الراصد القديم

2011/12/16

الصواريخ: من سيصدّق بعد معادلة «لو كنت أعلم»؟

لن يستطيع حزب الله، بعد تكرار إطلاق الصواريخ واستهداف اليونيفيل، أن يصارح جمهوره بمعادلة «لم أكن أعلم» التي قالها السيد حسن نصرالله بعد انتهاء حرب تموز

ويفترض ألّا ينسى هذا الجمهور أنّ نصرالله نفسه قال خلال الأيام الأولى لتلك الحرب إنّها آخر حرب مع إسرائيل، وذلك بهدف امتصاص الشعور الدفين لدى الجنوبيين بأنّهم يدفعون باستمرار فاتورة، كانت على الدوام أكبر من قدرتهم على التحمّل.

اليوم، يعلم حزب الله أنّ النظام السوري نظّم عملية إرسال المدنيين الفلسطينيين إلى الجولان، كما أنّه بالطبع يعلم (لأنّه شارك) أنّ النظام شجّع إرسالهم الى مارون الراس. كما يعلم أنّ هذا النظام تماماً كما الحزب لم يردّ على النار بالنار، على رغم تنفيذ إسرائيل مجزرة حقيقية بحقّهم عبر الشريط الشائك، وذلك اكتفاء برسالة أوّلية لإسرائيل بأنّ استقرار الحدود الذي أمّنه النظام طوال 45 عاماً أصبح معرّضاً للاهتزاز.

وليس واقعياً افتراض أنّ إطلاق هذه الصواريخ العمياء المجهولة والمعلومة النسب، ستؤدّي إلى حرب شاملة، لكن ليس منطقياً أبداً إغماض العين عن ردّة الفعل الإسرائيلية التي برّأت حزب الله من إطلاق الصواريخ، وربطتها بمجموعات أصولية، فردّة الفعل المدوّية هذه والتي تحمل من الخبث ما تحمله، تعكس بنظر مطلعين على تطوّرات المنطقة، ردّاً على حزب الله والنظام السوري مفاده: نعرف أنكم تستدرجون اشتباكاً على الحدود يحوّل الأنظار عما يجري في سوريا، وما دام إطلاق الصواريخ بقي في إطار توجيه الرسائل، فإنّنا لن نتهم حزب الله حتى لا نضطر للردّ، وستبقى أنظارنا على الملف الذي يحتلّ الأولوية بالنسبة لنا وهو الملف النووي الإيراني.

واذا كانت ردّة الفعل الإسرائيلية الهادئة على إطلاق الصواريخ تحمل مخاطر حرب وشيكة، فإنّ استمرار النظام السوري بتوتير الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بتسهيل من حزب الله، في وقت تبقى جبهة الجولان على صمتها على رغم وجود قوات الأمم المتحدة « أندوف » المرابطة فيها منذ أربعين عاما، فإنّ الاستمرار بهذا التوتير يمكن أن يشكّل مادة جاهزة لإسرائيل في توقيت تختاره، وقد يكون مرتبطاً بالردّ المباشر في لبنان.

وفي هذا الإطار لا تخفي أوساط ديبلوماسية مطلعة أنّ الإدارة الأميركية مارست ضغوطاً شديدة على حكومة نتانياهو لتلتزم عدم الردّ، وذلك في مقابل حزمة من الإجراءات ضدّ إيران وإعادة إحياء التعهّد الأميركي بعدم تمكينها من إنتاج قنبلتها النووية. ما ينبئ به هذا المشهد هو أنّ الجنوب تحوّل بضوء أخضر من حزب الله، الى ساحة لتبادل الرسائل المتفجّرة، وهذا ما يناقض كلّ ما ادّعاه الحزب حول لبنانية المقاومة وحصرية استعمال السلاح للدفاع عن لبنان، وهو يدلّ على أنّ الحزب لا يتردّد في السماح باستعمال الجنوب كورقة ومنصّة لمحور الممانعة، وهذا في وقت اكتفى النظام السوري بخطوة التحرّش المدني من جبهة الجولان، آخذاً بالعلم الإنذار الإسرائيلي بعدم تحريك هذه الجبهة مرّة ثانية، وموجّهاً جهده الى الساحة التقليدية التي عبرها يستدرج الكلام مع الولايات المتحدة الأميركية.

وفي وقت تتصاعد فيه التهديدات الإسرائيلية لإيران، فإنّ تحريك الصواريخ عبر الحدود اللبنانية يضع لبنان من جديد في فوهة بركان لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن ينفجر في المنطقة، وإذا ما انفجر هذا البركان فإنّه لن يكون باستطاعة حزب الله أن يقول: « لم أكن أعلم »، لأنّه يعلم، ويشارك في مسار سيؤدّي الى تعريض لبنان لمخاطر حرب لن تخاض للدفاع عنه، ومع ذلك فإنّ هناك في لبنان من لا يزال يعتقد أنّ النقاش في شأن ما يسمّى بالاستراتيجية الدفاعية ممكن، وأنّ وظيفة حزب الله لا تتخطى مفهوم الدفاع عن لبنان.



اسعد بشارة -الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر