الراصد القديم

2011/12/15

هل العالم على أعتاب حرب كونيٌة ثالثة؟؟

د. محمود لطيف البطل

إنٌ الأزمة الخانقة التي يعاني منها الغرب الرأسمالي اليوم، وبحثه المستمر عن حلول لهذه الأزمة المستفحلة(وصلت الديون الحكوميٌة للولايات المتحدٌة إلى أكثر من 12 تريليون دولار على شكل مستندات حكوميٌة أمريكيٌة في كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبيٌة) يجعل العالم أمام أسوأ الإحتمالات. ومنذ الآن بدأت بعض التحليلات تحذٌر من ركود إقتصادي خانق سيعمٌ العالم، ويؤدٌي إلى حالة من البلبلة لن يسلم من آثارها أحد.

الذي نشهده اليوم في أوربا وما تتعرض له اليونان وتعانيه البرتغال وإسبانيا وإيطاليا ماهو إلاٌ البداية لما درج على تسميته بالأزمة العالميٌة القادمة، وهاهي، القارٌة العجوز، تمدٌ يدها إلى الصين التي وعدت بمساعدتها للخروج من ضائقتها، كما أنٌ روسيا وعدت بدورها المساهمة في ذلك، ولكن ولعلمنا المطلق ببربريٌة هذا الغرب الذي لايتوانى عن سلوك أيٌ طريق يخرجه من الأزمة التي يعانيها، حتٌى ولوكان ذلك عن طريق شنٌ الحروب الموظٌفة للتنفيس الإقتصادي، كما حصل في صربيا والعراق وليبيا ومايراد له أن يحدث في سوريا اليوم.

تاريخيٌا نرى بانٌ كلٌ الحروب التي عانى منها العالم منذ الثورة الصناعيٌة الكبرى في أوربا(القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) خرجت من هذه القارٌة وفتكت بملايين البشر(حروب الهيمنة الإستعماريٌة التي غطٌت مساحتها العالم اجمع، وتكاد لاتوجد دولة على خارطة العالم اليوم لم تتعرٌض أرضها لاستعمار أوربٌي نهب ثرواتها واستعبد سكٌانها). إنٌ الحربين الكونيتين في القرن الماضي يبرزن الوجه القبيح للحضارة الأوربيٌة، التي سعت جاهدة وماتزال للسيطرة على مقدٌرات العالم تلبيٌة لمصالحها الرأسماليقة الإمبرياليٌة(ذهب ضحيةٌ الحرب العالميٌة الأولى التي استمرٌت أربع سنوات 1914-1918 حوالي تسعة ملايين إنسان، وأمٌا ضحايا الحرب العالميٌة الثانيٌة فقد فاقوا السٌتين مليون إنسان، عدا عن التدمير الهائل الذي حلٌ بالعالم والتي ظلٌت آثاره لسنين عديدة بعد الحرب من خراب ودمار عمٌ الدنيا قاطبةً) .

عرٌت الثورة الإشتراكيٌة التي انتصرت في روسيا في العام 1917 المخطٌطات الإستعماريٌة الغربيٌة لتقسيم الشرق العربي بين المنتصرين في الحرب العالميٌة الأولى وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا بحسب اتٌفاقيٌة سايكس- بيكو، الشيء الذي كان له بالغ الأثر الإيجابي على حركة التحرٌر العربي، التي استطاعت في نهاية المطاف طرد المحتلٌين وإقامة أنظمتها الوطنيٌة مدعومة من الإتحاد السوفياتي وقوى السلام والإشتراكيٌة في العالم.

مثٌل الإتٌحاد السوفياتي على مدى عقود وجوده الرادع الأساس لجموح الغرب العدواني، وأعطت علاقاته مع الدول الفقيرة ودول العالم الثالث هذه الدول الحصانة من التعرٌض للعدوان والتدخٌل في شؤونها الداخليٌة من قبل الغرب وأعوانه(كان الإتحاد السوفياتي الحليف والداعم الأساسي للدول العربيٌة في صراعها مع الكيان الصهيوني، الذي زرعه الغرب في قلب الوطن العربي حارساً لمصالحه وأداة ضاربة يستخدمها للإرهاب بحق الدول التي لاتتماشى سياساتها ومصالحه الإقتصاديٌة والسٌياسيٌة)، وكان الإتحاد السوفياتي مبدئياً في تعامله مع القضيٌة الفلسطينيٌة، داعماً منظمة التحرير الفلسطينيٌة في كلٌ المحافل الدوليٌة ومؤيٌداً حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه وبناء دولته المستقلٌة مع حلٌ قضيٌة اللاجئين الفلسطينيين بناء على قرارات الأمم المتٌحدة بهذا الجانب(تاريخيٌاً إخترعت الدول الإستعماريٌة الغربيٌة مفهوم الإنتداب لتأمين استمراريٌة وجودها في منطقة الشرق العربي، فكان بعد أن وضعت الحرب العالميٌة الأولى أوزارها أن سارعت الدول المنتصرة لتقاسم التركة العثمانيٌة تحت مسمٌى الإنتداب على هذه المقاطعات لفترة من الزمن تقصر أو تطول، تعطى بعدها هذه الدول الحق في الإستقلال.

كانت فلسطين الجزء الذي خضع للإنتداب البريطاني الذي ساهم وبشكل مباشر على هجرة اليهود وتشكيل المنظٌمات الصهيونيٌة التي راحت بمساعدة الإنتداب تزرع الإرهاب في عموم فلسطين، واعتباراً من وعد بلفور المشؤوم في عام 1917 وحتٌى إعلان قيام مايسمٌى بدولة إسرائيل في العام 1948 كان الغرب مجتمعاً الداعم الأساس لهذا الكيان الدخيل، يمدٌه بالمال والعتاد وأسباب القوٌة والبقاء دائماً وفي كلٌ المحافل الدوليٌة). انهيار الإتٌحاد السوفياتي في بداية تسعينات القرن الماضي فتح شهيٌة الغرب على مصراعيها لاستعادة الأمجاد الإستعماريٌة في العالم ومدٌ النفوذ إلى المناطق التي كانت تحت نفوذ الدولة العملاقة المنهارة أو تلك التي كانت تحظى بحمايتها، وكانت البداية في صربيا، التي كانت ماتزال تمثل القلعة الأخيرة للإشتراكيٌة في أوربا.

بعد صربيا اخترع الغرب بدعة الحرب على الإرهاب الذي راح من خلالها بضرب من يشاء متى شاء تحت هذه الذريعةن، وجاء احتلال أفغانستان ومن بعدها احتلال العراق، ليرسم عنوان المرحلة بعد الإتحاد السوفياتي، وبروز القطب الواحد المتمثٌل في الولايات المتٌحدة الأمريكيٌة وحلفائها في حلف النيتو. أدٌى انهيار الإتحاد السوفياتي إلى تراجع خطير في المواقف العربيٌة تٌجاه قضيٌتهم المركزيٌة في فلسطين، ووضعت كلٌ أوراق الحلٌ في يد الولايات المتٌحدة والغرب، الذين بدورهم أعطوا كلٌ هذه الأوراق للكيان الصهيوني، الذي راح يقتل ويدمٌر ويهوٌد على هواه من دون حسيب ولا رقيب مستنداً في كلٌ إجراءاته وعدوانه وصلفه وعنجهيٌته على الدعم اللا محدود الذي تقدٌمه له أمريكا والغرب. أمٌا العرب والأخصٌ منهم محميٌات الخليج فقد استعادوا المبادرة لتعميم نهج الإستسلام أمام المشروع الصهيوني، مروٌجين لفكرة التعايش معه والإعتراف بشرعيٌته على الأرض العربيٌة، مادٌين معه الجسور الإقتصاديٌة وتبادل الزيارات متناسين أو ناسين الجرائم التي ارتكبها ومايزال بحقٌ أشقٌائهم الفلسطينيين، بحق القدس والأقصى المبارك، تاركينهم وحدهم وجهاً لوجه مع الإحتلال الوحشي والإستيطان والتمييز العنصري.

والجامعة العربيٌة بعد أن صارت تابعة كلٌيٌاً لمجلس التعاون الخليجي، صارت قراراتها تؤخذ بالأغلبيٌة بدل الإجماع، الذي سارت عليه سابقاً كل القرارات، الذي يعد بدوره تطوٌراً خطيراً ينذر بأن تتحول هذه الهيئة إلى مجرٌد ممرٌ شرعي وقانوني للتدخٌل الغربي الصهيوني في الشؤون العربيٌة. إنٌ استصدار القرارات بالشكل الذي عايشناه في ليبيا واستقدام التدخٌل الأطلسي استناداً إلى قرارات الجامعة العربيٌة، يضع هذه الجامعة أمام المسؤوليٌة الفتاريخيٌة عن أرواح آلاف المدنيين الليبيٌين اللذين قضوا بفعل القصف الأطلسي، عدا التدمير الهائل الذي حلٌ بمنشآت البلد ومدنه وقراه.

والآن يحاول الغرب جاهداً استصدار قرارات مماثلة ومن نفس الجامعة العربيٌة حول سوريا، ونرى دول الخليج مرٌة أخرى مهرولة "لنجدة المدنيٌين السوريٌين، كما حمت من قبل المدنيٌين الليبيٌين"، مترافق كلٌ ذلك كما في ليبيا بحرب إعلاميٌة غير مسبوقة من التزوير والتضخيم وقلب الحقائق على مدار الساعة،(الجزيرة والعربيٌة) مع طبول الغرب وتهديداته وعقوباته، إلى جانب تجنيد دول الجوار(تركيا والأردن) لسوريا في ترتيب عمليٌات تهريب السلاح إلى المجموعات المسلٌحة الهادفة إلى زعزعة استقرار البلد واستنزاف إمكانيٌاته أملاً بالتعجيل بإسقاط النظام فيه.

إنٌ المشهد الداخلي في سوريا يحدٌث عن وجود فهم معمٌق للمؤامرة التي تحاك بإصابع غربيٌة صهيونيٌة وتنفيذ عربي وأدوات محليٌة أومصدٌرة من الحدود، ولذا كنٌا نرى المظاهرات الضخمة المؤيٌدة للإصلاحات الرافضة لأيٌ تدخٌل عربي أو غربي، لكن ولعلمنا بأنٌ هذا الغرب التعجرف لايستسلم بسهولة للأمر الواقع برغم فشله المتلاحق عبر بوابة مجلس الأمن بفعل الفيتو المزدوج الروسي الصيني، سيحاول هذا الغرب كل السبل للتدخٌل المباشر في الشأن السوري. وكما سوريا تمثٌل إيران بعبعاً للمصالح الغربيٌة في منطقة الشرق الأوسط، أولاً لتحالفها مع سوريا وموقفها المبدأي من القضيٌة الفلسطينيٌة، وثانياً لبرنامجها النووي وخشية الغرب والكيان الصهيوني من أن يؤهٌلها في نهاية المطاف لامتلاك السلاح النووي،( لإبقاء احتكار هذا السلاح فقط على كيان الإحتلال الصهيوني، للتذكير- قام الكيان المغتصب لفلسطين بتدمير المفاعل النووي العراقي في العام 1981 بمباركة وترتيب مع الغرب، وفي عام 2008 قام نفس الكيان بتدمير المرنز النووي للأبحاث في سوريا وأيضاً بمباركة وترتيب من الغرب.

إنٌ الغرب الذي يدقٌ طبول المقاطعة الإقتصاديٌة العربيٌة بحق سوريا إضافة لعقوباته هو، يخطٌط لما هو أبعد من ذلك بكثير أولٌها وليس آخرها الفتنة المذهبيٌة، التي أتت أكلها على يديه في العراق، والخطوة الثانية التي قد يلجأ لها أذا مافشلت الأولى هي توجيه ضربة عسكريٌةقاصمة لإيران أو لسوريا أو للإثنتين معاً. تبعات هذه الضربة قد تكون وبالاً على المنطقة كلٌها، وقد تجد دول كثيرة نفسها في هذا المنزلق الخطير الذي قد ينذر بتوسٌعه إلى حرب أشبه بالكونيٌة. والسؤال هل سيغامر الغرب إلى هذا الحدٌ ويفتعل حرباً مدمٌرة قد تطاله في عقر داره؟؟ والجواب أنٌ كلٌ الإحتمالات قائمة في ظلٌ سياسة الهيمنة للقطب الواحد، وفي ظلٌ الأزمة الخانقة التي يعاني منها هذا الغرب الإمبريالي الصهيوني، الذي يحلٌ مشاكله الإقتصاديٌة وأزماته بشنٌ الحروب العدوانيٌة. ولكن يبقى المعسكر الآخر الرافض لسياسة الهيمنة والتسلٌط والذي إن توحٌد وتجذٌر يمكن أن يضع حدٌاً لهذه العجرفة والإستخفاف بالعالم، بأمنه واستقراره وقوانينه. إنٌ العالم كلٌه ينظر اليوم إلى الصين وروسيا وأمله أن تسطيع هاتين الدولتين على وضع حدٌ للعربدة الأمريكيٌة الصهيونيٌة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، عندها فقط ممكن أن يتنفٌس العالم الصعداء

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر