الراصد القديم

2011/12/07

هل نقول لمصر الموحدة وداعاً؟


كنت دائماً من الناقمين على نظرية المؤامرة ولا أعتقد فيها لما تتركه من أثر سيء على النفس والعقل، حيث تجعل من يؤمن بها صغيراً أمام ذاته، وتحقر من شأنه، وتُقلل من قدر أفكاره وتصرفاته بسبب خوفه من سراب، ولكنني قرأت مؤخراً تصريحاً مريباً لبرنستون ليمان مبعوث الرئيس الأميركي أوباما للسودان، قال فيه: "إن انتقال حالة الربيع العربي الراهنة إلى السودان ليست من أجندة بلاده، فليس من مصلحة أميركا إسقاط النظام هناك، إنما مصلحتها الآن هي في استقرار السودان وجنوب السودان".

مر هذا التصريح على الناس مرور الكرام ولم يعطه أحداً ما يستحقه من اهتمام، ولكنه أزعجني وصدمني بشدة وأستفز مشاعري ودفعني لمراجعة إنكاري لنظرية المؤامرة، لأن ما لم يقله السيد ليمان لو كان صحيحاً لكنا أمام مصيبة مستقبلية لابد من البحث عن خيوطها لإيقاف تحققها، فقد سكت عن القول أن أجندة بلاده للمنطقة العربية هي تقسيم الدول العربية وفقاً للخطط السابق تسريبها، وطالما أن السودان قد تمت تجزئته بفصل جنوبه عن شماله، ومشاكله في دارفور وكردفان تنبئ بأنه قد ينقسم ثم ينقسم إلى أن يتلاشى، ولذلك فلا حاجة لانتقال الربيع العربي إليه أصلاً؟

ما معنى ما قيل وما لم يُقل؟ هل من الممكن أن تكون أميركا وحليفتها إسرائيل بالتعاون مع أوربا الغربية وآخرين ضالعين في تحريك وتنفيذ الثورات العربية التي كم تفاخرت بها الشعوب وتغنت وتباهت بما حققته من إزاحة عتاة الحكام العرب، رغم ما أبدته أميركا وحلفائها في حينه من دهشة وتحركات مسرحية تبدو للوهلة الأولى وكأنهم فاجأتهم هذه الثورات؟، ولم لا، والعرب دائماً كالزوج المخدوع، آخر من يعلم.

هذا يعني أن جماعات الإسلام السياسي التي انتشرت كالنار في الهشيم، وعلت أصواتها فجأة في الساحات السياسية التونسية والمصرية والليبية والسورية والمغربية، لم يكن ظهورها لوجه الله تعالى، إنما هو استكمالاً ضرورياً لتحقيق ما لم تستطع أميركا تحقيقه طوال العقود الماضية من سياسات لصالحها ولصالح حلفائها في المنطقة، فكان عليها الاستعانة بمن هم أقدر على ذلك، خصوصاً بعد التجربة الناجحة في السودان، فالحزب الحاكم هناك يحكم باسم الدين وتقاعس متعمداً طوال فترة حكمه الممتدة اثنان وعشرون عاماً تقريباً عن أن يتصالح مع المواطن والوطن لإقامة دولة موحدة قوية، فرأى أن التخلص من بعض مواطنيه نهائياً بالتقسيم هو الحل الأمثل طالما سيتمكن في النهاية من إقامة دولة دينية خالصة دون منغصات من الديانات والإثنيات المختلفة، حتى وإن كانت دويلة لا حول لها ولا طول فذلك هو ثمن البقاء في الحكم والاحتفاظ بالسلطة.

وهذا يعني أيضاً أن هناك علاقات قديمة ودفينة بين الاستعمار الذي تمثله أميركا والغرب مع الجماعات الدينية المتعددة المآرب والمشارب والتوجهات، وإذا كان الاستعمار بصفة عامة لا يترك منطقة بجسده إلا ووضع فيها من يختاره ليكون ظله، وإنه لا يفقد حليفاً إلا إذا كان على ثقة من أن البديل سيكون الأفضل والأقدر على تنفيذ مشروعاته الاستعمارية التي هي بالضرورة لن تكون لصالح الشعوب، فإن هذا الدور من الممكن إسناده لجماعات الإسلام السياسي المعروف عنها الشهوة الجارفة للوصول إل الحكم، لتملأ فراغ الحكام الذين سقطوا شريطة القيام بما يُطلب منهم ويفوق ما طُلب ممن كانوا قبلهم، وتحقيق ذلك يتطلب تمكينهم من السلطة من خلال انتخابات يُقال عنها أنها نزيهة وشريفة وعفيفة، حتى لو تأكد للجميع أن نصف الأصوات مُشتراة بالمال والطعام والمواد التموينية والتزوير والبطاقة الدوارة في أحيان كثيرة، والنصف الآخر أعطاه لهم البسطاء الذين اعتبروا التصويت لهذه الجماعات واجباً دينياً وتقرباً من الله ووسيلة لدخول الجنة التي يسعى الكثيرون لنيلها هرباً من جحيم الوطن.

فهل تقوم جماعات الإسلام السياسي في مصر عندما تتمكن من الحكم بنفس ما قام به حزب الترابي في السودان، فتعمل على تقسيم المجتمع على أساس من هم معها وينضوون تحت لواء عضويتها، مقابل باقي المصريين المسلمون منهم والأقباط ثم تعمد إلى سياسة الإقصاء بما يدفع الناس إلى التخلي عن المواطنة ويختارون إما الانتهازية الدينية بإطلاق اللحى والانضمام ظاهرياً إلى التيار الديني الحاكم للاستفادة من مزايا القرب من السلطة، وإما المواجهة والعصيان، بما ينتج عنه رداً قاسياً ورهيباً من السلطة الدينية الحاكمة التي ستكون عندئذٍ في حربٍ مع أعداء الله حتى وإن كانوا مسلمين طالما اختلفوا معها، وبما يؤدي إلى حلول المسلم غير المنتمي للجماعات ضيفاً دائماً بالسجون التي ستمتلئ بمعارضي الحكم الديني ونكون بذلك قد استبدلنا اللات بالعزى، مع الفارق بأن من يأمر بالقتل أو السجن أو السحل في هذه الحالة إنما يقوم به – من وجهة نظره وحده – إرضاءً لله وحماية لدينه سبحانه وتعالى، ولذلك فهو محصن عن أي عقاب.

وما يسري على المسلمين من خارج الجماعات الدينية، سيسري بالتأكيد على الأقباط الذين هم وفقاً للأفكار الدينية المتطرفة من الأعداء أصلاً، ووفقاً لتصريحات بعض متطرفي الجماعات الدينية عليهم إما دفع الجزية أو الهجرة، وهنا يتم الدفع بقضيتهم إلى الساحة الدولية التواقة لذلك بفارغ صبر، ومع الضغوط التي سيتعرضون لها يهاجر بعضهم خارجياً لأميركا وأوربا، والبعض الآخر يهاجر جنوباً إيذاناً بإنشاء دولتهم التي يحلمون بها وينتظرون الفرصة للحصول عليها، وبالطبع الحكم الديني المنتظر سيعطيهم هذه الفرصة على طبق من ذهب ظناً منه أنه بذلك يتخلص من عبئهم ليتفرغ لبعث نظريته الخاصة بالتمكين في الأرض التي تبدأ بإقامة دولة إسلامية خالصة على أي مساحة من الأرض تمهيداً للسيطرة على العالم أجمع.

هذا سيناريو يميل إلى التشاؤم، ولكن كل الشواهد تدل على طريقتهم، وجميع التصريحات التي يدلي بها أعضاء الجماعات الدينية تشي بما يختبئ في مكنون نفوسهم وعقولهم تجاه حكم مصر وطريقتهم في التعامل مع المصريين، فالمشهور منهم قال إن الحكم الإسلامي ليس فيه تداول للسلطة فالسلطة لديهم أبدية للإمام وإن مات الإمام تولى إمام آخر، وأحدهم قال أن جماعته هي التي تحمي دين الله وهي التي حافظت عليه من الزوال، وزاد قولاً أن الإخواني الذي يتزوج من غير الإخوانية يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومنهم من نادى بحرق كتب نجيب محفوظ والتخلص من كل آثاره، ومنهم من تعهد بمنع الاختلاط بين الجنسين في كل الأماكن، ومنهم من طالب بمنع المرأة من قيادة السيارة، ومنهم من قال أن الديمقراطية حرام وإن استعملوها فلتكن آخر رحلة لقطار تتوقف جميع رحلاته بعد إيصالهم إلى محطة السلطة.

لم نسمع من هؤلاء طرحاً لإدارة الاقتصاد ممثلاً في التجارة والصناعة والزراعة، وكيفية انتشال البلاد من الفقر والغلاء، ولم يفصحوا عن وسائلهم للقضاء على الأمية ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، ولم يقترحوا إصلاحاً للتعليم والخدمات الصحية وحل مشاكل الإسكان، ولم يعلنوا عن طريقتهم لإيجاد فرص عمل للشباب وانتشاله من البطالة التي حطمت آماله، لم نسمع منهم إلا تهديداً ووعيداً، ركزوا أفكارهم على إدارة الإنسان مبتعدين عن إدارة الإنسانية، لم نجد منهم أدنى ميلٍ للتغيير بقدر تحمسهم للتعزير.

إزاء هؤلاء لا أملك من أمري شيئاً، فما الأمر إلا لله سبحانه وتعالى، هو المطلع على السرائر وهو العليم بمن يسعى إلى الخير ومن ينتوي الشر بوطني الحبيب مصر، أرضي الباقية الساكنة في روحي ودمي وإن زالت الدنيا، اللهم لا تمكن عليها من يقهر شعبها مدعياً أن هذا أمرك، اللهم أرحم هذا الشعب فهو لم يذق من الحياة إلا مرها على مر العصور، اللهم إنك تعلم أن شعب مصر من أطيب شعوب الأرض وأقربها إليك مسلماً كان أم قبطياً، فأحمه يا رب ممن يتحدثون باسمك، ويضربون بعصاك، إن كانوا يكذبون.

عادل الجوهري

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر