الراصد القديم

2011/12/31

حزب الله" أسقط حكومة الحريري فهل يحافظ على حكومة ميقاتي؟

ابرهيم بيرم
"النهار "

لا ريب ان في قيادة "حزب الله" من يعتبر ان رحلة مواجهته الطويلة والمقارعة للحريرية السياسية التي بدأت بأوضح صورها في تموز 2006، وامتدت خلال 2007، وكانت اصعب مراحلها عام 2009، قد اعطت نتائجها المرجوة في العام الآفل، اذ نجحت في إبعاد هذا الفريق عن سدة الحكم، لتساهم بعدها في ارساء اسس معادلة حكم وسياسة بمواصفات جديدة كل الجدة، وضعت فريق 14 آذار بكل مكوناته في صف المعارضة، وحالت دون الوفاء بتعهداته في اسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.


وابعد من ذلك، يعتبر الحزب في دوائره المغلقة انه نجح الى حد بعيد في إبعاد تأثيرات المحكمة الخاصة بلبنان، وفي إنهاء مفاعيل قرارها الاتهامي الاول، إذ صدقت تنبؤاته وتوقعاته المعلنة، حيث وجهت اصابع الاتهام مباشرة لأربعة من كوادره العسكريين كمتهمين اساسيين في الضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وذلك بعدما رفض تسليم هؤلاء المتهمين الى المحكمة، وبعدما فرض "واقعا" جعل التقرير القضائي الرسمي المعطى لهذه المحكمة يصرح بأن الجهاز المولج بالقبض على هؤلاء المتهمين وسوقهم الى قوس المحكمة لم يفلح في ما كلف القيام به، ولم يعثر على المتهمين.


في النصف الثاني من الشهر الاول من 2011، جاء آخر عرض للحزب بهدف ارساء اسس تسوية سياسية برعاية عربية – تركية، تقضي بإنهاء مفاعيل المحكمة الدولية، مقابل ان يقر الحزب للرئيس سعد الحريري بالبقاء في سدة الرئاسة، بعد انهاء كل ما من شأنه تعكير مسيرة حكمه وفريق حكمه الإداري والقضائي والامني بمفعول رجعي وبمدى مستقبلي.


لكن المفاجأة ان قيادة الحزب ابلغت وزيري خارجية قطر وتركيا اللذين لبثا ساعة في بيروت في انتظار الكلمة الفصل، انه يرفض هذه التسوية التي اعتبرها البعض "مغرية" له، ولا سيما ان الامين العام للحزب آثر لاحقا الكشف عن مضامين هذه التسوية التي يتعين بموجبها على الرئيس الحريري ان يشرع في عملية تحلل لبنان من علاقته بالمحكمة الدولية من خلال وقف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيين منها، ولاحقا تعديل بروتوكولها.


تعددت لاحقا التكهنات والتفسيرات للاسباب التي دفعت بالحزب الى رفض التجاوب مع العرض القطري – التركي، وهو الذي كان أعرب مرارا وتكرارا عن رغبته في نجاح المسعى السوري - السعودي لمعالجة قضية المحكمة، وعلق عليها آمالاً صريحة، ووضع جمهوره في مناخات قرب نجاح هذا المسعى في رسم مخرج للقضية التي أقضّت منذ نشوئها مضاجع الحزب، نظرا الى ما تنطوي عليه من اتهام الحزب بالضلوع في هذه الجريمة من تداعيات على صورته وتاريخه وعلاقاته.


وبمعنى آخر، بات الحزب يقيم على ما يشبه اليقين ان الرئيس الحريري تلكأ عامدا متعمدا لكي تصل سبل الامور الى هذه الصورة السلبية بالنسبة الى الحزب، فتحققت لديه مخاوفه الكامنة، وشعر في لحظة ما بأن ثمة "خديعة" يحضر لها الحريري لإيقاعه في حبائلها، فحواها ان في مستطاعه عبرها الحصول على ديمومة المحكمة وعلى الحكم في آن واحد.


وبطبيعة الحال، فإن ذاكرة الحزب عابقة بخديعة التحكيم "التاريخي" في صفين، التي افضت الى اقصاء الشيعة عن كرسي الحكم لأكثر من 16 قرنا.


واكثر من ذلك، اقام الحزب على معادلة فحواها ان قسما كبيرا من الخطر الناجم عن المحكمة وقراراتها الموعودة قد زالت بفعل خطة "افراغ" القرار الاتهامي المنتظر من فحواه تدريجا، من خلال نهج التشكيك المركز في صدقية المحكمة وقضاتها وهيئتها، لذا فإن خطر المحكمة قد زال قبل ان تظهر قراراتها للعلن.


ولأن الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله كان اعلن مرارا ان الامور بعد صدور القرار الاتهامي غير ما قبلها، فقد اتخذ قراره النهائي بـ"انزال العقاب" بالرئيس الحريري وفريقه، وخصوصا انه كان حاول مرارا في السابق نسج "تسوية" او صيغة تفاهم معه، عبر ايجاد قواسم مشتركة، لكنه قوبل بعدم تجاوب الحريري واصراره على النيل من الحزب.


وبناء عليه، اعطى الحزب امر التنفيذ العملي لإسقاط الحريري واقصائه عن الحكم، فكان امر استقالة الحزب ووزرائه والوزير الملك عدنان السيد حسين، وسقطت حكومة الحريري وصارت حكومة تصريف الاعمال.


وكان جليا ان الحزب ما اقدم على اسقاط حكومة الحريري الا بعدما كان مطمئنا الى انه ارسى معادلة سياسية في داخل مجلس النواب، وفي خارجه، بتأليف حكومة تخلو من اي تمثيل لخصومه، وبالطبع كان الحزب "ينام" على وعد من رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط بأنه سيكون معه في مركب حكومي واحد وفي تجربة حكم جديدة.


ولهذا "الوعد" مقدماته وفاتحته التي بدأت تدريجا منذ آب 2009، ومرت بلقاءات ومصالحات من بين محطاتها دمشق نفسها.


وهكذا نجح الحزب في ما سمته قوى 14 آذار في "انقلابه" على تعهداته وعلى المعادلة السياسية بفعل ما اصطلح هذا الفريق على تسميته حركة "القمصان السوداء" التي تجلت في الظهور في اماكن متفرقة من العاصمة لبعض الوقت، واختفت بعدما أدت رسالتها المنشودة في كل الاتجاهات.


وليس سرا ان الحزب كان قبل ذلك بفترة نجح في شل عمل حكومة الحريري بعدما اثار قضية "شهود الزور" وجعلها خبزه اليومي.


حقق "حزب الله" "نصره" بإسقاط حكومة الحريري، وكان عليه ان يكمل حلقات هذا النصر بالدفع نحو تأليف الحكومة البديلة، وهنا كان امام رحلة اخرى شاقة.


طرح اسم الرئيس عمر كرامي في بداية الامر لهذه المهمة الشاقة، وبدأت الاتصالات على هذا الاساس، وقد بدا الرجل متهيبا صعوبة المهمة، وتصرف المعنيون على اساس ان فرس الرهان هو كرامي، فإذا من خارج كل السباقات والحسابات يبرز اسم الرئيس نجيب ميقاتي، فتقع القرعة عليه بعدما تلقف الحزب وحليفه الرئيس نبيه بري الاسم، وعدّاها "هدية" كبرى من السماء لاعتبارات عدة، ابرزها ان ميقاتي اسم لا يثير المخاوف الداخلية والخارجية على الاقل هو نائب، وعنده كتلة نيابية وان تكن متواضعة.


وحتى الآن ثمة منطقة معتمة اسمها: من اين اتى اسم ميقاتي؟ ومن اقنع من بهذا الاسم؟ البعض قال النائب جنبلاط الذي ابلغ الى السيد نصرالله ان اسم كرامي لا يسمح له بإعطائه اكثرمن 3 اصوات من اصوات كتلته، اما اسم ميقاتي فيسمح له بإعطاء 6 اصوات. والبعض الآخر اتجه الى دمشق ليقول انه خيارها هي بالذات.


المهم ان ميقاتي استوى على عرش الحكومة وعلى عرش قلب "حزب الله" والرئيس بري، واذا كانت قيادة الحزب اقتنعت به، فكان عليها ان تعرف توجهات الرجل الآتي للمرة الثانية الى سدة المنصب اياه، بالنسبة الى المحكمة الدولية ومسارها وأحكامها التي كانت اوشكت على الصدور.


ثمة في اوساط الحزب من قال إن اللقاءات المعلنة وغير المعلنة بين ميقاتي وقيادة الحزب لم تفض الى تفاهم نهائي بالنسبة الى هذا الموضوع، اذ ان رغبة الطرفين في التعجيل في انهاء ظل الحريرية عن الحكم دفعتهما الى ارجاء الامور الاخرى الى وقت لاحق.


وبعدها بدأت رحلة معاناة تشكيل الحكومة، واخذ ميقاتي وقته واصطدم بأكثر من عقدة مع شركائه الجدد حلت جميعها تدريجا، وبقيت عقدة تمثيل المعارضة السنية التي اختير لها فيصل كرامي فحلّها الرئيس بري على حسابه متبرعاً بوزير من حصة طائفته.


وهكذا، بعد مخاض عسير وطويل نسبيا ولدت حكومة ميقاتي، وكان شعار الحزب المعلن وغير المعلن اعطاءه فرصة كبرى لينجح في مهمته بعدما "صمد" في وجه "شارعه" وتحدى كل مظاهر الاحتجاج في قلب مدينته وظل حضوره فاعلاً ومتغلغلاً فيها.


واذا كان "حزب الله" قد نجح في مواجهة "خطر" كان يعتبر انه يحدق به، فإنه سرعان ما اضطر الى مواجهة خطرين، الاول كان غير محسوب فيما الثاني كان في قائمة المتوقع.


ففي منتصف آذار، هبت عاصفة الاحداث في سوريا، وللحظة ما تهيب الحزب الموقف، فحليفه الاقرب والاوثق امام ازمة حقيقية غير مسبوقة. صمت الحزب لفترة معينة مترقبا ومنتظرا ثم رفع صوته مجاهرا بدعم النظام في سوريا على اساس انه نظام الممانعة والمقاومة، مؤيدا في الوقت عينه دعوة الرئيس بشار الاسد الى الاصلاح والتغيير. وضمناً، اطمأن الحزب الى امر اساسي ان النظام في دمشق قادر على الصمود في وجه العاصفة التي هبت عليه، وان قاعدته الشعبية عريضة وانه لا يماثل نظامي مصر وتونس من حيث الوضع والدور، فضلا عن انه جزء من محور ممتد من موسكو الى طهران، مرورا بالعراق ولبنان، وبالتالي فإن "احلام" خصوم الحزب بسقوط نظام الاسد وبنهوض معادلة في المنطقة ولبنان تفضي الى عودتهم بسلاسة الى السلطة في لبنان، صارت في نظره سراباً.


اما بالنسبة الى الخطر الثاني المتأتي من لاهاي، ففي اواخر حزيران الماضي صدر القرار الاتهامي صورة طبق الاصل عما كشف عنه، وعلى الفور استأنف الحزب بلسان امينه العام الهجمة على هذه المحكمة، معلنا صراحة انه لن يسلم المتهمين، ومقدماً رداً مطولاً يشكك في صدقية المحكمة ونزاهة مقاصدها، في مؤتمر صحافي مطول عقده السيد نصرالله في 2 تموز الماضي، فيما تولى النائب حسن فضل الله تقديم تشكيك آخر في الدليل الظرفي الذي استند اليه القرار وتولى النائب محمد رعد تقديم دفاع سياسي.


وعليه، اعتبر الحزب ضمنا انه انجز كل الردود المطلوبة منه على المحكمة وقرارها، وهو الذي بدأ الهجمة عليها منذ زمن، فأفرغها من كل هالتها وكل ما يعتبره خطرا، وعليه كان وقع القرار عاديا وردود الفعل عليه كما توقع، فلا صخب في الشارع ولا حراك غير عادي في مناطق نفوذ "تيار المستقبل"، واعلن الحزب جهارا ان المحكمة وقراراتها "صارت وراءنا".


لكن تلك النتيجة التي توصل اليها الحزب، لم تحل دون رصده لحراك المحكمة والضغوط التي تواكبها ولا سيما موضوع التمويل وتجديد البروتوكول المتعلق بها. وطوال اسابيع جاهر الحزب بإعلان معارضته المطلقة لتمويل المحكمة عبر المسارب والمسالك الرسمية.


ومع اصرار الرئيس ميقاتي على المسألة وربطه بين استمراره في منصبه والتمويل، جاء ممهورا بتوقيع بري تمويل المحكمة من "جيب" الهيئة العليا للاغاثة. البعض اعتبره انقاذا للحكومة، لكن الحزب لم يرتح الى الحل برمته، واخذ على ميقاتي حماسته للتمويل وتعهده للغرب والشرق إنجاز الامر.


قبل الحزب على مضض بصيغة الحل، لكنه وجد نفسه لاحقا امام مهمة ضمان استمرار الحكومة، فسعى الى اعادة ضخ الروح "الحلف الثلاثي" واعاد الاعتبار بتوجيه ضربة الى ميقاتي، كان واضحا ان المراد منها تحديد خطوط المدى الحيوي له في المراحل المقبلة.


وعليه بدا الحزب في نهاية السنة الحالية امام مهمة اكثر صعوبة من مهمة اسقاط حكومة الحريري، وهي الحفاظ على التركيبة الحكومية الحالية، والأهم ان تراعي هواجسه وحساباته الى ان تأتي سنة 2013، حيث ثمة حسابات اخرى، فهل تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر