون عليهم الأموال التي توفر لهم حياة كريمة وتعينهم على التفرغ لعلومهم والإنفاق على صناعة أدواتهم وتساعدهم على الإبداع والابتكار!.

وقد عمق ذلك الخلل والخلط الأنظمة العلمانية التي حكمت وطننا بعد خروج المحتل ومثقفيها الذين اتخذوا مواقف مسبقة ضد الإسلام كلٌ بحسب توجهه الأيديولوجي دون أن يعرفوا الإسلام ومازالوا يرفضون تغييرها، وبدل أن يحاكم العلمانيين أنفسهم أو أسلافهم منذ محمد عليّ إلى اليوم على ما سببوه من تخلف ونكبات للأمة بسبب محاولاتهم المستميتة لنقل وتطبيق التجربة الغربية مع الدين لأنها هي التي حكمتنا طوال حوالي مائتي عام وليس الإسلام، إلا أنهم مازالوا يُصرون على محاكمة الإسلام ويتهمونه بأنه سبب التخلف على الرغم من أنهم هم وأسلافهم الذين صنعوا واقعنا المعاصر!.

لذلك فإن أزمة الثقافة لدى بعض المفكرين الإسلاميين تكمن في عدم إدراكهم أهمية ربط الدولة المدنية بالمشروع الإلهي وعالمية الإسلام الثانية، وتوضيح أن غياب الحريات العامة والخاصة وما يسمونه الحقوق المدنية والفردية في المجتمع راجعة إلى المنهج الجبري الديكتاتوري المستبد الذي بدأ بمشروع محمد علي لإقامة الدولة القومية الحديثة برعاية غربية وانتهي بهيمنة الإرهاب الفكري وغياب الحرية، لذلك علينا في زمن التغيير ليكون التغيير حقاً ثورة حقيقية أن نهتم بثقافة الإسلام الثورية التغييرية لنتجاوز حدود الزمان والمكان ونربط العالم أجمع بالمفاهيم الإسلامية الثورية ومعاييره العالمية للقيم الإنسانية لا بمفاهيم الغرب العنصرية الاحتلالية!.

نعم لقد كان محمد علي يحمل عقلية دموية قبلية غاية في الرجعية والتخلف، ومشروعاً تآمرياً انفصالياً لا مشروعاً تجديديأً تحديثياً وحدوياً كما يزعمون، لقد كان مشروعاً ديكتاتورياً استبدادياً فردياً لإقامة دولة أو مملكة له ولأبنائه من بعده، بل إنه طمع في كرسي الخلافة لنفسه ومزق الأمة في حرب لنحو عقدين من الزمن فتحت باب التدخل الغربي في وطننا وسرّعت في احتلاله لكثير من أجزائه! لقد كان مشروع محمد علي مشروعاً وافداً ومستورداً على الطريقة الغربية التآمرية ضد الإسلام كما جاء في وثيقة لويس التاسع سالفة الذكر، حاول فيه تقليد الغرب بإقامة دولة قومية على الطريقة الغربية تكون مضادة للنموذج الإسلامي، كما استغل الغرب الخبيث تلامذته الذين يدعون إلى الأخذ بالنموذج الغربي بأن تكون دعواتهم في ظاهرها مغلفة بإطار قومي عروبي ومحتوى فكري وثقافي وتراثي عربي، بحيث تستثير النزعة العنصرية في العرب والنزعة العنصرية لدى أشقائهم من القوميات الإسلامية الأخرى ويقع الصراع بينهما، وذلك ما حدث عندما هيمن على تلك الدعوات الفكر العروبي العنصري لا الفكر العربي الاصطفائي المتمثل في قيم الإسلام العالمية ومعاييره الإنسانية التي قاد بها العالم وشكلت معالم حضارة إنسانية متميزة لا حضارة عنصرية استعلائية على الطريقة الغربية!.

لذلك على أشقائنا في الوطن وشركائنا في تحمل مسئولية خروجنا من الهيمنة الغربية ألا يُحملوا الدين المسئولية، ونحن منذ عهد محمد علي باشا الذي يعتبره أنصار العلمانية والحداثة رائد النهضة والدولة العربية الحديثة في وطننا الذي يحكمنا هم حملة الأفكار العلمانية ودعاة التبعية للغرب وليس الخلفاء ولا العلماء المسلمين! أضف إلى ذلك أن الدول القطرية التي أنشأها الغرب (أنظمة التجزئة، سايكس-بيكو) سارت على نفس نهج محمد علي أستاذها ورائدها في الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها. فلقد وصل محمد علي باشا إلى السلطة وكرسي الحكم على نهر من الدماء (مذبحة القلعة)! لقد استفرد محمد علي باشا في الحكم من خلال الغدر والخديعة والتخلص من كل حلفائه وأنصاره الذين أتوا به إلى كرسي الحكم وعلى رأسهم محمد كريم! لقد ثَبَّت محمد علي حكمه وحكم أحفاده من خلال تحويل مصر أرضاً وشعباً إلى عبيد لخدمته وخدمة حكمه! لقد استمر حكمه وحكم أبنائه وأحفاده لأنه أسس جيش عصري وحديث بعقلية غربية تمدناً ونفسية ذليلة ومستعبدة للحفاظ على حكمه وليس على أمن ومصلحة مصر! لأنه سخّر كل ثروات مصر الزراعية والصناعية واقتصادها لخدمة ذلك الجيش الذي يحميه ويحمي أسرته! أليست الأنظمة التي نعاني من استبدادها وظلمها تسير على نفس النهج؟! وأن محاولات توريث البعض الرئاسة لأحد أبنائه من بعده كانت إحدى أهم الأسباب التي أدت لما حدث؟!.

الإسلام لم يعرف الدولة الدينية

في الحقيقة أن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية في تاريخه كله وتلك الدولة هي من ابتكار المستشرقين الغربيين والمتغربين وتلامذتهم من أبناء الأمة الذين هُزموا أمام الثقافة والحضارة الغربية، وأن الدولة الدينية التي يطالب بها البعض هي نتاج الأزمة الانقلابية على التاريخ الإسلامي وردة فعل لموقف العلمانيين من الدولة الإسلامية، وموقفهم ذاك عملية إسقاطية غير صحيحة لتاريخ وتجربة الغرب مع الدين والكنيسة على ديننا، ذلك لأن الإسلام لم يعرف الدول الدينية التي تؤله الأشخاص، وأن الله تعالى انتقد نموذج دولة الكنيسة في العصور الوسطى الأوروبية، فقال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" ولم تكن ربوبيتهم إلا أنهم شرعوا لهم من دون الله فرضوا به. وفي الإسلام لم يكن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه معصوماً إلا من الخطأ في تبليغ الرسالة والأحكام التشريعية ومن القتل على يد أحد من البشر فقط، وما دون ذلك فإنه مثل جميع البشر في صفاته البشرية، يُصيب ويخطئ، ويرضى ويغضب، ويسعد ويحزن ... لذلك لم يتوانَ القرآن الكريم عن مراجعته في أخطائه الشخصية التي يتشارك فيها مع غيره من البشر مثل عتابه الشديد له في قصة عبد الله بن أم مكتوم: "عبس وتولى"، وفي قصة مولاه زيد بن حارثة وزوجه زينب بنت جحش وقوله له: "أمسك عليك زوجك"، وفي حكم أسرى غزوة بدر وموافقة رأي عمر بن الخطاب "ما كان لنبين أن يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض"، ورأي عمر في مسألة حجاب زوجات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونساء المسلمين، وفي قصة الصحابة الذين كانوا يقلمون النخيل وغيرها كثير.

كما أن ذلك الخلط يرجع إلى إسقاط العلمانيين في وطننا لمفهوم (قداسة النص) الذي هو نتاج الفكر الأوروبي وحكم رجال الدين فيها على الإسلام! في حين أن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان لا ترجع لاستمرار نزول الوحي أو الإلهام للحكام وتواصلهم مع الله تعالى أو تفويضه لشخص أو جماعة ما بالحديث باسمه...إلخ مما يزعمه رجال الدين في الديانات الأخرى، فكلنا يعلم أن الوحي انقطع بانتقال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الرفيق الأعلى ولكن صلاحية الإسلام تكمن في صلاحية النص الشرعي إلى يوم القيامة، تلك الصلاحية المرتبطة بمصلحة الإنسان في كل زمان ومكان، وتلك الغاية يمكن استنباطها من خلال فهم روح النص ومضمونه وغايته وليس من خلال التمسك بحرفيته، ولا بتبني فهم وتفسير السلف له بما كان يتناسب ويصلح لزمانهم ولم يَعُد يصلح لزماننا لاختلاف الظروف، لأن الغاية في النص الشرعي الإسلامي مصلحة الناس وخير الإنسانية بحسب زمانها ومكانها وظروفها لا زمان وظروف غيرها. فنحن إذا تمسكنا بحرفية النص وجمدنا على تفسير السلف له ولم نأخذ روحه والحكمة المرجوة منه لزماننا وروح عصرنا فإننا في هذه الحالة نكون أمام نص ديني جامد لا روح فيه، ولا نختلف عن حكم الكنيسة في القرون الوسطى الأوروبية التي احتكرت تفسير النص واعتبرته (مقدساً) لا يحق لأحد غير البابا ورجال الدين تفسيره أو فهمه، وحكم فيها البشر كآلهة، ونحن مازلنا نقرأ في مقدمة كتبهم الدينية (الأناجيل) و(التوراة) أنها كلمة الله وتُصر على أنها مُنَزلة من الله تعالى ووحي منه إلى أنبياء بني إسرائيل، على الرغم من أنه ثبت قطعياً أنها كُتبت على يد كتبتها بعد مئات السنين من وفاة أنبياء بني إسرائيل! فالعلمانيين تعاملوا مع النص القرآني أنه (مقدس) على الطريقة الغربية، في الوقت الذي هو في الإسلام ليس كذلك! فقدسية النص في الإسلام إن صح التعبير مع الفارق بينه وبين (النص المقدس) الذي كان مفروضاً من قبل الكنيسة وممنوع الاعتراض عليه أو مناقشته على أساس أنه كلام الله في الوقت الذي هو كلام البشر، قدسية النص في الإسلام لا تعني عدم الاجتهاد في فهمه واستنباط الحكم المناسب منه الذي يُصلح حال الناس بحسب الزمان والمكان، ذلك فهم خاطئ، النص في الإسلام مع تقديسه لأنه نزل من الله الملك القدوس ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليس صنم يُعبد أو يجب أن نطليه بالذهب ونبروزه ونضعه في المتاحف، ولا كلام يُتلا على الأموات أو نسمعه في الصباح أو قبل النوم على طريقة الإذاعات والتلفزيونات العربية، ولكنه نزل لكي يحكم فينا، كي ينظم شئون حياتنا الخاصة والعامة ويضبط علاقات أفراد المجتمع وحركتهم!.

ولو كان النص مقدساً كما يفهمه العلمانيين على الطريقة الغربية ما تجرأ عمر بن الخطاب –ولا كان سكت الصحابة رضوان الله عليهم عنه- من منع إقامة حد السرقة عام الرمادة، وفي ذلك بيان عام لدعاة الدولة العلمانية المدنية والحقوق الفردية وواجبات الدولة نحو مواطنيها يكشف سوء فهم العلمانيين للحكمة من الحدود في الإسلام ومتى يتم تطبيقها، فالدولة الإسلامية لا تقيم الحدود على أحد من مواطنيها حتى تؤدي ما عليها لهم من حقوق تمنع ارتكابهم للجريمة، فواجب الدولة الإسلامية أن توفر للمسلمين أسباب العيش والحياة الكريمة ثم تطبق الحدود عليهم، فذلك يكون حق الدولة والشعب عندما يخطئ أحد في حقهما، فالحد لا يقام قبل أن توفر الدولة كل الأسباب التي تمنع المسلم من ارتكاب جريمته. كما أن الناس لا يؤخذون في الإسلام بالشبهة كما يفعل الغرب حامي حقوق الإنسان والأنظمة العميلة له، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات" أو "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة", وعندما عطل عمر الحدود عام الرمادة قال: "لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات".

ولو كان النص مقدساً على الطريقة الكنسية ما وجدنا عمر بن الخطاب يمنع المؤلفة قلوبهم حقهم في أموال الزكاة وقال: كان ذلك عندما كان الإسلام ضعيفاً وفي حاجة إلى أن يتآلف الناس أما وقد أصبح قويّاً فلا حاجة لذلك. ولو كان النص مقدساً عند ابن الخطاب ما منع توزيع أراضي الفيء في العراق على المجاهدين وهي حق لهم بنص القرآن الكريم واجتهد هو وبعض الصحابة في فهم آيات قرآنية أخرى تمنع تكدس الثروة في يد مجموعة من المسلمين، أو تحرم أجيال المسلمين القادمة من حقها في تلك الأراضي، أو أنها ستثبط المجاهدين عن الجهاد والقتال وسيركنون للدنيا وينشغلون في رعاية أراضيهم، أو لحاجة بيت مال المسلمين لعائداتها حتى ينفق على كتائب المجاهدين ...إلخ. والأمثلة على ذلك كثيرة لمَنْ ألقى السمع وهو شهيد! ولكن علمانيي وطننا يُصرون على صم آذانهم عن فهم الإسلام الصحيح ويتمسكون بمقولات وتجربة الغرب ضد الدين والكنيسة ويُصرون على إسقاطها عنوة على الإسلام، وذلك ينافي العقلانية والعلمية والموضوعية وغيرها من المصطلحات التي ينادون بها!.

عندما نفهم الإسلام هكذا كما فهمه السلف ليس بالمعنى المذموم كما في مقالات العلمانيين ولكن بالمعنى المشرق والصحيح لأنهم عاشوا حياتهم وواقعهم وبنوا مجدهم، وليسوا مسئولين عن سوء فهم بعض الخلف من المعاصرين المتشبثين بأحكام زمانهم وهي لا تصلح لزماننا والذنب ليس ذنبهم كي نقدح فيهم وفي أحكامهم التي كانت صالحة لزمانهم، ولو كانوا يعيشون في زمانا لما أخذوا بها واجتهدوا بما يصلح لهذا الزمن واستنبطوا من النص الذي استنبطوا منه أحكاماً لزمانهم أحكاماً أخرى غيرها تصلح لزماننا، ساعتها لن نختار مصطلحات ذات معاني ودلالة ورمزية غربية لتسمية دولنا ولكن سنختار مصطلحات ذات معاني ودلالة ورمزية إسلامية ....



التاريخ: 25/12/2011

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر