الراصد القديم

2011/12/09

سوريا على مسرح عمليات حلف "الناتو"

البدائل للتدخل العسكري المباشر

عمر نجيب

مع اقتراب نهاية شهر نوفمبر 2011 وأمام تعثر جهود واشنطن وباريس ولندن للحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي لقيام حلف شمال الأطلسي بالتدخل عسكريا في سوريا وذلك بسبب استمرار معارضة كل من موسكو وبكين، اقترب مخططوا السياسة في العواصم الغربية الثلاث من الحسم بشأن تطبيق أكثر من سيناريو بديل.

لم يكن الأمر يتعلق سوى بتأجيل موعد التدخل العسكري للحلف الأطلسي حتى تنجح المساومات مع كل من روسيا أو الصين أو ينجح أحد السيناريوهات البديلة في الوصول إلى إنجاز المهمة.

يوم الجمعة 18 نوفمبر حذر وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو من أن بلاده قد تتخذ المزيد من الإجراءات ضد النظام السوري إذا استمر العنف.

ونقلت وكالة أنباء "الأناضول" عن داود أوغلو، قوله في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي آلان جوبيه، رداً على سؤال عما إذا كانت تركيا ستدعم فرض حظر جوي على سوريا، إن "هدفنا الأساسي هو اتخاذ خطوات ضرورية بالتوازي مع مبادرة الجامعة العربية لوقف سيل الدماء، ولكن إذا استمرت الهجمات فستكون هناك حاجة لاتخاذ المزيد من الإجراءات".

من جهته، قال جوبيه في المؤتمر الصحافي، إن هناك حاجة لتعزيز العقوبات على سوريا، تتضمن المزيد من العقوبات الاقتصادية على أصول الحكومة السورية وبعض المسؤولين السوريين، في الاتحاد الأوروبي.

وذكر أنه "ليس من المنطقي أن يكون مجلس الأمن الدولي لم يتحرك بعد في هذا الصدد". وتابع "آمل بأن يكون المعارضون لصدور قرارات عن مجلس الأمن الدولي مدركين للواقع"، وأكد أن "نشوب حرب أهلية سيكون كارثياً".

منطقة حظر جوي

النقر في أنقرة على فكرة فرض منطقة حظر جوي على سوريا على شاكلة الحظر على العراق الذي شرع في تطبيقه يوم 5 أبريل 1991، جاء بعد 24 ساعة من تأكيد المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا رياض الشقفة، في مؤتمر صحفي في إسطنبول إن "الشعب السوري سيقبل بتدخل من تركيا أكثر من الغرب إذا كان الأمر يتعلق بحماية المدنيين". وتابع "قد نحتاج لطلب المزيد من تركيا لأنها جارة"، من دون أن يوضح طبيعة التدخل الذي تأمل الجماعة فيه.

وردا على سؤال حول تحول المظاهرات إلى العنف ومهاجمة القواعد والمنشآت، قال المسؤول السياسي في الجماعة محمد فاروق طيفور "نؤكد على سلمية الثورة لكن شرفاء في الجيش يرفضون أوامر قادتهم بقتل شعبهم ويضطرون للدفاع عن أنفسهم".

أطياف المعارضة السورية ليست على رأي واحد فيما يخص التدخل الأجنبي فمن جانبه أكد رئيس تيار بناء الدولة السورية المعارض لؤى حسين عقب لقاء الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربى في القاهرة، رفض المطالب التي تنادى بفرض حظر جوى على سوريا، وقال: "نحن لا نؤيد ذلك ولا نقبل بهذا الأمر، لأنه سيتسبب بتدخل عسكري سيزيد من عدد القتلى والضحايا، فضلا عن تهديم الدولة السورية".

يوم 17 نوفمبر نقلت صحيفة "التايمز" البريطانية عن عبيدة نحاس عضو في المجلس الوطني السوري المقيم في لندن قوله إن تركيا عازمة على إقامة منطقة حظر جوي من لأجل تشديد الخناق على النظام السوري وأنه سيتم من خلالها استهداف أية طائرة سورية.

مصادر رصد في غرب وشرق أوروبا نبهت إلى أنه تم التمهيد لقبول للدور التركي في المنطقة وذلك عبر مواقف مرحب بها عربيا مثل الخلاف مع إسرائيل حول غزة وتجميد المناورات بين الجيش التركي والإسرائيلي إلى غير ذلك، ولكن دون أن يصل الأمر إلى قطع العلاقات أو حتى إلغاء الصفقات التجارية والعسكرية.

يوم 18 نوفمبر ذكرت صحيفة "صباح" القريبة من الحكومة التركية أن ممثلين من المجلس الوطني السوري الذي يضم عدداً من أطياف المعارضة السورية بينهم الإخوان المسلمون، طلبوا من تركيا وضع خطط لفرض منطقة حظر جوي لكيلومترات قليلة داخل الأراضي السورية وتوسيعها شيئاً فشيئاً لتضم مدينة حلب. وأضافت الصحيفة "إن أنقرة أخبرت المعارضة السورية بأنه يجب تنفيذ ثلاثة شروط، وهي أن تكون منطقة الحظر الجوي بتفويض من الأمم المتحدة وأن تبادر جامعة الدول العربية بدعم الأمر، وأن تلعب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دور الضامنين".

وحسب الصحيفة، ينص المشروع، الذي "تمت مناقشته بين الحكومة التركية والمعارضة السورية" من جهة، "وبين الحكومة التركية والجامعة العربية" من جهة أخرى، على إقامة منطقة حظر جوي في البداية تكون بعمق 5 كيلومترات انطلاقاً من طول الحدود التركية تتسع وصولاً إلى حلب "التي ستتحول مع الوقت إلى أساس للمنطقة التي ستصبح في ما بعد منطقة عازلة". وبحسب "صباح"، فإن "اتصالات المعارضة السورية في القاهرة وفي تركيا خلصت إلى أن تعلن الأمم المتحدة منطقة الحظر الجوي هذه، على أن تطبقها تركيا وأن تدعمها الجامعة العربية"، مع التشديد على أن "تدخلا عسكريا لحلف شمالي الأطلسي لن يحصل أبدا في سوريا" وذلك من أجل تجنب معارضة موسكو وبكين. ووفق المشروع نفسه، فإن منطقة الحظر الجوي ستتسع مع مرور الوقت لتصبح منطقة عازلة، مع التأكيد أن المراقبين الـ500 الذين قرر العرب إرسالهم إلى سوريا سيتوجهون فعلاً إلى هناك و"سيكونون المرحلة الأولى من سياسة رفع الضغوط على النظام السوري بحسب ما اتفق عليه في الرباط"، في إشارة إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب واللقاء العربي التركي في العاصمة المغربية. وأشارت الصحيفة إلى أن الجامعة العربية سيكون لها دور حيوي في تطبيق المشروع المذكور الهادف إلى "تغيير" النظام، إذ من المقرر أن تطلب من مجلس الأمن الدولي استصدار قرار بإقامة هذه المنطقة. وفيما توقف تقرير الصحيفة عند أن العقبة الوحيدة التي تعوق تطبيق المشروع حتى الآن هي الفيتو الروسي والصيني المنتظر، فإنها تتحدث عن توقعات بإقناع هاتين الدولتين.

ومن البنود الحساسة التي يتضمنها تقرير "صباح"، ما يخص مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية ومركز الثقل الاقتصادي في البلاد والتي لا تزال تعد بمثابة نقطة ثقل بالنسبة إلى شعبية النظام ومؤيديه. ووفق المشروع المذكور نفسه، فإن منطقة الحظر الجوي التي ستبدأ بعمق 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية، ستتحول إلى منطقة عازلة "وستضم مع الوقت مدينة حلب لكي تتحول إلى ما يشبه بنغازي سوريا بالنسبة إلى المعارضة السورية، ومنطلقا لتمركز الجنود و"الضباط المنشقين" عن الجيش السوري النظامي ولعائلاتهم، ولهجمات المنشقين على الأهداف السورية". وتصف الصحيفة هذا المسار بأنه سيكون "طويلا وصعبا"، وتنقل عن مصادرها توقعاتها بأن يجري خلال مراحل تنفيذه إضعاف وانقسام حقيقي للجيش السوري النظامي.

في أنقرة نفى مسؤولون أتراك صحة تقارير صحيفة "صباح".

قدرة محدودة

رأى مراقبون أتراك أن النفي التركي لصحة التقرير هو "أمر منطقي"، مرجِحين أن يكون نشر التقرير في صحيفة "صباح" المقرَبة جدا من الحكومة، هدفه "تهيئة الرأي العام التركي لمثل هذا السيناريو المحتمل، وخصوصاً أن الرأي العام التركي غير المهتم، بشق كبير منه، بالشؤون الخارجية، بعيد جدا عن مصطلح منطقة حظر جوي أو منطقة عازلة".

ورغم النفي التركي لصحة الخبر الصحافي، فإن تعليقاً لافتا في تأييده الضمني صدر من باريس، إذ رأى المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو، رداً على سؤال حول موقف فرنسا من احتمال إقامة منطقة عازلة بين سوريا وتركيا، أن "أي إجراء يهدف إلى حماية المدنيين السوريين يستحق الدرس بانتباه".

محللون عسكريون في برلين أشاروا أنه ليس لدى تركيا بمفردها وفي المرحلة الحالية التي يبقى فيها الجيش السوري متماسكا القدرة على القيام بمفردها بفرض منطقة الحظر الجوي، فهي بحاجة إلى دعم كبير من جانب حلف "الناتو"، ويشير هؤلاء إلى أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه إلى تركيا ثم تنقله من هناك إلى عدة دول عربية الكويت ثم الامارات والسعودية وقطر، يدخل في إطار عملية الاعداد للحظر الجوي. ويضيف هؤلاء أن باريس تسعى للحصول على دعم عسكري ومالي عربي مثلما حدث بالنسبة لليبيا.

باريس نقلت خلال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 14 طائرة من طراز "رافال" المقاتلة المقنبلة إلى قاعدة انكرليك الجوية جنوب تركيا وعززتها بطائرة استطلاع أواكس أو سنتري أي الحارس وهذه الطائرة هي تحوير لطائرة نقل المسافرين المعروفة بوينغ 707-320.

والتحوير الرئيسي الذي يميز طائرة "سنتري" هو هوائي الرادار الدائري الدوار الضخم المثبت على ظهرها على ارتفاع اربعة امتار. ويبلغ قطر الهوائي زهاء 9.1 امتار وسمكه 1.8 مترا.

ويحتوي الهوائي على جهاز للرادار بمقدوره التعرف على الطيران المعادي وتعقبه، ومن ثم ارشاد الطائرات المعترضة إلى موقعه في نطاق يمتد من سطح الأرض إلى طبقات الجو العليا.

باريس ليست وحدها من يحشد من أجل الحظر الجوي، فيوم السبت 12 نوفمبر أقر وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إن أربع طائرات استطلاع أمريكية من دون طيار نشرت في قاعدة انكرليك للمساهمة في عمليات محاربة "الإرهاب".

وفي محاولة للتمويه أشار الوزير إلى أن خط طيران الطائرات الأمريكية سيتم تحديده من الجانب التركي والصور الحية التي ستلتقطها الطائرات سترسل مباشرة إلى السلطات العسكرية التركية.

المعروف أن طائرات الاستطلاع الأمريكية ترسل صورها إلى الأقمار العسكرية الأمريكية قبل بثها من هناك إلى المراكز الأرضية.

كما يشار إلى أن القوات الأمريكية تستخدم قاعدة انكرليك الجوية في إقليم أضنة لدعم وإسناد قواتها العاملة في العراق منذ إحتلاله في أبريل 2003، والبنتاغون يمتلك في القاعدة المذكورة أكثر من 36 طائرة حربية من عدة أنواع.

يذكر أن الأمين العام لحلف شمال الاطلسي اندرس فوغ راسموسن استبعد فرض منطقة حظر جوي على سوريا من طرف الناتو مشيرا إلى ان الظروف في سوريا مختلفة عنها في ليبيا، وقد جاء ذلك في تصريحات نقلها مراسل لفرانس برس اثناء زيارة راسموسن المفاجئة للعاصمة الليبية طرابلس نهاية أكتوبر.

ملاحظون وفي رصدهم لكل التحركات الخاصة بسوريا أشاروا أنه يوم الاثنين 14 نوفمبر قالت متحدثة باسم "الناتو" إن الأمين العام للحلف راسموسن سقط من على دراجته وكسر ذراعه فى يوم الأحد 13 نوفمبر، مما اضطره إلى إلغاء زيارة مزمعة لدول البلطيق، وأضافت: "هو بخير لكنه سيستريح بعيدا عن المكتب لبضعة أيام". البعض لم يستبعد أن يكون الأمر يتعلق بزيارة سرية لتركيا، ليس للحديث فقط عن سوريا بل كذلك عن الوضع في مصر حيث عبرت واشنطن عن عدم رضاها عن سياسات المجلس العسكري وأخذ عدد من حلفائها يشنون هجوما إعلاميا مركزا ضده.

باريس وأنقرة والتبعية للسياسة الأمريكية

التقارب والتحالف الفرنسي التركي تجاه الملف السوري أثار تعليقات وتفسيرات عديدة خاصة على ضوء معارضة باريس الشديدة لإنضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي وموقفها من قضية الأرمن.

الاستاذ الجامعي التركي شنغيز اكتار قال "انه موضوع يتوافق عليه البلدان ويأملان معا بنهاية النظام البعثي".

واضاف ان فرنسا وتركيا "تستطيعان تقديم نصائح جيدة لمرحلة ما بعد الحكم البعثي حتى لو كان تاثيرهما محدودا في التطور الراهن للأمور في سوريا".

وبذلك، في امكان باريس وانقرة ان تتبنيا خطابا موحدا حيال الأزمة السورية، يتجاوز الخلافات السابقة بين الجانبين.

واعتبر الجامعي احمد انسيل ان "سوريا يمكن ان تشكل عامل تقارب بين فرنسا وتركيا، شرط الا تتدهور تحركات المعارضين في دمشق ويتم بعد ذلك تقاذف مسؤولية فشل محتمل".

واضاف "ما سيحصل ان باريس وانقرة لن تحيدا عن السياسة الأمريكية لأن الولايات المتحدة هي التي تقود اللعبة بالنسبة إلى سوريا".

وقد رحبت واشنطن بالسياسة التي تنتهجها الحكومة التركية، المنبثقة من التيار الاسلامي المحافظ، حيال التطورات في سوريا.

وصرح بن رودس المستشار المساعد لشؤون الأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي باراك اوباما "اننا نرحب بموقف تركيا وحزمها الذي يوجه رسالة مهمة جدا إلى الرئيس الأسد مرة أخرى".

الحرب الأهلية

يوم الخميس 17 نوفمبر رفضت الولايات المتحدة الحديث عن بداية حرب أهلية في سوريا، الأمر الذي حذر منه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

وقال مارك تونر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ان تصريحات لافروف التي اتهمت المعارضة السورية بجر البلاد إلى "حرب أهلية" هي نتيجة "تقييم خاطىء".

واعتبر تونر ان "نظام الرئيس السوري بشار الاسد يخوض حملة عنف وترهيب وقمع ضد متظاهرين أبرياء ولا نرى في ذلك حربا أهلية".

وادلى لافروف بتصريحه المذكور ردا على سؤال عن هجوم تعرض له الاربعاء 16 نوفمبر مركز للمخابرات الجوية السورية في ريف دمشق من جانب "الجيش السوري الحر" الذي يضم منشقين عن الجيش النظامي.

واعتبر مسؤول أمريكي كبير في حديث لوكالة فرانس برس رافضا كشف هويته، ان الحديث عن حرب اهلية "يصب في مصلحة" الرئيس السوري الذي يعتبر الحركة الاحتجاجية المناهضة له "حركة ارهابية ضد الحكومة".

بعد 24 ساعة حدث تحول في الخطاب الرسمي الأمريكي فقد اعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم الجمعة 18 نوفمبر في مقابلة مع شبكة "ان بي سي" التلفزية ان اندلاع "حرب اهلية" في سوريا أمر ممكن. وقالت كلينتون "اعتقد أنه يمكن أن تندلع حرب اهلية اذا وجدت معارضة لديها تصميم كبير ومسلحة في شكل جيد وتتمتع بتمويل كبير".

واضافت ان هذا العمل المسلح "اذا لم يتول قيادته المنشقون عن الجيش فسيؤثرون فيه بالتأكيد. اننا نراه ولا نوافق على ذلك لأننا نؤيد التظاهرات السلمية والمعارضة غير العنيفة".

وحرصت كلينتون على القول أن "نظام الاسد" هو الذي دفع الشعب من خلال العنف الذي يمارسه منذ اشهر على "حمل السلاح ضده".

وكان محللون قد حذروا من حرب اهلية تنتقل عدواها من سوريا الى لبنان والعراق والاردن واسرائيل. في حين اتهمت روسيا القوى الاجنبية باذكاء العنف من خلال تشجيعها للمعارضة.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عقب محادثات مع وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاثرين اشتون التي دعت الرئيس السوري بشار الاسد إلى التنحي، ان روسيا لا تريد أن يتكرر في سوريا ما حدث في ليبيا.

وأضاف "نحن نشهد السرعة التي تحاول فيها اطراف خارجية الدفع لتصعيد المواجهات في سوريا، ربما بدافع من الرغبة في تقديم صورة مأساوية للوضع عبر وسائل الإعلام والحصول على مزيد من التبرير للتدخل في الشؤون السورية".

ودعا لافروف المجتمع الدولي إلى حث المعارضة على إنهاء العنف مشيرا إلى ان خطة الجامعة العربية حول سوريا يجب أن تكون "واضحة" حول هذه النقطة ومفصلة أكثر".

وأضاف لافروف "من اجل تطبيق مبادرة الجامعة العربية نقترح ان تدعو كل الدول المعنية بالتوصل الى حل سلمي للاحداث في سوريا، ليس فقط السلطات السورية الى وقف العنف وانما مجموعات المعارضة ايضا بدون استثناء".

وقال لافروف "هذا يجب ان يتم من جانبي الجامعة العربية والدول التي تعمل المعارضة انطلاقا من اراضيها".

موسكو وضبط النفس

يوم الجمعة 17 نوفمبر دعا رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الى ابداء "ضبط النفس والحذر" بالنسبة إلى الوضع في سوريا عقب محادثات أجراها مع نظيره الفرنسي فرانسوا فيون الذي اتهم الرئيس السوري بشار الأسد بأنه "أصم" تجاه الضغوط الدولية.

وقال بوتين "نحن ندعو إلى ضبط النفس والحذر، هذا هو موقفنا" إزاء سوريا.

وجاءت دعوة بوتين لضبط النفس بعد أن سأله صحافي ما إذا كانت روسيا ستدعم قرارا في الأمم المتحدة يدين النظام السوري، ولم يكن واضحا ما إذا كان رد بوتين يتعلق مباشرة بذلك.

غير ان بوتين أكد ان روسيا مستعدة للعمل مع المجتمع الدولي. وقال بوتين "لا ننوي تجاهل رأي شركائنا وسنتعاون مع الجميع".

البعض رأى في تصريحات بوتين مؤشرا عن قرب نجاح مساومات واشنطن مع موسكو للمقايضة بشأن الملف السوري.

ويذكر أنه في الرابع من اكتوبر انضمت روسيا الى الصين في التصويت بالنقض على مسودة قرار تقدمت به الدول الغربية إلى مجلس الأمن يهدد النظام السوري، ويضع مقدمات لقرارات لاحقة يمكن ركوبها للتدخل عسكريا.

لا أخلاق في السياسة الدولية

في نفس الوقت الذي سعى فيه الملاحظون إلى سبر أبعاد كلام كلينتون وهم يدركون أن لا أخلاق في السياسة الدولية، سجل كذلك تحول في كلام جار سوريا، فقد ذكر رئيس الوزراء التركي أن "أنقرة لا تنوي التدخل بأي مسائل داخلية لدول أخرى"، لافتا إلى أن "بلاده تأمل أن يحل الهدوء في سوريا لصالح السلام والاستقرار في المنطقة".

وشدد أردوغان في كلمة له أمام "المؤتمر العالمي التركي للمقاولين" في إسطنبول، حسبما نقلت وكالة أنباء الأناضول، على أن "أنقرة على عكس بعض الدول الأخرى التي تهتم فقط بآبار النفط، تقلق بشأن سفك الدماء في بغداد والقدس وغزة وبنغازي وطرابلس وسرت". وأشار إلى أننا "أخبرنا المجتمع الدولي خلال السنوات التسع الأخيرة أنه لا ينبغي استعداء سوريا، لكن في الوقت نفسه تلقينا عهوداً من الإدارة السورية بإصلاحات، وللأسف لم تحافظ الإدارة السورية على وعودها". وآمل أردوغان أن "تحقق سوريا الهدوء الداخلي من أجل صالح السلام والاستقرار الإقليمي"، مشددا على أنه "علينا أن نكافح إرهاب الأجانب والتمييز العرقي بقلب موحد".

مصادر من وزارة الخارجية التركية أشارت في لقائها مع نخبة من الصحافيين الأتراك يوم الجمعة، إلى أنه لا يمكن لتركيا الاشتراك في تدخل عسكري من أجل تغيير نظام بشار الأسد.

لكن تصريحات أردوغان الجديدة جاءت في نفس الوقت الذي كشفت فيه صحيفة "ميلليت" التركية عن أن أنقرة أعدت خططها وسيناريوهاتها المحتملة المتعلقة بالسياسة السورية، وتحدثت عن ثلاث حالات للتدخل العسكري.

إعادة رسم موازين القوى

قال محلل في برلين أن المشكلة في سوريا هي أن قوى عديدة تستغل وتركب حركة تريد وتعمل من أجل التغيير في هذا البلد، ولو كان الأمر يتعلق بالتخلص من نظام بشار الأسد لكان الوضع أقل خطورة ودموية، ولكن الحقيقة أن هدف القوى الخفية التي تسعر نار الخلاف وتمنع التوصل إلى تسوية هو تدمير المقومات المادية التي تجعل لعاصمة الأمويين ثقلا يحسب له الكثير في الصراع العربي الإسرائيلي.

هذا هو السبب الرئيس الذي يجعل الجيش السوري لا ينقلب على ساسته أو يجبرهم على التوصل إلى تفاهم مع المعارضين. الجيش السوري والعديد من القوى المعارضة في سوريا تدرك أن الهدف النهائي للقوى الأجنبية المتدخلة في الصراع وفي مقدمتها الولايات المتحدة هو تدمير القدرة العسكرية السورية وبالتالي كل روابطها أي المقاومة الفلسطينية واللبنانية وإزاحتها من أمام إسرائيل.

وفي هذا الإطار يمكن أن يكون حديث كلينتون عن الحرب الأهلية تعبير عن رغبة في انقسام وتقاتل وحدات الجيش السوري فيما بينها وبذلك ينتهي ثقله عمليا.

تقاسم الأدوار

يوم الخميس 17 نوفمبر 2011 وفي خضم الصراع الدائر، شدد الضغط على دمشق من قناة مختلفة، فقد أعرب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا امانو عن اسفه لعدم احراز تقدم مع سوريا حول موقع الكبر، وكرر دعوة حكومة دمشق إلى التعاون التام مع الوكالة.

وقد توجه خبراء من الوكالة الدولية في اكتوبر إلى دمشق لمناقشة نقاط خلافية في البرنامج النووي السوري، وخصوصا موقع دير الزور المشبوه، كما قال امانو في كلمة في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وذكر امانو "لم يحصل أي تقدم مع الأسف خلال اجتماعات مع السلطات السورية للوصول الكامل إلى بعض المواقع" المتصلة بموقع دير الزور.

وكانت سوريا قد أعربت في بداية سبتمبر عن استعدادها للتعاون مع الوكالة التابعة للامم المتحدة بشأن انشطتها النووية بعدما اعتبرت الوكالة في يونيو للمرة الأولى ان موقع الكبر الذي دمره الطيران الاسرائيلي في سبتمبر 2007 يضم "على الأرجح" مفاعلا نوويا غير معلن.

الحسابات

نشرت صحيفة "ذي انترناشونال هيرالد تربيون" الامريكية مقالا كتبه ايتامار رابينوفيتش، السفير الاسرائيلي سابقا في واشنطن والذي كان كبير المفاوضين مع سوريا، تناول فيه بالتحليل الأوضاع التي كانت عليها سوريا قبل حافظ الأسد، ودوره في تغيير مسار الدولة السورية، وصولاً الى الاوضاع الحالية في سوريا ونظرة اسرائيل والدول العربية والغربية اليها. وفي ما يلي نص مقال رابينوفيتش الذي له مؤلفات من بينها كتاب عنوانه "المشهد من دمشق":

"كانت الجمهورية السورية، خلال السنوات الـ25 الأولى من وجودها إلى أن تولي حافظ الأسد السلطة في العام 1970، دولة ضعيفة غير مستقرة، وساحة يتناوب عليها المتنافسون الاقليميون والدوليون. وقام الاسد الأول بتغيير شؤون هذه الدولة رأسا على عقب بان حول سوريا الى دولة مستقرة وقوية نسبيا، ولاعب في السياسات الاقليمية والدولية.

كان هذا جزءا من اتفاق غير مكتوب بين النظام والسكان المدنيين في سوريا. وعوض الاستقرار والنفوذ والدور القيادي في حركة "المقاومة" الوطنية العربية في وجه الولايات المتحدة واسرائيل عن فساد وسلطوية النظام وسيطرة طائفة الاقلية من العلويين.

غير ان اندلاع الثورة ضد النظام في مارس 2011 جاء علامة فارقة على نهاية هذا التعاقد غير المكتوب، واعاد سوريا إلى دولة ما قبل 1970. وهي مرة اخرى ساحة للمتنافسين الاقليميين والدوليين، تعكس التغييرات التي تشكل سياسات الاقليم.

الثورة السورية اساسا صراع بين النظام الذي يقوده الآن بشار ابن حافظ الاسد واعدائها المحليين حول طبيعة وخصائص الدولة السورية. وان كانت تعادل في اهميتها حربا بين إيران ومنافسيها يقوم بها آخرون نيابة عنهم.

وقد بنت إيران، في سعيها إلى الهيمنة الاقليمية، "محور مقاومة" يتشكل منها مع سوريا وحزب الله و"حماس". وكانت سوريا عضوا رئيسا في هذا المحور، تفتح الباب امام وصول ايران الى ممتلكاتها اللبنانية وإلى البحر الأبيض المتوسط. والاطاحة ببشار الأسد ستكون لطمة قاتلة لهذا المحور، ولذا تقوم ايران ببذل قصارى جهدها لايصال نظامه المحاصر الى بر الأمان.

غير ان ذلك يقابل جهدا معاكسا ثنائيا. احدهما تبذله تركيا التي كانت حكومتها برئاسة رجب طيب اردوغان حتى وقت غير بعيد على علاقة وثيقة بسوريا كجزء من سياسة وصفت احيانا بانها "العثمانية الجديدة" واحيانا بـ"عدم النزاع مع الجيران".

تشعر تركيا بالقلق بسبب تداعيات عدم الاستقرار واحتمالات الفوضى في سوريا على استقرارها هي، خاصة في اطار الحراك الكردي. كما انها تشعر بعدم الارتياح للدور الذي تقوم به ايران على مقربة شديدة من حدودها الجنوبية.

وتشمل سياسة تركيا الاصلية القائمة على"عدم وجود أي صراعات" محاولات لتحسين العلاقات مع ايران. الا ان تلك العلاقات لن تكون مريحة بين دولة تغلب فيها الطائفة السنية، ودولة شيعية كبرى، وكلاهما تتوقان الى السيطرة الاقليمية.وقد بدأت تطفو على السطح المنافسة الكامنة مع سعي ايران لمد نفوذها داخل العراق والعمل ضد سياسة تركيا ومصالحها في سوريا.

اما الجهد الثاني فيأتي من المملكة العربية السعودية، اذ تشابكت تطورات عديدة من اجل تغيير دور المملكة من عضو متردد في النفوذ المكتوم الى قوة اقليمية معلنة اكثر نفوذا: فيما تعاني مصر من ضعف حاليا، وامريكا من تردد، و"الربيع العربي" بما يمثله من تهديد.

وقد تدخل السعوديون بقوة في البحرين، كما انهم نشطون في اليمن ويعملون على دعم الملك عبد الله في الأردن.

الا انهم ظلوا سلبيين لعدة اشهر في ما يتعلق بسوريا. ومثلما هو الحال بالنسبة إلى دول أخرى في المنطقة، ومنها الولايات المتحدة واوروبا، فانهم ينظرون بعين الاستياء الى بشار الاسد، ويسهمون اساسا في سياسة "الشيطان الذي نعرفه". وبقدر سوء الأعمال التي يرتكبها الاسد، فإنه يبدو انها افضل من مخاطر الفوضى السياسية واحتمال التجزئة والمستقبل المجهول، على خلفية الحقيقة من ان المعارضة السورية تكاد تكون غير معروفة الى حد كبير.

وقد توصلت السعودية قبل وقت قريب الى ان هزيمة ايران على المسرح السوري يحتل الاهتمام المتواصل. وتشارك دول عربية اخرى في هذه الاستنتاج، وهو ما يفسر انتقال موقف الجامعة العربية والخطوات غير العادية اتي اتخذت ضد نظام الاسد.

كما ان ذلك يعتبر مثالا اساسيا على الكيفية التي يمكن لدول، مثل السعوية وقطر، لا تعتبر ندا لطهران من الناحية العسكرية، استخدام "القوة الناعمة".

هذا بالاضافة الى ان الادوار التي تقوم بها تركيا والجامعة العربية هي ايضا منتج ثانوي للدور المتواضع الذي تقوم به الولايات المتحدة.

فقد سعى الرئيس اوباما في الازمة الليبية الى "القيادة من الكرسي الخلفي". اما في الازمة السورية، فان واشنطن لا تقوم بدور القيادة على الاطلاق. صحيح ان السفير الامريكي روبرت فورد لعب دورا شجاعا، وان الادارة فرضت بعض العقوبات واستخدمت التصريحات القوية للتنديد بالاسد، الا ان واشنطن لم يكن لديها سياسة متماسكة، وبدا انها تبدو مستكينة الى جلوس دول اقليمية في مقعد القيادة في هذه الأزمة.

ثم ان اسرائيل تتخذ موقفا سلبيا ايضا. ففي العام 2005 عندما اراد جورج دبليو بوش الاطاحة ببشار الاسد، حذر رئيس الوزراء الاسرائيلي انذاك أرييل شارون من تلك الخطوة، مستخدما مفهوم "الشيطان الذي نعرفه". وكان الأسد حليفا مقربا من ايران والحاكم الطاغي في لبنان، المؤيد لـ"حماس" والناشط المناوئ للأمريكيين في العراق.

غير أن هذه ليست سياسة إسرائيل في الوقت الحالي. اذ استنتجت اسرائيل، بعد اكتشاف تعاون الاسد السري مع كوريا الشمالية، وعلى ضوء التهديدات التي تواجه أمنها القومي من قبل حزب الله في لبنان و"حماس" في غزة، ان هناك مخاطر محتملة في بقاء الأسد أكثر من التخلي عنه.

ومع انشغال إسرائيل العميق بالتهديدات المختلفة، فانها ترى ان ازالة الدعامة السورية للجدار الرافض لوجودها يمكن ان تؤدي إلى بروز مرحلة جديدة في السياسات الإقليمية. ومن الواضح أن "حماس" وحزب الله كليهما يخطوان بهدوء أكثر الآن.

ولهذه القضية بعد آخر. فمنذ العام 1973، دخلت سوريا عهد الأسد الأب وابنه في قتال ضد إسرائيل عن طريق أطراف أخرى في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وان أبقت جبهة الجولان هادئة. وهذا الوضع قد يتغير. ففي مايو ويونيو 2011 حصل المتظاهرون الفلسطينيون على التشجيع للاقتراب من السياج من موقعين في مرتفعات الجولان ومحاولة اختراقه.

وقد حذر رامي مخلوف، ابن خالة بشار الاسد، اخيرا من انه "اذا لم يستتب الاستقرار في سوريا، فانه ليست هناك من وسيلة لبقاء الاستقرار في اسرائيل"، كما صدرت تهديدات مماثلة عن وزير الخارجية السوري وعن قادة في حزب الله. ولب هذه التهديدات هو ان النظام ليس مستعدا ان يسقط بهدوء، وفي حال أي تدخل خارجي، او فيما اذا حانت الساعة الأخيرة، فانه قد يستخدم صواريخه وصواريخ حزب الله ضد إسرائيل وربما دول مجاورة اخرى. ولا تملك إسرائيل تأثيراً مباشرا على مسيرة الأحداث في سوريا، وان كان عليها أن تنظر الى هذه التهديدات نظرة جادة.

ولا يبدو ان هناك احتمالا حقيقيا لتدخل عسكري أجنبي في سوريا. إلا ان سياسات الفاعلين الخارجيين سيكون لها تداعيات رئيسية بالنسبة لموقف الجيش السوري وللطبقات المتوسطة في دمشق وحلب التي ظلت حتى الآن تنتظر خلف الباب.

ثم ان الولايات المتحدة وفرنسا ودولا اخرى لعبت بصورة اعتيادية ادوارا مهمة في الشرق لا تحتاج إلى اللجوء إلى الإجراء العسكري. فلديها ترسانة كاملة من الأصول الدبلوماسية والاقتصادية التي يمكن ان تغير مسرى النزاع الحالي في سوريا.

يوم السبت 19 نوفمبر صرح وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك ان الرئيس السوري بشار الاسد "تجاوز نقطة اللاعودة ولا مجال له لاستعادة سلطته او شرعيته". وأضاف في كلمة القاها امام منتدى حول الأمن الدولي في هاليفاكس في جنوب شرق كندا امام نحو 300 خبير في الدفاع "لا اقول انها عملية دائمة، الأمر مستمر منذ اكثر من ستة اشهر لكن التدهور الى ازدياد كما نرى ما دام اشخاص داخل قواته الامنية وقواته المسلحة وقيادته بدأوا بتقدير كيفية نهاية ما يحدث".

واضاف "أعتقد أن الرد الدولي، وخصوصا من الجامعة العربية التي تخلت عنه والملك الاردني عبدالله الذي انتقده علنا ومن كيفية الضغوط المتزايدة التي يمارسها عليه الاتراك، يشكل مؤشرات فعلية إلى وتيرة متسارعة تقود إلى نهاية هذا النظام".

وتابع باراك "لن نحتاج على الأرجح العام المقبل إلى تنظيم دورة عن سوريا".

وأقر وزير الدفاع الاسرائيلي بأن تل أبيب "يمكن ان تفيد" من تغيير للنظام في سوريا، لكنها "لن تكون الوحيدة".

باراك لم يرد على أسئلة لصحفيين عن صحة أخبار تفيد أن إسرائيل ترسل عبر قنوات مختلفة أسلحة إلى مجموعات من المعارضة في سوريا.

وتعليقا على ما يسمى الربيع العربي، وصف باراك الانتفاضات الشعبية بانها "مؤثرة وملهمة".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر