الراصد القديم

2011/12/08

ما لم يفعله التمويل لا يفعله سواه



عودة وزراء تكتل التغيير والإصلاح إلى مجلس الوزراء دليل إضافي على تمسّك الرئيس ميشال عون ببقاء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، من غير أن يتصالحا أو يفتحا قناة حوار مباشر. لكن مغزى ما انتهت إليه تكهّنات الأيام الأخيرة أنه لا أحد من أفرقاء الحكومة يملك سرّ إسقاطها.

بعد اجتيازها امتحان تمويل المحكمة الدولية، لم يعد من السهل الاعتقاد بأن أي سبب داخلي آخر من شأنه إطاحة الحكومة، بتنحّي رئيسها نجيب ميقاتي أو استقالة أكثر من ثلث وزرائها. حمل تمويل المحكمة أكثر من سبب ظاهري للظنّ بسقوط الحكومة بعدما لوّح ميقاتي بهذا الخيار، ما لم يصر إلى استجابة مطلبه حفاظاً على صدقيته أمام المجتمع الدولي. كذلك الأمر بالنسبة إلى حزب الله الذي عنى التمويل له إبراء ذمة القرار الاتهامي وتمويل المراحل التالية من محكمة تعاوَنَ معها ثم نقض شرعيتها وقطع أي اتصال بها. إلا أنه يعني أيضاً صدقية الحزب أمام قاعدته.

كلاهما كان يملك مفتاح إسقاط الحكومة بالصلاحية الدستورية أو بالثلث +1. إلا أن أياً منهما لم يُقدم عندما راح يبحث عن المخرج الأقل إحراجاً للطرفين لتفادي المأزق: تمويل من دون المرور بمجلس الوزراء عبر سابقة غير مألوفة هي موازنة رئاسة مجلس الوزراء. علم حزب الله بالمخرج في الساعات القليلة التي سبقت إعلانه، وبلع امتعاضه ممّا حدث وطوى الصفحة. بدوره اطمأن ميقاتي إلى صحة تصرّفه، وإلى ثبات صدقيته حيال المجتمع الدولي.

في الواقع، رمى امتحان التمويل إلى تأكيد حقيقة يعرفها ميقاتي وحزب الله، اليوم أكثر من أي وقت مضى، هي أن الحكومة أكبر من لاعبيها جميعاً بلا استثناء. ذلك ما خلص إليه، في أحسن الأحوال، اجتماع الحلفاء في الرابية أمس، واستند إلى معطيات منها:

1 ـــــ لم يقل الرئيس ميشال عون بالاستقالة، ولا أظهر ميلاً إليها، إلا أنه لم يخفِ انزعاجاً من إهمال رئيس الحكومة وزراء تكتل التغيير والإصلاح وتجاهل مطالبهم. وكذلك خلافه مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان على تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى.

2 ـــــ لم يتوخَّ اجتماع الرابية تكليف النائب سليمان فرنجية التوسّط لدى عون لثنيه عن الاستقالة، أو مقاطعة وزرائه مجلس الوزراء، بل قارب المجتمعون المشكلة انطلاقاً من أن الحكومة الحالية هي حكومتهم، ولا بديل منها، ولا من رئيسها، ولا من القوة التمثيلية للتكتل في صفوفها. لا أحد أيضاً في وارد إهدار فرصتها ولا إطاحتها، ولا تقويض الغالبية النيابية التي تمسّكت بها قوى 8 آذار.

3 ـــــ اعترف المجتمعون بتباين بين أعضاء تكتل التغيير والإصلاح، وبخلافات بين أفرقاء الائتلاف الحكومي. بيد أن أياً من هذا أو تلك لم يصل إلى حدّ تناقض الخيارات. كذلك تحدّثوا بإسهاب في ضرورة تفاهم أعضاء التكتل على الخطوات التي يعتزمون القيام بها، من غير تفرّد فريق بوجهة نظر معاكسة لحلفائه قبل التحدّث معهم. لم يسمع المجتمعون عون يقول بخروجه من الحكومة، إلا أنهم تحفظوا عن مقاطعة جلسات مجلس الوزراء. التقى على هذا الموقف فرنجية والنائب طلال أرسلان وحزب الطاشناق.
4 ـــــ أعطى
قرار مشاركة وزراء التكتل في جلسة مجلس الوزراء أمس إشارة إيجابية لرئيس الحكومة إلى أنهم ليسوا في وارد تعطيل اجتماعات المجلس، ولا الإيحاء بالتصعيد والسعي إلى تقويض الحكومة، بل الإصرار على أنها المكان الحقيقي والوحيد للتفاهم والتعاون لإنجاح تجربة التكتل، كما الحلفاء الآخرون، في سلطة يمسكونها عبر الغالبية النيابية.

لا يحجب ذلك كله، في المقابل، حقائق معاكسة أيضاً هي الخلافات التي تعصف بالائتلاف الحكومي، وبالكاد انقضى على تأليف الحكومة ستة أشهر قفزت خلالها من أزمة إلى أخرى أكثر وطأة، وفي كل من محطاتها ثمّة مَن يلوّح ـــــ جاداً أو مهدّداً ـــــ بإطاحة الحكومة:

أولها، حجم الخلافات التي تجعل عون في صدام مباشر مع معظم شركائه في الحكومة باستثناء حزب الله: إلى رئيسي الجمهورية والحكومة، تنافر حاد بينه ورئيس المجلس نبيه برّي ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. تجمع بين هؤلاء شبكة متينة من التفاهم والتعاون والاتصال المباشر، ولا قناة حوار بينهم وبين رئيس تكتل التغيير والإصلاح. يُضاعف وطأة هذا التجاذب أنهم يمثّلون جميعاً الغالبية النيابية، ويعرف كل منهم حاجته إلى الآخر، ويلتقون على الحؤول دون عودة الرئيس سعد الحريري وقوى 14 آذار إلى السلطة، ولا يملكون في الوقت نفسه وسيلة تمكّنهم من تنظيم خلافاتهم وإدارتها.

ثانيها، الآثار السلبية التي يلمس عون نتائجها على شعبيته الآخذة في التآكل يوماً بعد آخر، قبل سنة ونصف سنة من انتخابات 2013، بسبب عجزه، ووزراء التكتل ووزراء التيّار الوطني الحرّ خصوصاً، عن التوصّل إلى أي إنجاز ذي دلالة. على نحو كهذا تثقل عليه مشاركته في الحكومة وتربكه أمام قاعدته، وتفقده حجج الإصلاح التي قادته إلى المشاركة فيها وحصوله على التمثيل المسيحي الرئيسي. في الوقت نفسه لا يسعه الخروج من الحكومة، ولا التفريط بمكاسب تمثيله فيها لأول مرة يحوزها زعيم مسيحي واحد داخل سلطة إجرائية في العقود الثلاثة الأخيرة في أحسن الأحوال.

بل لا يقل امتعاض عون عن إصراره على تكريس تقليد أخفق في فرضه على الحريري، ومن قبله على الرئيس فؤاد السنيورة، في حكومتي الوحدة الوطنية عامي 2008 و2010، وهو أن يكون الشريك المسيحي الأقوى والفعلي أمام الشركاء الآخرين السنّي والشيعي والدرزي. وحدها غالبية نيابية تقودها قوى 8 آذار تمنحه امتيازاً كهذا.

ثالثها، أن تمويل المحكمة لم يُشعر رئيس الحكومة بأنه مدين به لأي أحد من أفرقاء 8 آذار كي يُرغم على استجابة مطالب لا يبرّرها بالضرورة. قارب ميقاتي التمويل على أنه خيار مُعادِل لاستقالته لا أكثر ولا أقل. الأمر الذي يقلّل فاعلية التمنيين اللذين توجّه إليه بهما الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الثلاثاء، وهما فتح ملف شهود الزور وتلبية مطالب عون. لكل منهما وجهة نظر معاكسة عند رئيس الحكومة. ليس متحمّساً للخوض في ملف شهود الزور ما دام يعتقد بأن طرحه يتوخى استفزاز الشارع السنّي، ولا يرى في مطالب وزراء تكتل التغيير والإصلاح امتيازاً يتقدّم سواه من الوزراء.



نقولا ناصيف -الأخبار-

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر