الراصد القديم

2011/12/29

الفلتان يضرب المطار

ما يحصل في مطار بيروت الدولي يثير الريبة: أعمال رشى مختلفة وتهريب بضائع والتلاعب ببوالص الشحن والمانيفست وسرقة الطوابع عن البوالص، فضلاً عن التلاعب بالأوزان، حتى بات الوزن «غبّ الطلب»... «كل هذا الفلتان المنظّم يجري تحت أعين موظفي قسم الشحن في شركة «ميغ» التابعة لـشركة «ميدل إيست»، يضاف إليهم اثنان من حيتان التخليص الجمركي، ومتورطون من الجمارك وأمن المطار... هذا ما يقوله العارفون

«إدارة عمليات الشحن في مطار بيروت الدولي»، باتت تشبه مستعمرة مستقلّة في لبنان يديرها مندوب سامٍ يُطلق عليه صفة «Chairman». فرئيس مجلس الإدارة، المدير العام محمد الحوت، هو الوحيد الذي يمكنه نقل الموظفين إلى هناك، حتى صارت عرقلة وتسهيل أمور كبرى الشركات وأصغرها أمراً روتينياً لدى الموظفين... هكذا يصف عاملون في مطار بيروت الدولي ما يجري في عنابر الشحن في مطار بيروت. يؤكدون أن أموراً مريبة تحصل هناك يومياً.

في الفترة الأخيرة، كشف عدد من الفضائح وجود تلاعب بمانيفست البضائع الواردة إلى لبنان على متن طائرة سعودية. نحو 5 أطنان اختفت من عنابر الجمارك، بعدما نقلت من عنابر الدخول. لكن أوساط الحوت نفت علمه بهذا الأمر. وفي الفترة نفسها، جرى التلاعب بتسجيل أطنان من الثياب التركية الواردة إلى لبنان لتمكين المستوردين من التهرّب من سداد الضريبة. هذه «الأخبار» ليست سوى غيض من فيض ما يجري في عنابر الشحن وإدارته في المطار. ومن أبرز الأمثلة دلالة على ما يجري، أن وزير الزراعة أصدر قراراً يمنع استيراد الخضر من أوروبا، وحاول القيام بزيارة تفقدية لعنابر الشحن للاطلاع على حسن سير البضائع، لكنه لم يتمكن من ذلك، بعد إشكال مع الرائد المسؤول في الجمارك. لكنّ عدداً من السائقين الذين عملوا على نقل البضائع من برادات الجمارك، أكدوا أن أطنان من الخضر جاءت في تلك الليلة وهُرِّبت غصباً عن قرار وزير الزراعة.
يقول المطلعون إن ما يجري في قسم الشحن في مطار بيروت «يفوق كل تصوّر»: تلاعب بالمانيفست وبوالص الشحن والميزان والبرامج الجمركية... كل هذه الحركة تمرّ عبر المسؤول في شركة «ميغ» المملوكة من شركة طيران الشرق الأوسط (س. ش)، المعروف بعلاقته القوية واليومية مع كل من محمد الحوت وعمّه عادل الحوت، بالإضافة إلى المخلّص الجمركي (هـ. س). ويروي العاملون أن (س. ش) ليس وحده في هذه العلاقة مع الحوت، فهناك عدد من المديرين، أبرزهم: (د. م)، (ز. ح)، (ن، ص) (م. ق). هؤلاء الموظفون مستقرون في قسم الشحن منذ أكثر من 10 سنوات، ويحميهم عادل الحوت مباشرة، وهو قريب محمد الحوت، ويمثّل المدير الفعلي لشركة «ميدل إيست» والشركات التابعة لها، بدليل أن شكوى قُدمت في الفترة الأخيرة على (ن، ص)، وتبيّن صحّتها، لكن لم يُتَّخَذ أي إجراء بحقه بأوامر شفهية من الحوت.


يضاف إلى هذه المجموعة اثنان من أبرز المخلّصين الجمركيين: (هـ. س) و(ع. ن)، اللذان لديهما كلمة «لا تصير اثنتين» لدى الجمارك في المطار.


جميع العاملين في المطار متيقنون من أن إدارة المطار مسلّمة للحوت بكاملها، لكن هناك قلّة تعلم فقط كيف يُدار الشحن بواسطة شركة «ميغ». هذه الشركة التي يرأسها (ر. م)، وهي تقوم بخدمات نقل الحقائب والبضائع إلى الطائرات، سواء للأشخاص العاديين أو للأشخاص المميزين (VIP). عبر المطار تشحن كبرى الشركات، كميات من المعدات الطبية والكومبيوترات ومختلف الأجهزة ذات التقنية المتطوّرة... كل هذه البضائع الداخلة والخارجة التي تستوردها أو تصدّرها الشركات التجارية والصناعية الكبرى في لبنان، تمثّل الهدف الأساسي لمجموعة مترابطة من الأشخاص عملت خلال السنوات الماضية على بناء علاقات «تجارية ـــــ ابتزازية» مع المخلّصين الجمركيين وممثلي الشركات.


عندما تأتي البضائع عبر المطار أو تخرج منه، فهذا الأمر يجري بواسطة ما يُعرف أنه «مانيفست». هذا المانيفست يتضمن معلومات عن الطائرة وبوالص الشحن بكل تفاصيلها (عدد الطرود، الوزن، النوع)، وتُرفق بالمانيفست نسخة عن بوالص الشحن تظهر معلومات عن البضاعة الواردة أو الصادرة (المتسلم، العميل، عدد الطرود، المصدر، الشركة...)، لكن المتابعين يؤكدون أن ما يحصل هو أن بعض البوالص تختفي، أو يُتلاعَب بالمانيفست لتعديل العدد أو النوع او الوزن، أو يُتلاعَب بأذونات التسليم... في المحصلة، يدفع المخلّص الجمركي مبالغ مالية لهؤلاء الموظفين المسؤولين عن قيد المانيفست على برنامج الجمارك «نجم»، فيستفيد من سرعة تخليص البضائع بوزن أقل والتهرّب من الرسوم الجمركية. وفي أوقات كثيرة تُخفى محاضر المخالفات الجمركية على أنواعها للتهرب من تسديد الغرامات.


في الواقع، تُدخَل معطيات المانيفست إلى قسم الشحن عبر برنامج «نجم». في هذه اللحظة تحديداً، يُتلاعَب بكل شيء. فإذا أُدخلت المعلومات كاملة إلى البرنامج، عندها يخرج البيان الجمركي «أخضر». أما إذا أدخلت المعلومات الصحيحة التي قد تكون مجتزأة، فيخرج البيان «أحمر».


بين الأخضر والأحمر هناك فرق كبير. الأخضر يسهّل مهمة المخلّص الجمركي، والأحمر يصعبها ويزيد مبالغ الرشوة التي يدفعها المخلّص والتي يضعها على حساب الشركة المستوردة أو المصدرة، وهذا يعني أن الخدمات الأقل كلفة هي الأكثر طلباً.


ومن أكثر خدمات الشحن غير المشروعة، تلك التي يقوم بها بعض الموظفين المذكورين. هؤلاء يقومون بتعريف شيكات مؤخرة على نظام المعلوماتية الخاص بالشركة، فتبيّن أنهم يقومون مقام الصرافين أيضاً، فيقبضون من العملاء الجمركيين شيكات مؤخرة الدفع مقابل عمولة، ثم يضعون الشيكات في الصندوق وتحصّلها إدارة الشركة.


تردّ أوساط الحوت على كل هذ المعطيات بأن هناك احتمالاً لحصول خطأ بسيط، إلا أنه لا «توجد هناك ظاهرة فساد عامة، وما يحصل هناك هو شبيه بما يحصل في أي إدارة أخرى».


على أرض الواقع، تقول المعطيات المتداولة بين العاملين في المطار إن الحوت ليس وحده، بل هناك شركاء طبيعيون لديه في المطار الذي يخضع لسيطرته. فهناك من يحميه سياسياً، من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتيار المستقبل إلى وزير الوصاية ومجموعة واسعة من المستفيدين على رأس كل مؤسسة معنية في المطار، مثل إدارة الجمارك، جهاز أمن المطار.

محمد وهبة

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر