الراصد القديم

2011/12/07

الأنظمة الجديدة وتحديات المستقبل


ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط

منير شفيق

بداية ستتناول هذه المداخلة ثلاث قضايا:

الأولى: تتعلق بموازين القوى العربية والإسلامية والعالمية التي شكلت الشروط الخارجية لتفجّر الثورات الشبابية الشعبية، وأطلقت المناخ الشعبي العربي الواسع الممتد من المحيط إلى الخليج باتجاه تغيير الأنظمة وإجراء إصلاحات عميقة تؤكد على حرية الشعب في اختيار ممثليه والنظام والسياسات الداخلية والخارجية لقطره. وهو ما عبّر عن نفسه بإرساء أنظمة ديمقراطية تأخذ بالتعدّدية والإحتكام لصناديق الإقتراع وسيادة القانون والمساواة المواطنية وصوْن حقوق الإنسان وكرامته.

هذه الإنتقالة الكبرى بالوضع العربي ما كان من الممكن أن تحدث لولا المقاومة والممانعة التي عرفتها الثماني سنوات الماضية في الإنتصار على حربيْ العدوان الصهيوني-الأميركي عام 2006 في لبنان، و2008/2009 في قطاع غزة، ولولا انهزام مشروع الشرق الأوسط الكبير بما واجهه الإحتلال الأميركي للعراق من مقاومة باسلة وممانعة شعبية واسعة.

الأمر الذي أحدث خللاً مشهوداً في ميزان القوى في غير مصلحة أميركا والكيان الصهيوني. وقد عزز ذلك اختراق، ميزان القوى في غير مصلحة أميركا من خلال بروز أقطاب عالمية وإقليمية كبيرة مثل روسيا والصين والهند والبرازيل وإيران كما بروز دول ممانعة مثل فنزويلا وبوليفيا وسورية.

هذا المتغيّر في ميزان القوى لعب، على سبيل المثال، دوراً هاماً في إسقاط نظاميْ زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر وانكشافهما ومن ثم تجرؤ الجماهير عليهما من دون قدرة أميركية لنصرتهما وقد ارتهنا لها. إنّ فشل مشروع المحافظين الجدد أنزل ضربة قاسية بمحور "الإعتدال العربي".

الأمر الذي جعل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، تستشعر قوّتها، وتتأكد من إمكان الإنتقال بوعيها وفعلها إلى مستوى الثورة.

والدليل على أهمية ما حدث من تغيير في ميزان القوى العربي والإسلامي والعالمي خلال الثماني سنوات التي سبقت عام 2011، في اندلاع الثورات يفسّره توقيتها. فما نراه اليوم على السطح كان دائماً متغلغلاً مكبوتاً في الأعماق. وما كان باستطاعته أن يخرج إلى السطح كما يفعل الآن إلاّ عدم مؤاتاة موازين القوى العالمية والإقليمية والعربية. فما نشهده من وعي وشجاعة على سبيل المثال لم يتكوّنا بين ليلة وضحاها، فقد كانا كامنيْن، وفي بعض الأحيان أعطيا إشارات انتفاض كثيرة ولكنها أُخمِدت في مهدها ولم تتحوّل إلى "شرار يحرق السهل كله".

النقطة الثانية: تتعلق بتركيز الثورات في أثناء المواجهة على الإستبداد والفساد، فقد تجنبت الهجوم على السياسات المتعلقة بالتبعية لأميركا والتفريط في القضية الفلسطينية أو الخضوع للعولمة وتنفيذ أجندتها بما في ذلك الفساد الذي استشرى ليصل إلى عشرات البلايين ومئات البلايين من الدولارات (بدليل ذهابها إلى البنوك والبورصات والعقارات في الغرب).

صحيح أن تجنب استفزاز أميركا وحتى الكيان الصهيوني وتجنب إسقاط نهج أنظمة التنمية التابعة والفاسدة، قُصِد منهما التركيز على هدف إسقاط النظام وعزله إن أمكن دولياً. وقد ساعد على ذلك حالة الضعف والإرتباك التي كانت اجتاحت أميركا والغرب عموماً والكيان الصهيوني. وذلك، مرّة أخرى، ما نزل بهم من هزائم أمام المقاومة والممانعة كما بسبب بروز أقطاب عالمية وإقليمية. وثالثاً بسبب الأزمة المالية التي أطاحت بالعولمة أرضاً وأدخلتها في أزمة متفاقمة بصورة متسلسلة.

وهذا ما يفسّر اضطرار أميركا وأوروبا الإنحناء أمام هذه الثورات بعد أن فشلت القوات الأمنية من إسكات التظاهرات. ورفض الجيش أن يحلّ محلها في قمع الثورة. وهو ما حدث في تونس ومصر، عندئذ بدأ تملُق الثورات ومحاولة نسيان ما قُدّم من الدعم والعلاقات الإستراتيجية لكل من النظامين المذكورين.

وهنا تبرز النقطة الثالثة المتعلقة بمستقبل العلاقات الأميركية-الصهيونية الغربية بالأنظمة الجديدة التي ستفرزها صناديق الإقتراع في الدول التي نجحت فيها الثورات وتمكنت من الإنتقال إلى بناء نظام ديمقراطي تعدّدي يحتكم إلى صناديق الإقتراع.

الموقف الأميركي الرسمي والذي لحقه الموقف الأوروبي الرسمي بالترحيب بنتائج الإنتخابات التي جرت في تونس. وقد رحبّا بفوز حزب النهضة. وأعلنا ترحيبهما بفوز الإخوان المسلمين في مصر إذا ما أسفرت الإنتخابات القادمة عن فوزهم كذلك.

أما الشروط التي وضعوها فقد اتسّمت بالسطحية والخداع. فهل صحيح أن ما يهم السياسات الأميركية والأوروبية هو أن تجري الإنتخابات بشفافية ونزاهة، والإمتناع عن استخدام العنف لترحبّ بنتائجها من دون التفات إلى مجموعة من المكوّنات والسياسات التي تبنتها الحركات الإسلامية أي الأحزاب التي تفوز بصناديق الإنتخاب؟ بل من دون الحديث عن السياسات الداخلية والخارجية المطلوبة؟ أين ذهب الإنحياز إلى الكيان الصهيوني والتماهي مع سياساته؟ أين ذهبت الهيمنة على السياسة والسيطرة على الثروات والإقتصاد؟ أين ذهبت المخططات الإمبريالية للعالم؟ ثم أين ذهب العداء للمقاومة وتبني هدف "يهودية إسرائيل"؟

والأهم أين ذهبت تلك العلاقات التي نسجت مع الرؤساء المُطاح بهم وأنظمتهم التابعة؟ بل أين ذهب التعاون الأمني معهم وتصدير قنابل الغاز والرصاص المطاطي وآلات التعذيب للأجهزة الأمنية ودعك حتى من المواقف إزاء الثورات خصوصاً قبل أن يتبيّن أنها منتصرة لا محالة.

هل ينسى العالم إطاحة الولايات المتحدة بأنظمة ديمقراطية وإقامة أنظمة دكتاتورية أغرقت البلاد بالدماء وأحكمت السيطرة عليها بالقمع لأنها لم تقبل بالتبعية ولم تركع لإملاءاتها وشروطها؟ فمن لا يذكر أليندي وحكومة تشيلي الديمقراطية، أو أندونيسيا سوكارنو. والأمثلة بالعشرات. فكل ما تقوله أميركا عن احترام انتخابات نزيهة شفافة ونتائجها والترحيب بنجاح أحزاب تعتبر معارضة لها، أساساً، ليس إلاّ الهروب من العجز، ونصب الفخاخ لحرْف اتجاهات القوى الحريصة على الإستقلال والسيادة والمستمسكة بحق الأمّة في فلسطين وعلى تنمية ناجحة لا تكون إلاّ في إطار عربي-إسلامي-عالم ثالثي بعيداً من أجندة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لأن تلك الأجندة تعني التبعية وإفقار البلاد وانتشار الفساد والدوْس على مبادئ العدالة الإجتماعية.

المستقبل والتحديّات الخارجية والإقتصاد

يمكن القول أن ثمة نوعاً من شهر عسل تحاول أميركا أن تدخل فيه مع قوى الأنظمة الجديدة سواء أكانت إسلامية أم قومية أم وطنية أم ديمقراطية ليبرالية؟ كما لم يكن بدّ من أن تقابل تلك المحاولة بنوع من الترحيب من قِبَل تلك القوى. لأن العداء لأميركا والغرب لم يكن مصدره الموقف المسبق من قوى التحرّر العربي أو الإسلامي، أو من قيادات الحركات الإستقلالية تاريخياً، وإنما كان رداً على محاولات السيطرة على البلاد ودعم الكيان الصهيوني في إنشائه وتعزيز تفوّقه وفي كل حروبه العدوانية. وكان مؤخراً بسبب احتلال أفغانستان والعراق والتماهي مع سياسات الكيان الصهيوني وحروبه العدوانية.

ولكن شهر العسل هذا سرعان ما سينقضي عندما يتحوّل الحوار من إبداء حسن النيّات إلى حوار جدّي يتناول السياسات الخارجية والداخلية. فإذا كان تراجعها الحالي في ميزان القوى عالمياً وإقليمياً وعربياً وقطرياً، وإذا كانت نهضة الجماهير العربية قد أمليا عليها أن تليّن من ملمسها، فإنها ستظل أميركا التي صنعت زين العابدين وحسني مبارك وكرسّت الإحتلال الصهيوني لفلسطين ونهبت الثروات العربية واستتبعت ثروات الفساد في بلادها. وكما قال الشاعر العربي:

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلّب في أنيابها العطب

الأمر الذي يسمح بالقول أن كل من يتعاطى مع أميركا في الصراع ومواجهة الضغوط وما ستنسج حوله من مؤامرات ومكائد. ولن يكون نموذج الصين أو الهند مثلاً بسبب الحالة القطرية التي تجعل أيّة سلطة ضعيفة ومستضعفة. بل لن يكون حتى المثل التركي ممكناً. لأن تركيا أصلاً في حضن الأطلسي وحليف لأميركا ومعترفة بالكيان الصهيوني ومن ثم ما حاولته في عهد أردوغان مع أميركا إنما هو هامش ضمن ذلك الإطار. فهو لا يصلح إلاّ في حالة الدخول في ذلك الإطار أولاً.

هذا تقدير لمستقبل العلاقات التي ستواجه الأنظمة العربية التي ستخرج من انتصار الثورات الشعبية، عموماً، والتي ستواجه الإخوان المسلمين عندما يصبحون في السلطة قيادة لها أو مشاركة جزئية فيها.

وهنا لا بدّ من التنبّه إلى ما يلي:

1- خطر الوجود في السلطة في ظل الدولة القطرية والبرنامج القطري لأن السلطة في الدولة القطرية حين لا تكون ضمن إطار وحدوي عربي مع أقطار أخرى تكون ضعيفة غير قادرة على مواجهة الضغوط والتحديّات الخارجية وستفشل في التنمية، وفي حماية الديمقراطية، وفي تحقيق عدالة اجتماعية وحتى في محاربة الفساد.

فلا يتوهمنّ أحد أن بمقدوره أن ينجح في الدولة القطرية العربية إلاّ من خلال مشروع وحدوي عربي يجب أن يتسّع باستمرار ليشمل الأقطار العربية أو معظمها. فإن أو ما يجب أن تبادر به السلطات الجديدة هو إزالة حواجز التنقل بين القطر وأشقائه العرب، اقتصاداً ومشاريع مشتركة وتضامناً سياسياً.

وهذا كله ممنوع في الإستراتيجية الإمبريالية الدولية التي صنعت سايكس بيكو وكرسّت التجزئة القطرية في مرحلة الإستقلال وهي تسعى الآن لتجزيء المجزّأ ما أمكن.

وهو ممنوع بسبب العقلية القطرية وطبيعة السلطة القطرية في أغلب الأحيان. ويكفي أن نلاحظ مظاهر القطرية التي أخذت تتغلب على بعض الأحزاب التي قامت على أسس وحدوية عربية وإسلامية.

وباختصار:

1- لا استقلال حقيقياً ممكناً، ولا تنمية ناجحة ممكنة، ولا ديمقراطية مستمرّة ممكنة، ولا كرامة راسخة للفرد ممكنة، في ظل البرنامج القطري إن لم يتجه إلى أن يكون مشروعاً وحدوياً عربياً.

2- إن من لا يقرأ الإستبداد والفساد باعتبارهما نتاجاً للبرنامج القطري الذي انكفأ على القطر وأخذ يتجه خارجاً. فاستشراء الفساد عرفته البلاد العربية ودول العالم الثالث خلال العشر سنوات أو العشرين سنة الماضية، هو نتاج العولمة والإنخراط فيها فالفساد سياسة دولية وإلاّ كيف كان من الممكن أن تنتقل كل تلك المليارات إلى أميركا وأوروبا فيما يحظر على الناس العاديين تحويل أكثر من عشرة آلاف دولار دون تحقيق بما يشبه خرط القتاد؟ وبالمناسبة إن إعادتها سوف تكون مشكلة كبيرة مستقبلاً.

3- هنالك بلا شك وعي عربي وإسلامي عام في القضايا السياسية ولا سيما المتعلق منها بقضية فلسطين، أو محاربة العدوان والإحتلال ولكن ثمة قصور شديد في الوعي بالنسبة إلى الإقتصاد والنظام الإقتصادي السائد عالمياً، أو تابِعَهُ الإقتصاد الليبرالي الذي ساد في الأنظمة المطاح بها.

ولهذا لا يُلحظ أن ثمة انتباهاً لخطورة النظام الإقتصادي الليبرالي وليس ثمة جديّة في اجتراح برامج اقتصادية تراعي التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية والحفاظ على ثروات البلاد. فالبعض يظن أن المشكل كان في قصور القائمين على الإقتصاد الليبرالي (أجندة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) وليس في طبيعة النظام نفسه، علماً أن الذين قاموا عليه ما كانوا إلاّ النتاج له ولم يكن هو نتاجهم. لأنه مشروع العولمة المصدّر لهم.

وأخيراً ليس آخراً، عندما سينظر القادمون إلى الأنظمة بعد انتصار الثورات وراءهم سيجدون أن أسهل ما حدث كان الإطاحة بأنظمة الإستبداد والفساد والتبعية. ويا للهول إن وقعوا في براثن البرنامج القطري المغلق عربياً والمنفتح خارجياً، وقدّموا التنازلات في القضية الفلسطينية، أو انغمسوا في النظام الإقتصادي الليبرالي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر