الراصد القديم

2011/12/15

حروب أمنيّة واسعة وتصفية حسابات استخباراتية في ايران وسوريا ولبنان

اهتزاز الوضع الامني في جنوب لبنان، وتارة استهداف قوات الطوارئ الدولية، وطوراً باطلاق الصواريخ باتجاه شمال اسرائيل بعد فترة طويلة من الهدوء نتيجة القرار 1701، اعاد كشف الحقيقة التي ما برح يرزح تحت ثقلها لبنان منذ امد بعيد، وهي ان الساحة اللبنانية مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات التي تحصل في الشرق الاوسط.


لكن الجديد في هذه الرسائل ان عنوان البريد اصبح واضحا: باريس. فخلال الاعتداءات السابقة التي طالت القوة الدولية، كانت التفجيرات تطال جنود من جنسيات مختلفة مثل اسبانيا وايطاليا، يومها كان الهمس يحمل تكهنات بأن المقصود هو توجيه تنبيه عن بعد لفرنسا التي تشكل العمود الفقري لقوات الطوارئ الدولية.

لكن الوضع تبدل ليصبح العنوان المرسل اليه اكثر وضوحاً، ربما لأن الوضع اختلف على مستوى المعادلات الميدانية. لا بل ان التصريح الاتهامي لوزير خارجية فرنسا آلان جوبيه من خلال تحميل دمشق مسؤولية الاعتداء، تلاه بعد ساعات معدودة اطلاق صاروخ من الجنوب باتجاه شمال اسرائيل، ولو انه اخطأ الهدف وسقط في اراض لبنانية.


ولذلك تبدو اللعبة واضحة في نظر المراقبين وهؤلاء على قناعة بأن رسائل الجنوب انما تدور في فلك الاحداث الدائرة في سوريا. والواضح ان فرنسا التي شكلت رأس الهجوم على النظام السوري خلال الاشهر الماضية، وضعت نفسها في مواجهة مكشوفة مع الفريق الذي بات يشكل الجزء المقابل للمعادلة، اي دمشق وطهران وموسكو، وحتى العراق.


وأما الذي استجد، فهي الانعطافة التي تستعد واشنطن لتنفيذها، على اساس فتح الابواب امام تسوية شاملة تلحظ من دون شك الوضع السوري، وهذا الامر يدفع لترك فرنسا خارجاً، ما يسمح برفع مستوى المواجهة معها. فباريس ارسلت ضباطها الى شمال لبنان بهدف رعاية المعارضين امنيا، وتولت صياغة خطة تحرك داعمة لهؤلاء ايضا بالتفاهم والتنسيق مع تركيا، من خلال تأمين اسلحة نوعية من ليبيا الى احد المطارات العسكرية في الاسكندرون ومنها الى الداخل السوري.


ومع اقتناع الولايات المتحدة الاميركية ان بغداد وبالتحالف مع طهران لن تخضع وتعمد الى الابقاء على قواعد عسكرية للاميركيين، وبالتالي فهي متمسكة بخروج جميع القوات الاميركية في نهاية الشهر الحالي، بدا ان اللعبة ذهبت باتجاه آخر: الرضوخ للامر الواقع والحد من الخسائر من خلال انجاز تسوية شاملة في المنطقة.
فالضغوط كانت قد بلغت اوجها على النظام السوري، لكن ذلك لم يؤد الى اي ليونة في الموقف العراقي. لا بل

على العكس، فان الامور زادت تعقيداً مع دخول روسيا مباشرة على خط الاحداث، وارسالها قطعاً بحرية عسكرية رست في ميناء طرطوس، ما جعلها تحجز لها مقعداً في المنطقة التي ما برحت تعتبرها واشنطن حكراً عليها وحدها.

وروسيا التي تقوم بحياكة تحالفات دولية في مواجهة الولايات المتحدة الاميركية، اعربت عن خوفها من اكثر من محطة على تعاونها مع الولايات المتحدة الاميركية من دون ان تنال مكافأة على ذلك، لا بل استفاقت في احد الايام لتجد واشنطن وقد اصبحت بالقرب من حدودها مثل جورجيا واوكرانيا، ما جعلها تستخدم القوة العسكرية لتوقف التمدد الاميركي في الدول المجاورة لحدودها. وبدت لها الفرصة سانحة في الشرق الاوسط من خلال سوريا، في وقت يدور فيه صراع بارد بين واشنطن وبكين حول النفوذ الدولي وفق الاحجام الجديدة.


المهم ان الرسائل الامنية في جنوب لبنان، ليست الرسائل الوحيدة في المنطقة، فالمناورات العسكرية التي اجرتها سوريا اخيراً وُصفت بأنها جريئة وغير مسبوقة بالذخيرة الحية لتشمل صواريخ بعيدة المدى، وهو ما اعتبرته واشنطن بأنها رسالة موجهة الى كل من تركيا ومن يقف خلفها.

في هذا الوقت، كانت الحرب الامنية في اوجها بين ايران واخصامها من خلال سلسلة عمليات اغتيال وتفجيرات داخل ايران، لا بل ان مراكز دراسات اميركية تحدثت عن تمكن الخبراء الاميركيين من التسلل الى شبكة الكومبيوتر الناظمة للمنشآت النووية الايرانية وارسال «فيروس» صمم من اجل توجيه اجهزة الطرد المركزية لتخصيب اليورانيوم وتدميرها. كما جرى تنفيذ عمليات اغتيال لاثنين من اهم الاخصائيين في مجال الفيزياء النووية، وصرح آخر باستخدام عبوات ناسفة.


لكن ايران ردت من خلال ضربتين كبيرتين الاولى وتتعلق باختراق شبكات التجسس الاميركية في ايران وسوريا وخصوصاً في لبنان، ما شكل هزة قوية داخل جهاز المخابرات الاميركية.
اما الضربة الثانية فهي تتعلق بنجاح ايران في السيطرة والتحكم بطائرة تجسس عالية التقنية دون طيار تعمل لحساب وكالة المخابرات المركزية الاميركية، وارغامها على الهبوط على اراضيها وهي بحالة سليمة الى حد كبير وعرضتها امام العالم الذي يرى هذا النوع من طائرات التجسس للمرة الاولى.


وفي اطار مواز نشرت صحيفة «واشنطن بوست» اخيراً تقريراً حول نجاح عدة محاولات لاختراق اجهزة كومبيوتر تابعة لوزارة الدفاع الاميركية والمصنفة سرية جداً، متهمة روسيا بذلك.
المهم ان رقعة المواجهة التي وسعت معادلتها في الشرق الاوسط، فيما بدا ان بغداد حسمت امرها لناحية

الوجود العسكري الاميركي، جعل واشنطن مقتنعة بانتهاج سياسة الحدّ من الخسائر والتوجه ناحية انجاز تسوية ما حول المنطقة. فاستقبل البيت الابيض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي حذر من احتمال تفكك العراق في حال تصاعدت المواجهات في سوريا، وهو ما يهدد المصالح الاميركية في العراق.


هذا الواقع الجديد وضع فرنسا في وضع مكشوف وهي التي تولت لعب دور رأس الحربة في خطة ازاحة الاسد عن رأس السلطة في دمشق.
وهذا الواقع يدفع لحسابات جديدة ولغة تخاطب أخرى.


ومن دروس التاريخ، ان سوريا انتظرت مرور سنتين بعد الهزيمة التي تلقتها في لبنان اثر الاجتياح الاسرائيلي، وفتحت الساحة اللبنانية أمام الدخول الايراني، خلال الحرس الثوري في وقت كان يسجل فيه اهتزاز في العلاقات الاميركية ـ الاسرائيلية، لتبدأ الضربات الامنية على المارينز بداية، ثم الدخول في مرحلة خطف الرعايا الاجانب قبل أن يجري مبادلتهم باثمان دفعت على مستوى الحرب الايرانية ـ العراقية التي كانت دائرة يومها.

وصحيح ان ظروف المرحلة الحالية مختلفة كثيراً، وان ما حصل بالامس لا يصلح اليوم، لكن الدروس المستقاة من احداث الماضي، تشير الى أن للضغوط الغربية في الشرق الاوسط حدود لا يمكن تجاوزها، وان خارطة التحالفات متشعبة وواسعة لدول المنطقة، وتمتد الى عواصم بعيدة، وان بلدان شمال افريقيا والتي شهدت «الربيع العربي» لا تشبه بشيء بلدان الشرق الاوسط.

وصحيح ايضاً، ان زمن الثمانينات ولى، وان المنطقة اليوم في القرن الواحد والعشرين، وهو يستعد له النظام في سوريا من خلال عقد مؤتمر عام ثان للمعارضة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة تضم وجوها معارضة للمرة الاولى في تاريخ سوريا، لكن ذلك لا ينفي ابداً ان للمنطقة خصوصياتها وتركيبتها المعقدة، وان مختلف مجموعات المنطقة قد ينسى تناقضاته ويتحد ليواجه «الاجنبي»، كما حصل في العراق مثلاً، وان الانجاز الفرنسي بايجاد موطىء قدم له في جنوب لبنان وسط المثلث الذهبي لبنان ـ اسرائيل ـ سوريا بات مهدداً، او على الاقل سيكون ثمنه مرتفعاً من الآن وصاعداً، ليدخل ورقة اساسية في الصراع السياسي الداخلي لفرنسا، فيما لبنان يدخل في كل مرة في قلب صراعات المنطقة، ليبقى على الدوام ثمناً في التسويات وليس ابداً طرفاً فيها، والفارق كبير وكبير جداً

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر