الراصد القديم

2011/12/17

"الجمهورية": "الشهود الزور" بين السياسة والقانون

سعاد مارون
"الجمهورية"
إذا كان كل ما يتّصل بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان يشكل مادة للتجاذب السياسي، وفي كثير من الأحيان بعيدا من الأصول القانونية، إلا أن ما سمي "قضية الشهود الزور"، بقي المسألة الأكثر تجاذبا وتأثيرا، لا سيما بعد أن شكّل عنوانا لسقوط الحكومة السابقة.

برزت مسألة "شهود الزور"، في الأصل على خلفية توقيف الضباط الأربعة الذين تولّوا القيادة الأمنية في أثناء إغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وخصوصا بعد ما تردد أن شاهدَين كانا أدليا بشهادتيهما أمام لجنة التحقيق الدولية المستقلة تراجعا عن أقوالهما، فإعتبر الضباط أن إتهامهم والإتهام السياسي النظام السوري كانا باطلين.

مضى عام على إستقالة وزراء فريق 8 آذار وأكثر من ستة أشهر على تأليف حكومة هذا الفريق، من دون أن تنقاش هذا الملف، مما دفع البعض الى الإستنتاج أن ما حصل لم يكن سوى غطاء قضائي لقضية سياسية.

وما يعزّز هذا الإعتقاد بالنسبة لهؤلاء هو الرأي القانوني الذي يستبعد صلاحية المجلس العدلي للنظر في شهادات أُدليت أمام لجنة التحقيق الدولية، والقول أن صلاحية البت بالأمر إنما تعود الى المحاكم الجزائية العادية، وأبرز هذه الآراء الدراسة التي قدمها وزير العدل السابق إبراهيم نجّار أثناء توليه الوزارة.

فهل هي مسألة قضائية يراد منها نتائج سياسية؟ والى أي مدى يمكن التحدّث عن وجود ملف قضائي لمسألة "الشهود الزور"، قبل وجود أي إدعاء عام؟ ومن هو المرجع القضائي الصالح للبت بهذه المسألة خصوصا بعد أن حسمت المحكمة الدولية الخاصة عدم إختصاصها لكون الشهادات المشكو منها حصلت قبل وجودها؟

في هذا المجال قال الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة الدكتور يوسف سعدالله الخوري، لـ "الجمهورية": "كنت منذ البداية من مؤيدي صلاحية القضاء اللبناني وليس الدولي للنظر في هذه المسألة"، وأكّد أن "ما يسمى ملف الشهود الزور، إن صحّت التسمية، لا يدخل في إختصاص المجلس العدلي، وإنما محكمة الجنايات بعد مسار قضائي طويل ومعقّد".

واوضح أنه "حتى الآن لا يمكن الحديث عن وجود ملف بالمعنى القضائي وإذا كان لا بد من ذلك، ينبغي أن يكون هناك أولا إدعاء للنيابة العامة التمييزية، ثم إحالة الى قاضي التحقيق في بيروت الذي عليه أن يحقق مع المدعى عليهم، إن وجدوا ولم يكونوا فارّين، أما في حال لم يكن المدعى عليهم موجودون فإن التحقيق سيتعثّر، وقد يستتبع ذلك توقيف الملف في الأدراج".

واضاف: "أما إذا كان لدى القاضي معطيات واضحة تسمح بإتخاذ القرار غيابيا من دون الإستماع الى المدعى عليهم، فإنه يتخّذ قراره، إما بالظنّ بالمدعى عليهم أو بمنع المحاكمة".

وأوضح الخوري أن قاضي التحقيق إذا أصدر قرارا إتهاميا في حق المدعى عليهم، فإن قراره يتطلّب تصديقا من الهيئة الإتهامية، بعد ذلك تحال القضية على محكمة الجنايات". وقال: "إن وصف شهادات الشهود بـ"شهادات الزور"، عملا بالقانون اللبناني، هو لمحكمة الجنايات وحدها. كما أن لهذه المحكمة أن تنفي حصول الجرم وتبرّئ المتهمين أو تعطي وصفاً جرمياً آخر لأفعالهم إذا ثبت تورّطهم في إلحاق الضرر بالضباط الأربعة".

وأشار الخوري الى "أن القانون حصر اختصاص المجلس العدلي بالحالات المحددة في المادة 355 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي حدود ما تنص عليه المواد 270 الى 336 من قانون العقوبات، والجرائم المنصوص عنها في قانون 11/1/1958. ويشير هذا القانون الى جرائم الإعتداء التي تستهدف إثارة الحرب الأهلية أو الإقتتال الطائفي ... أو الحضّ على القتل والنهب والتخريب، وجرائم ترؤّس عصابة مسلحة بقصد إجتياح مدينة أو محلة أو أملاك الدولة أو الأهلين، أو بقصد مهاجمة أو مقاومة القوة العامة العاملة ضد مرتكبي هذه الجنايات، (التتمة صفحة 24)

وصنع أو حيازة المواد المتفجرة ...أو الأجزاء التي تستعمل في تركيبها... وكل عمل إرهابي أو مؤامرة بقصد ارتكاب هذه الجنايات. فضلا عن الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة التي تعقدها وزارة الدفاع والجرائم المرتبطة بها أو المتفرّعة عنها...

السياق التاريخي

وفي 30 آب 2005 أوقف كل من المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد، والمدير السابق للمخابرات العميد ريمون عازار، والمدير العام السابق للأمن الداخلي اللواء علي الحاج، والقائد السابق للحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، بنتيجة التحقيق معهم لدى لجنة الأمم المتحدة المستقلة، وإستمر التوقيف حتى 29 نيسان 2009 عندما طلب قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، دانيال فرانسين من السلطات اللبنانية الافراج عنهم، بناء لطلب المدعي العام دانيال بلمار، معتبرا أنهم "لا يستوفون الشروط الأساسية التي تبرّر احتجازهم الموقت ولا الافراج المشروط عنهم".

وقد أثار توقيف الضباط والإفراج عنهم مسألة تعديل المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي كانت تسمح بالتوقيف الإحتياطي من دون سقف زمني في بعض الجنايات، فعدّل مجلس النواب الفقرة الثانية منها محددا المدة القصوى للتوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلّل.

وفي غضون ذلك، تقدم اللواء السيد بشكاوى جزائية عدة في سوريا وفرنسا، ضدّ من إعتبر انهم مسؤولون عن توقيفه. وتسلّم من المحكمة الدولية الخاصة 270 مستندا كان طلبها للشكوى ممن قال أنهم ضلّلوا التحقيق. أما القضاء السوري فقد أصدر مذكّرات توقيف في حق عدد من السياسيين والإعلاميين اللبنانيين، لاقت أصداء سلبية في الدول العربية خصوصا بعد أن رفض ممثلو 16 دولة عربية في اجتماع منظمة "الإنتربول"، في الدوحة في 10 تشرين الثاني 2010 تطبيق هذه المذكرات.ف

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر