الراصد القديم

2011/12/29

الراعي: لبنان ركيزة المسيحيين في الشرق وعلينا تجاوز التسييس والإنقسام لتبقى جذورنا في الوطن

إلتقى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي اليوم، الرؤساء العامين والرئيسات العامات ومجالس الرهبانيات الكاثوليكية اللبنانية والغربية في لبنان، لتقديم التهاني بالأعياد ومناقشة أمور تخص الرهبانيات ومؤسساتها التربوية، الجامعية والإستشفائية من أجل رسالة وشهادة مسيحية أفضل.

وألقت الرئيسة العامة لرهبانية القلبين الأقدسين الأم دانييلا حروق كلمة باسم الحاضرين أكدت فيها "عيش أبعاد "الشركة والمحبة" كهدف يصبو إليه الجميع لتوطيد العزم من خلال النشاطات الرسولية"، سائلة الله "أن يثبت هذه الجماعة في الإيمان ويقويها بالرجاء"، ملتمسة "رضى غبطته الأبوي للسنة الجديدة ببركة العذراء مريم".

وقالت: ""نطلب من طفل المغارة أن تكون هذه السنة مثقلة بروح الحكمة على غبطتكم، وكل معاونيكم، لتقودوا الكنيسة والوطن بما يؤول إلى تثبيت لبنان الرسالة والعيش المشترك، وليبقى هذا الصرح منارة وموئلا لكل إنسان وقطر في هذا الشرق".

الراعي

من جهته، قال الراعي: "لمن الجميل أن ننفتح وأن نكون مستعدين لأي شيء يقوله لنا الروح القدس في هذا اللقاء. نحن الذين تكرسنا في الأساس كي يقود الروح القدس حياتنا ويلهمنا على كيفية عيشنا. أريد أن أتأمل معكم في فكرة روحية، ورسالتنا في هذه الفترة هي رسالة ميلادية. وعوضا عن شعار "شركة ومحبة"، أقول: "مكرسون ومرسلون". مكرسون، هذا هو الأساس، والميلاد يعطينا كل معاني التكريس، من إبن الله الذي تكرس لخلاص البشر، وتكريسه كان بحثا دائما عن إرادة الآب: "إرادتي هي أن أتمم إرادة أبي."هذا هو التكريس الأساسي في حياتنا الرهبانية، نتكرس كي نكتشف إرادة الله. نتكرس حتى ننفذ إرادة الله. مثلما يوحيها لنا في حياتنا الخاصة وفي تأملاتنا صوت السلطة في الرهبانية وفي الكنيسة".

أضاف: "أمامنا شخصان تكرسا لخدمة يسوع: يوسف ومريم، وكان مشروعهما الزواج. وبتدخل الله بقي زواجهما الأساسي كمرتكز لتجسد ابن الله، ولكنه أعطي كل قيمة التكريس، مما يعني أن الله يغير برامجنا، لله أمور يريد قولها لنا. وأقولها مجددا: نحن مجربون أكثر من غيرنا. هناك قرارات نتخذها في حياتنا اليومية، ولكننا لا نترك مجالا لقرارات الله في حياتنا. تدخل ربنا وأبقى زواجهما ولكنه رفعه إلى مستوى آخر، وجوابهما كان تكريسا كاملا، كرسا جسديهما وقلبيهما وعقليهما. لقد كرسا إرادتيهما لخدمة سر الكلمة وكلمة الآب. ومن هنا، عظمة الكنيسة في التكريس، وهي ثلاث لا سواها:
- تكريس الآب، لمحبة الله والكنيسة التي تتجلى في سبيل الطاعة.
- تكريس الإرادة، وهي أن نريد ما يريده الله، أن نريد ما تريده الكنيسة، أن نريد ما تريده حياتنا الرهبانية، وهذا يقتضي فقر كبير من الذات، وهذه الفضيلة ضرورية في حياتنا، وإذا لم أجدها، فأنا أبحث عن ذاتي وعن نفسي. وهذه الفضيلة ليست متعلقة بالمال، ألمال يأتي آخرا، أيا كان يجمع المال. ألفقر ليس قضية مالية، بل هو مشكلة من الذات أولا، ألفقر هو فقر في التطلعات الشخصية. وهنا، تكمن معاناة كبيرة جدا: مشكلة الفقر عندنا هي مشكلة مالية من جهة، ولكن مشكلة روحية من جهة ثانية، هي هذا الإمتلاء من الذات، وهي معاناة نعيشها اليوم، نعيشها في العالم، وفي العائلة وفي الرهبانيات وفي البيوت. صار الإنسان كأنه المرتكز الأساسي.
- ألطهارة، والطهارة ليست فقط طهارة العيش والعفة في ما يختص بالشؤون الجنسية في الإنسان، وهذه فضيلة مطلوبة من كل إنسان، مطلوبة من كل مسيحي، ولكن العفة الأساسية هي فعل الحب، الذي يجب أن أعيشه كاملا في الكنيسة، في الرهبانية وفي المجتمع. إذا لم يكن الحب في قلبي فأنا لا أنفع في شيء. إذا لم يكن الحب في قلبي لا أعرف الطاعة. لا معنى لحياتي الرهبانية والكهنوتية، لأني في هذه الحال أكون أبحث عن نفسي. لا يمكننا أن نكون قلوبا متحجرة، بل يجب أن نكون جماعة تخلت عن إنشاء عائلة هي سر الحب، حتى تعيش سر الحب الأكبر في حياتها في الكنيسة".

وتابع: "هذا علمنا إياه يوسف ومريم في تكريس ذاتيهما كاملتين، في فقرهما وفي طهارتهما وفي طاعتهما، وكل ذلك من أجل خدمة الكلمة. هذا هو نبع حياتنا الرهبانية، مكرسون في محبة الله ومحبة الكنيسة ومرسلون. وهنا، نفتح آفاقا على معنى الرسالة في مؤسساتنا: مرسلون.. لماذا؟ لإعلان سر الكلمة. مرسلون لنكشف للعالم وجه يسوع المسيح. هذا هو تعليم الكنيسة، أن قيمة الرهبانيات أن تخلد الكنيسة وقلب الكنيسة وجوهر الكنيسة، وهكذا نقرأ في تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، سر الكنيسة من جهة وهذا ما نقرأه في ما يختص بالحياة الرهبانية: ألرهبانيات هي قلب الكنيسة النابض، هي ثروتها، وأهم من ذلك، هناك كلام مهم مفاده ان المكرسين من خلال حياتهم ورسالتهم وتواجدهم، يعكسون حضور يسوع المسيح ألمعلم والشافي الحاضر مع كل إنسان، حامل الرجاء لكل إنسان، زارع السلام لكل إنسان. والرهبانيات إذا أزيلت من الكنيسة، فهذه الأخيرة تفرغ. إنها تجسيد الكنيسة وحضورها وقوتها. إنها قلب الكنيسة. ومن هنا، نحن مدعوون إلى عيش جمال الكنيسة الواحدة، وإلى أن نعرف أن الرهبانيات والكهنوت والأسقفية والبطريركية والبابوية هي جسم واحد".

وأردف: "لذلك، أحببنا أن نلتقي اليوم، وأن يكون لقاؤنا بهذه الطريقة، كي نعرف جميعا أننا منذ الأساس في المعمودية مكرسون ومرسلون: بالنذور والكهنوت والسلطة الرهبانية مكرسين ومرسلين. نحن بأمس الحاجة إخوتي وأخواتي للعودة إلى هذه الروحانية العميقة في حياتنا، الرهبانية والكهنوتية. ألعالم يتطلع إلينا، ويريدنا أن نكون مثالا أمامه. لا يمكننا أن ننسى هذا الشيء. لا يمكننا أن نتطلع إلى عالمنا من خلال الوظيفة فقط، والأعمال، غير أنها ضرورية جدا. ولا يمكننا أن نعامل جميع الناس كمكرسين، بل يجب أن نعكس وجه يسوع المسيح في حياتنا، وإلا نعيش في كآبة. نحن نشكل عائلة واحدة، نشكر الله لأنه أنعم على لبنان بالدعوات، وإذا أردنا المقارنة بالنسبة إلى العالم أجمع، نجد أن لبنان يتمتع نسبيا بأعلى نسبة دعوات كهنوتية ورهبانية، مما يعني أن الرب ينتظر منا الكثير. وينتظر منا أكثر أمانة للتكريس وللرسالة. رسالة من أرض لبنان. رسالة نحملها لكل الناس، لكل المناطق اللبنانية. وليس فقط للبنان، وهي مشكلة كبيرة جدا، لأن الجو المسيحي وجو الإلتزام في لبنان جيد، وكل شيء مؤمن، ولكن شعبنا المنتشر في العالم أجمع، من هو المسؤول عنه، ولماذا نحن مكرسون ومكرسات؟ ولمن؟".

وسأل الراعي: "أين حضورنا في العالم العربي الذي ننتمي إليه؟ وأين رسالتنا؟"، وقال: "نعم، نحن نعيش أزمة رسالة مرسلين ومرسلات، ولكننا نشكر الله لأنه ينعم علينا بسخاء بدعوات، على أن نكون بدورنا أسخياء في خدمتنا ورسالتنا. من هنا، نشعر شعورا كبيرا بأن نلتقي ونفكر أو نخطط معا أو نتعاون معا كي نستطيع تأدية رسالتنا، لأن الرهبانية والأبرشية والبطريركية لا تعمل منفردة. ففي النهاية، هذا هو جسم المسيح. يجب أن نعمل ونتعاون وننطلق معا، كي نستطيع تأدية هذه الرسالة المنتظرة منا. العالم العربي هو عالمنا. ألعالم العربي يتطلع إلى لبنان، لا بل كل المسيحيين والمسلمين في هذا الشرق يتطلعون إلى لبنان. هذه هي قيمة رسالتنا وقيمة دورنا، وعليه يجب أن نربي شبيبتنا ورعايانا، على هذا المفهوم وعلى هذا التكريس والرسالة".

وقال: "من المؤكد أن العالم ليس متروكا، فالسياسيون والإقتصاديون والجامعيون لهم دورهم، في حين أن مسؤوليتنا كبيرة جدا. وفي النتيجة، سيد الكل هو يسوع المسيح، والغاية من تكريسنا ورسالتنا هي أن يصل صوت يسوع المسيح إلى كل المجتمعات، هذا هو الدور الذي يجب أن نلعبه. ولست أقلل أبدا من عمل الرهبانيات، بل أشكرها على كل النشاطات التي تقوم بها على كل المستويات التربوية والإستشفائية والإجتماعية والإنسانية والثقافية والإنمائية، إنها لا تعد. ولكننا يجب أن نتساءل دائما: "هل أدينا رسالتنا كما يجب؟ ومن هنا، يجب أن نتطلع إلى الواقع الموجود أمامنا، لأنه لا أحد منا يجهل - حتى إذا تطلعنا كمجتمع لبناني - رغم كل ما لدينا من بطريركيات وأبرشيات ورهبانيات ومطرانيات ورعايا وكنائس ومدارس وجامعات، هناك جهل للانجيل ولتعليم الكنيسة، لم نعد نجد أفرادا ملتزمين في حياتهم الكنسيّة كما يجب. تعالوا نتطلع إلى العائلات وإلى أجيالنا اليوم. تعالوا نتطلع إلى شبيبتنا. أنظروا إلى حقل الرسالة كم هو ضخم! ولكني أقول مجددا: ألهموم والمسؤوليات كثيرة، ولكن لبنان يبقى ركيزة المسيحيين في الشرق. إذا فقد المسيحيون في لبنان إنجيلهم، وفقدوا تعليم كنيستهم، بماذا سيقتدون في تسيير شؤونهم الزمنية، أي سياسة؟ أي إقتصاد؟ أي تجارة؟ أي إعلام؟ أي حياة إجتماعية؟ لدينا هذه المسؤولية كي نعرف كيف يجب أن يبقى هذا الوطن جذورا، وألا نخيب آمال المسيحيين في الشرق الأوسط، وكذلك المسلمين. يجب أن نعرف كيف يجب أن نتجاوز التسييس والإنقسام، وللأسف هذا التسييس دخل أديارنا. لذا، يجب أن نعرف كيف نتجاوز هذا الإنقسام وكيف نرفع شعبنا.

وختم: "زعيمنا الأكبر يدعى يسوع المسيح، هذا هو الزعيم الأكبر، هذا هو المثال الوحيد، هو وحده يحمل الحقيقة، والحقيقة التي علمنا إياها يسوع المسيح، يجب أن نحملها إلى المجتمع. لكننا نشكر الرب على الكنيسة المزينة، كما العروس لعريسها. ونشكر الرب على هذه السنة التي شارفت على النهاية، ونطلب منه أن نلتمس من سنة 2012 الخير والسلام والتقدم والإزدهار لرهبانياتنا كي نؤدي، كما يجب الرسالة المنتظرة منا في لبنان والشرق الأوسط والبلدان العربية وعالم الإنتشار، الذي هو جسد المسيح المنتشر".

مداخلات

بعد ذلك، كانت مداخلات عرض فيها عدد من الرؤساء العامين والرئيسات العامات أمام الراعي المشاكل التي تعاني منها المدارس الكاثوليكية في لبنان على كل الأصعدة.

وتحدثت الأم حروق عن "أهمية التنسيق والتعاون بين هذه المدارس كونها تمثل الكنيسة الواحدة وضرورة تفعيل شعار شركة ومحبة في عملها في ما بينها".

وفي ما يختص بعلاقة هذه المدارس مع الدولة، لفتت إلى "أهمية وجود مطران أم كاهن مضطلع في القضايا القانونية يقرأ الملفات ويرافع فيها تماما، كما هو حاصل مع صندوق التعويضات حيث تهتم راهبة من أهل الإختصاص في هذا الشأن".

من جهتها، قالت الأخت باسمة خوري من الرهبانية الأنطونية: "إن دور المرسلين والمرسلات الحقيقي هو من أجل كنيسة الشرق للبحث عن لغة لمخاطبة إخواننا من الديانات الأخرى".
ونبهت من "خطورة ما يقدمه بعض الوسائل الإعلامية وتأثيره على مجتمعاتنا المسيحية".

وفي الختام، طرح الأب مروان تابت "فكرة وضع استراتيجية ثابتة لإدارة الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية في لبنان تتركز على محاور واضحة وأساسية وتكون بمثابة خطة عمل يعتمدها المعنيون".
وتحدث عن "المشاكل التي تعاني منها المدارس المجانية والمستشفيات"، مشددا على "أهمية العمل على مستوى شهادات الحياة للرهبان والراهبات".
من جهته، أبدى الراعي استعداده التام لمساندة كل هذه المطالب المحقة ودعمها على كل المستويات"، داعيا إلى "تشكيل وفد رسمي لمناقشة والبحث في هذه الأمور مع المعنيين مباشرة".


مجالس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية

ثم التقى البطريرك الراعي مجالس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية لعرض عدد من الأمور المتعلقة بتنظيم وتحسين سير عمل الأمانة لما فيه خير المجتمع اللبناني وبخاصة الأجيال الصاعدة. إستهل غبطته اللقاء بصلاة على نية المدارس عامة والشبيبة خاصة. ثم كانت تلاوة لبيان صدر منذ 46 سنة عن المجمع الفاتيكاني الثاني دارت محاوره الأساسية حول الكنيسة والتربية والمؤسسات المدرسية. وتطرق البيان إلى موضوع المدارس الكاثوليكية التي تصبو إلى أهداف ثقافية، وإلى تنشئة الشباب تنشئة إنسانية لخلق جو مدرسي تحييه روح إنجيلية من الحرية والمحبة، يتلقاها التلامذة فيصبحوا ضمير خلاص للبشرية. وشدد البيان على وجوب الإهتمام بالمدارس التي تتطلبها الظروف الراهنة منها المدارس التقنية والمهنية، معاهد تلقين البالغين، المدارس الخاصة بالطفولة المتخلفة، ودور المعلمين التي تهيئ أساتذة يدرسون التعليم الديني داعي "إلى بذل الجهود ليتم التنسيق الملائم بين المدارس الكاثوليكية، وينشأ بينها وبين المدارس الأخرى تضافر جهود يتطلبها خير البشرية العام."

مطر

وألقى المطران بولس مطر كلمة أعرب فيها عن أهمية المدرسة في حياة الإنسان والدور الإيجابي الذي تلعبه وقال: "نحن كأبرشية كنا أول مدرسة مارونية في التاريخ، وسنستمر في العمل التربوي. ولفت إلى رسالة البابا من أجل السلام التي يقول فيها: "يجب أن نتطلع إلى المستقبل، لذلك يجب أن نبني على الحقيقة والعدالة وعلى المحبة والسلام. ألبابا لا ينظر إلى الماضي، والمستقبل بين أيدي المدارس والكنيسة المعلمة. لذلك نقول إنه عبر المدارس يمر مستقبل الكنيسة. وقدم المطران مطر أمثلة عن نجاح المدرسة الخاصة في كل من فرنسا وألمانيا حيث تتكفل الدولة بدعمها ماديا إنطلاقا من مبدأ اعتبارها منفعة عامة للشعب لافتا إلى ضرورة السعي لتطبيق مثل هذه الأنظمة في لبنان وبخاصة مع تساوي المدارس الإسلامية والمسيحية من حيث عددها وأضاف مطر أن هذا الأمر يخفف عن كاهل الأهل ويشجع على اعتناق رسالة التعليم.

تابت

كما كانت كلمة لأمين عام المدارس الكاثوليكية السابق الأب مروان تابت شرح فيها للمحاور الستة التي عملت عليها الأمانة في أثناء توليه رئاستها وتلخصت بالتالي: أولا، ترسيخ المؤسسات التربوية والحضور المسيحي على أنواعه على مساحة الوطن وبخاصة في الأطراف. ثانيا، رصد الشؤون التربوية في لبنان وبخاصة في ما يتعلق بشؤون الشبيبة التي تتوجه من مدارسنا الكاثوليكية إلى المدارس الرسمية. ثالثا، مقاربة الوضع المسيحي في لبنان واقتراح آليات تربوية حديثة وآنية لمعالجة الوضع. رابعا، تعميق نظرة المدارس الكاثوليكية لإشكالية الحوار المسيحي الإسلامي. أما النقطة الاخيرة في الاستراتيجية فهي مأسسة الامانة العامة وإعطائها دورا اكبر في موضوعات التعليم المسيحي وإعادة قراءة لتوزيع المدارس خاصة في المناطق النائية.

ختاما ألقى غبطة البطريرك كلمة شدد فيها على دور المدارس في تمتين علاقة المسيحيين بالكنيسة وقال: ليس لدينا أي شك في أن مدارسنا تحمل هما كبيرا على المستوى العلمي من أجل أن تعطي مستوى أفضل، ونتلمس ذلك عندما يلمع طلابنا في الخارج ما يعني أن المستوى التعليمي في لبنان هو مستوى رفيع. ومشكورون على كل التضحيات التي تقدمونها، وها أنتم تلمسون ثمارها. وفي جميع الأحوال، منح الرب نعمة العقل، وهذه هي ثروتنا الطبيعية، ألعقل القابل للعلم والإبتكار، وهذا ما يجعلهم يبدعون في كل القطاعات التي يتواجدون فيها.

وقال: "ليس لدي أدنى شك في أنكم تعلمون كل المبادئ الأخلاقية، وكل التهذيب وكل الترتيب مع صعوبة أنه عندما يخرج الطالب من المدرسة يلقى العكس، ولكن نحن سنبقى مصرين على تعليم المبادئ الأخلاقية الباقية. ولكني أتوجه من خلالكم إلى المعلمين والمعلمات لأقول لهم، إن دورهم لا يقتصر على إعطاء تعليم علمي وثقافي فقط، بل دورهم إعطاء تعليم أخلاقي، أي بمثل حياتهم وبطريقة تعاطيهم مع الطلاب، بطريقة أدائهم. والطالب بدوره يتأثر، أخلاقيا. لا يقدر المعلم القول: لا دخل لكم بحياتي الخاصة، أما وما دمت هنا أطلبوا مني تعليما أعطيكم قدر ما تشاؤون. فهو بذلك يكون يخرب في الوقت نفسه. لا يستطيع أبدا المعلمون أن يتجاهلوا التربية الأخلاقية، في حينها وفي غير حينها. عليهم أن يظلوا ساهرين على أخلاقية الطلاب، على كل الأمور البسيطة في الصف، ويجب هم بدورهم أن يعيشوا المبادئ التي يعطونها للطلاب. وكما يقول بولس السادس: "يتأثر الناس أكثر ما يتأثرون بشهادة الحياة، أكثر مما يتأثرون بالخطاب وبالتعليم. لأننا إن لم نجمع بين العلم والأخلاق الرفيعة، يذهب العلم سدى ويكون للخراب. والبرهان أن كل إستنباط أنواع الشر يأتي من العلوم. ولو أن الأخلاق موجودة، لكان هناك تجارة صحيحة وإقتصاد صحيح، وسياسة صحيحة وإعلام صحيح. ولكن إذا غابت الأخلاق تحول العلم إلى وسيلة للهدر. ومن هنا نتكل على المدرسة الكاثوليكية، وهذه هي ميزتها؛ فإلى جانب أنها تعطينا علما، فإنها تعطينا أخلاقا ولا يستطيع الإنسان العيش من دونها، لأن العلْم هو للعقل، أما الأخلاق فهي للإرادة. وهذا العلم يجب أن ينزل إلى مستوى الإرادة، إلى مستوى الخيارات اليومية. وهذه المعرفة التي أخذتها رفيعة، يجب أن أعرف كيف أترجمها على الأرض بأخلاقياتها. والعنصر الثالث الذي نحن نرتكز عليه والذي يميز المدرسة الكاثوليكية_ ونحن بالحقيقة بحاجة إلى تقويته أكثر_هو الثقافة الروحية، التي غدت اليوم شبه مفقودة، ويعني معرفة سر المسيح، معرفة سر الكنيسة، سر الإنسان. من هنا يجب أن نعطي التعليم والثقافة الدينية أولوية، ولكن أولوية حقيقية وليس بالكلام. ونلاحظ أنه يتم التعامل مع التعليم المسيحي كالولد الفقير كيفما كان، ومن أراد تعليمها فليفعل، فمن الطبيعي في هذه الحالة أن يستهتزء الطالب بمادة التعليم المسيحي، وهي مشكلة كبيرة جدا على مستوى المدرسة الكاثوليكية".

وتابع: "وأما القداس. فقد إبتكروا طريقة مفادها، أن يعطى لكل طالب حرية المشاركة بالذبيحة الإلهية في رعيته، ومن قال لكم أنه يشارك؟ في حين أننا نحلم بإيجاد شباب وشابات يشاركون في الذبيحة أيام الآحاد. إذا لم نعلم الطالب ما هو القداس، وإذا لم نستعن بكهنة لتعريفه على سر الإعتراف وتهيئته لأيام الآحاد، لم يعدْ للمدرسة الكاثوليكية من دور. كل مدرسة يهمها إعطاء أفضل تعليم، كل مدرسة يهمها إعطاء أحسن شهادات، ولكن لا يهم كل مدرسة أن تربي مسيحيا. نحن أمام واقع مخيف للغاية. لدينا في المدارس الكاثوليكية أكبر قوة، تتمثل بالطالب والمعلم والمعلمة والأهل والموظفين. هذه المدرسة هي أكبر آلة في أيدينا، وأهم وسيلة، لنعرف الطلاب على المسيح، ولذلك نحن كاثوليك، ولذلك نحن كهنة ورهبان وراهبات، وما النفع إن لم نستعملْ هذه الآلة. يجب على الإنسان أن يبني علاقته مع الله. ألديانة الإجتماعية شيء والدين في داخل الإنسان شيء آخر. أما إذا غرقنا في البرامج التعليمية والأقساط، فقدنا الجوهر. علينا تربية مسيحيين حقيقيين في مدارسنا، لأن المسيحيين في الشرق مرتبطين ارتباطا عضويا بمسيحيي لبنان".

واضاف: "ألبابا يوحنا بولس الثاني أعلنها أمام الجميع: "إزدهار المسيحية في لبنان، هي الشرط لبقاء المسيحيين في باقي الشرق الأوسط." "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه." ربحنا كل شيء وخسرنا مسيحيتنا وخسرنا حضورنا و تأثيرنا الروحي والإنجيلي. أنا لست أنظر نظرة تشاؤمية، بل نظرة إيجابية؛ ألقوة في أيدينا، علينا أن نعرف كيف نستعملها. إذا لم نستعملْها فقدْنا كل شيء.
ألطريق طويل أمامنا، ألتعليم والمدرسة مسؤوليتكم ومسؤولية الكنيسة. والرب أرسلنا لهذا العمل: "علموا وتلمذوا." وختم غبطته " نشكر الرب ألف مرة وكل يوم، لبقاء مدارس حرة في لبنان، وليس لدينا فقط المدارس الكاثوليكية، بل هناك أيضا المدارس الرسمية، ونشكر الرب لأننا نستطيع نشر التعليم المسيحي داخلها ورفع القداديس لطلابها."

لقاء المعوقين

وفي إطار الإحتفالات التي يشهدها الصرح البطريركي لمناسبة عيد الميلاد، إلتقى البطريرك الراعي مساء اليوم نحو 550 شابا وشابة من المعوقين من مختلف المؤسسات الإنسانية التي تهتم برعايتهم: الأب روبرتوس الهيبي، معهد بيت شباب، معهد بعبدا للمكفوفين، IRAP،CRC مؤسسة الينبوع، جماعة إيمان ونور، اركانسيال، جماعة الدير الخفي والسفينة، بحضور الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، السفير البابوي في لبنان غابرييلي كاتشا، مطارنة وكهنة وراهبات، إضافة إلى هيئات وشخصيات من المجتمع المدني وأهالي المعوقين، في كنيسة القيامة في باحة الصرح الخارجية.

بو هدير

بدأ اللقاء بكلمة ترحيبية لمقدم الحفل الأب توفيق بو هدير أثنى فيها على المواهب التي أنعم الله بها على المعوقين فوظفوها في مجالات عدة ليؤكدوا أنهم أعضاء من جسد يسوع المقدس ومن خلالهم يتمجد إسم الرب. وتابع الإعلامي طوني بارود تقديم برنامج الحفل معلنا انه من خلال عمله مع المعوقين إكتشف انهم يشعرون أكثر منا ويعبرون اكثر منا ويعرفون قيمة الحياة اكثر منا معبرا عن سعادته للنتائج الإيجابية التي حققتها جماعة الينبوع منذ انطلاقها في العام 2002 والتي كانت تهدف إلى إدخال المعوق إلى حياة ومجتمع الأشخاص الأكفاء لكي يكون هناك تواصل بينهما.

خباز

وكانت إطلالة للفنان جورج خباز إنتقد فيها وعلى طريقته الساخرة الإنقسامات السياسية والطائفية التي لايزال الشعب اللبناني غارقا فيها وأمل في أن يصحو هذا الشعب من سباته العميق قبل فوات الأوان. بدورهم، قدم المعوقون لوحات فنية تنوعت بين الإنشاد للتراتيل الميلادية والرقص التعبيري وإعطاء شهادات حياة وشارك معهم الأب جان ماري شامي لترجمة ما يحدث وفق لغة الصم الخاصة.

وألقى غبطة البطريرك كلمة للمناسبة رحب فيها بالحضور وشكر كل القيمين على هذا العمل من منظمين ومساهمين ومتطوعين كما وجه الشكر الكبير للمعوقين على كل ما قدموه في هذه الليلة التي جسدت المعنى الحقيقي للميلاد في بكركي. ومما قاله: "هذه الكنيسة هي كنيسة القيامة وعندما أنشأها غبطة البطريرك صفير أرادنا أن نحتفل داخلها بالذبيحة الإلهية وبموت وقيامة المسيح وكذلك للإلتقاء وعيش فرح القيامة. أشكركم أنتم بنوع خاص لأنكم تحملون جرحا يطلق البعض عليه إسم إعاقة وإنما نحن نسميه بلغتنا اللاهوتية جرحا من جروحات يسوع المسيح. أشكركم لأن الإحتفال معكم لمناسبة الميلاد هو ما يعطي الميلاد كل معانيه وكل أبعاده. هذا هو الميلاد الحقيقي لأن الطفل يسوع عندما ولد كان يحمل إعاقة لم يكن باستطاعته المشي ولم يكن باستطاعته حمل أي شيء بيديه وإذا نظر لا يمكنه التركيز، عنده العقل ولكنه لا يستطيع تفعيله لقد كان معاقا ولكنه ولد لكي كما يقول أشعيا يحمل أوجاعنا و يشفينا بجراحه.

وتابع: "ومعنى هذا أن الميلاد هو عيد جراح يسوع المسيح هذا الذي ولد لكي يموت ومن ثم يقوم. كل منا تأثر اليوم على طريقته وعندما ردد طوني بارود لأكثر من مرة عبارة "كرامة الشخص الذي يحمل إعاقة" عندها تساءلت، متى تكلم يسوع عن المجد، مجد الله. ووجدت محطات أساسية إستعمل فيها كلمة المجد. فيوم ميلاده أنشدت الملائكة المجد لله في العلى، ونحن أمام طفل كما شرحت من قبل "معاق" لا يمكنه المشي أو الحركة أو التحدث لا بل لايستطيع أن يفكر ولمجرد أن يولد الإنسان فهو يكون مجد الله، حتى ولو حمل إعاقة. وهكذا فهمنا أن مجد الله يتجسد من خلال ولادة كائن في هذا العالم. وعرفنا أنه في كل مرة يتم فيها اعتداء على كائن بشري، سواء كان في بطن أمه أم في العالم الخارجي، أي اعتداء عليه وعلى حياته هو جريمة كبرى ضد الله. أحيي كل الأهالي الذين قبلوا في بيوتهم وبفرح أن يكون بينهم فتاة أوصبيا حاملا لجراح المسيح وقبلوا بفرح أن يستمر بالحياة في الوقت الذي يعتدي فيه الكثيرون على الطفل عندما يعرفون أنه يحمل إعاقة فيقتلونه وهو لا يزال جنينا، وهذا جرم كبير . ألمرة الثانية التي استعمل فيها كلمة مجد هو يوم بداية آلامه وقال الآن أتت الساعة لكي يتمجد ابن الإنسان هذا الإنسان الكامل يسوع المسيح، الخالي من أي عيب جسدي أو قلبي أو عقلي. لم يتكلم عن مجده إلا ليلة آلامه وعندما ارتفع على الصليب أسماه المجد".

واضاف: "لأريد أن اقول لإخوتي جميعا أنهم مجد الله الدائم، بإعاقاتهم التي يحملونها. هذا جمال حياتكم. أنتم الصلاة الدائمة والتمجيد الدائم لله. والمرة الثالثة التي استعمل فيها كلمة مجد كان اليوم الذي قدموا إليه الأطرش والأبكم وسألوه من المخطئ أهو الأب أم الأم حتى ولد هكذا. وأجابهم لا الأب و لا الأم وإنما هو هكذا ليتمجد أبي الذي في السماوات. وتابع غبطته " أنتم يا من يحمل الجرح، أنتم مجد الله الدائم، أنتم فرح الكنيسة وأنتم حياتها. وإذا كان يسوع قد افتدانا واشترانا بآلامه وشفانا بجراحه، فأنتم تواصلون عمل الفدى بإستمرار، ولكم ولأهلكم وللمؤسسات التي ترافقكم نقول شكرا، لأنكم تفتدوننا، وأنتم الصلاة الدائمة من أجلنا. بسببكم ربنا يحجز غضبه عن البشر الذين يعيشون في الخطيئة والذين يعيشون في الشر والعنف والحقد والحروب والإعتداءات. أشكركم باسم كل المستبدين والقتلى لأن الله لا يغضب عليهم كما يريد العديد من الناس الذين يتمنون الموت لهم، بينما أنتم تقولون ما قاله يسوع على الصليب، إغفر لهم وساعدهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون من إعاقتهم. والمرة الرابعة التي ذكر فيها يسوع المجد عندما قال أريد أن أطلب منكم أن يظهر نوركم من خلال أعمالكم الصالحة لكي يتمجد اسم أبي وأردفها بكلام آخر "تمجدون أبي عندما تكونون مثلي تلاميذا وتحبون بعضكم البعض".

وأعرب غبطته عن فرحه بهذا اللقاء مؤكدا" الميلاد أخذ الليلة في بكركي كل معانيه. وإذا كان لا بد من التحدث عن الإعاقة فالإعاقة الحقيقية ليست بالجسد. إنها إعاقة القلب. كل إنسان يبغض وفي قلبه الحقد هو معاق كبير، لأن قلبه وجد للحب. وكل متكبر لا يرى لا الله ولا الناس ولا الكنيسة هومعاق وعلينا ان نصلي له. والناس الذين لا يعرفون إلا ارتكاب الشر هم معاقون بإرادتهم. ثلاث طاقات يحتضنها الإنسان، أولها طاقة العقل ليكون للحقيقة وكل كاذب وكل منافق هو المعاق الحقيقي وبسببه هناك شر في العالم. ثانيا الإرادة وهي تستعمل لفعل الخير فقط وكل من يستعملها للشر هو أكبر معاق. أما الطاقة الثالثة فهي القلب الذي نستعمله للحب والتحنن والرأفة والرحمة وكل من يحقد ولا يسامح هو معاق وليشفه الرب من خلال أوجاعكم أنتم. والأمر الرابع هو الضمير صوت الله بأعماق الإنسان الذي يطلب منه فعل الخير وتجنب الشر. أصحاب الضمائر الميتة والذين لا يصغون لصوت الله بأعماقهم فليشفهم الله لأنهم معاقون. هذه هي الإعاقة الحقيقية التي نطلب من الله أن ينقذنا منها أما أنتم فلستم بمعوقين أنتم جراح يسوع المسيح التي تشفينا من كل الإعاقات.

وختم غبطته "أخيرا، لقد علمتمونا معنى الميلاد. يسوع وهو الله لم يأت لينقذ العالم بالقوة، لم يولد في قصر ولم يخلص العالم بالمال والجاه أو بالسلطة والسلاح وإنما خلص العالم بالتواضع والفقر والحب. أنتم من يحب وأنتم من يتواضع. هذه صفاتكم أنتم من يخلص العالم. ميلادنا لهذه السنة رائع لأنكم أكملتم كل فرح الميلاد. أبونا يعقوب الطوباوي الذي أسس جمهورية الألم حيث كل أنواع الإعاقات قال للراهبات لو تعلمون من تخدمون لكنتم خدمتموهم واتنم راكعون لأنهم يسوع المسيح."

بعدها قدمت لغبطته مجموعة من المعوقين هدايا تذكارية يدوية الصنع ومن ثم وزع غبطته هدايا الميلاد على الحضور.

وكان البطريرك الراعي قد استقبل ضمن المهنئين بالأعياد سفير لبنان في روما جورج خوري والإعلامية مي شدياق.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر