الراصد القديم

2011/12/31

يا حمير العالم اتحدوا!

خالص جلبي

أول من أطلق شعار يا عمال العالم اتحدوا كان كارل ماركس. قال لهم لن تخسروا سوى قيودكم. قلَّده بعدها عبد الحميد من الأستانة بإطلاق شعار يا مسلمي العالم اتحدوا، علها تنفع في إسعاف رجل البوسفور المدنف قريب الدفن.
هذه المرة جاءت من ثوار سوريا للدفاع عن الحمير بعد أن رأينا بتاريخ 13 سبتمبر 2011م منظرا لعصابة من الجيش السوري تجمع قطيعا من الحمير في مرتفع من الأرض، ثم تخلع عنهم (البردعة) حتى لا يحول حائل بين الرصاصة وجسد الحيوان الوديع، ثم تبدأ مجزرة الحمير حصدا بالكالاشينكوف.
حاول جحش (كرّ) صغير الهرب فلم يرحمه الجندي الباسل. هناك من لم تصبه الرصاصة في مقتل فأكمل الجندي الوغد بزخة من الرصاص عجلت بروحه. ومنهم من حاول التستر بأخيه فلم ينفع.
تساقطوا جميعا في حفلة دموية جماعية يروون للتاريخ ظلم الإنسان والانحطاط الأخلاقي في الجيش العقائدي البعثي.
حقيقة احترت في التفسير لماذا الإعدامات الجماعية للحمير والبقر بعد البشر؟ وذهبت بي الظنون مذاهب قلت ربما تعود لناشط هارب أرادوا اعتقاله وليس ثمة من رهين مقابله من أمه وأبيه وزوجته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه فكانت الرهائن الحمير. قلت ربما أيضا ضبطت أي الحمير تنقل الزاد والماء إلى أهل درعا وحمص وحماة فانتقموا منهم بالقتل الجماعي فليس ثمة من أمان في سوريا الأسد لحمار وبغل وطير ويعسوب.
تذكرت سورة الكهف أن الفتية هربوا ومعهم كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. قلت في نفسي لماذا الكلب؟
هنا مع مذبحة الحمير أفهم أنه في ظل الأنظمة الشمولية ليس ثمة ضمان وذمة وأمان لقطة وكلب وحمار وبقرة.
إن النظام الأسدي يطبق مبدأ الغابة فسيد الغابة يفترس كل الحيوانات عدا عصابته من ثعلب وذئب وضبع ونسر ودب.
إن الموضوع جد وليس بالهزل. قرأت للشنتاوي عن الحاكم بأمر الله الفاطمي أن الكلاب أزعجته في ليلة فأصدر أمرا بتصفية كلاب القاهرة عرقيا فمات في تلكم الليلة ثلاثون ألفا من الكلاب قتلا وضربا وسحلا وتمزيقا.
إن البعثيين الجدد هم صنوان لأولئك أليس كذلك؟
صديقي القاسمي من بريقة في الجولان ارتاحت زوجته الألمانية للطبيعة الجميلة فبنى لنفسه بيتا واعتنى بكلب يحرسه. سألته يوما عن سكناه قال هي جيدة ولكن كلبي قتلته المخابرات! قلت وهل كان من المندسين أو السلفية؟ قال بأيديهم الرشاشات يرشون فإن لم يرشوا البشر رشوا الكلاب والحمير. الرشاش صنع للرش حتى لا يصدأ أليس كذلك. العضو الذي لا يعمل يضمر كما في البيولوجيا، والأجهزة الأمنية يجب أن تبقي على زخم القتل فلا تصدأ آلة القتل الجهنمية كما رأيناها في أحداث عام 2011م على امتداد ستة أشهر. دوما جاهزة لساعة الصفر وما أدراك ما ساعة الصفر ويل يومئذ للمكذبين.
إن الآلة الحربية الآشورية كما يقول المؤرخ توينبي كانت تحت التطوير والمراقبة الدائمين فماتت دولة آشور (مختنقة بالدرع) وكذلك سيكون مصير الدولة الأسدية.
حين رأيت مصرع الحمير الشامية قلت إنهم فعلا أبطال البرية كرمال الأمة الأسدية كما قالت فرقة موسكو في اليوتيوب، وهو مقطع جميل جدير بالتأمل.
جاء في الحديث الصحيح قوله ص مستريح ومستراح منه قالوا يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل. والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
وفي القرآن آية معبرة تذكرنا بمصرع القذافي الذي سيكون نفسه للأسد أنهم تركوا من خلفهم جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.
جاء في الحديث أن العالم في موته تبكي عليه طيور السماء وحيتان البحر، وهؤلاء البعثيين يقتلون كل الحياة البشر والبقر والحمير.
يجب الاتصال بجمعية الرفق بالحيوان ومناشدتهم الحماية الدولية للحمير بعد البشر والبقر.
لا أدري لماذا ذكرني هذا المنظر بالنازيين حين كانوا يقومون بالإعدامات الجماعية فينزعون ثياب الضحايا بالكامل ثم يوقفونهم أمام الحفر ثم يبدؤون حصدهم بالرشاشات وهم يسترون عوراتهم بأكفهم عبثا..
إنها مناظر مكررة بالسواطير والسيوف على يد تيمورلنك وجنكيزخان وهم يبنون منارات من الجماجم. أو الصربيين في سيبرينتشكا وهم يحصدون رجال مدينة كاملة في البوسنة. أو النازيين في ممرات خفية خارج كييف في روسيا. أو السنوسي في ليبيا في سجن بوسليم. أو رفعت الأسد في سوريا في سجن تدمر وهو يحصد أرواح ألف من الشباب في الأصفاد مقرنين.
نظارات معتقل آوسشفيتس (Auschwitz) لفتت نظري فقد كان الأوغاد النازيون يحتفظون بغرفة كاملة من النظارات لكل من أعدم ويلبس نظارة! يمكن لمن يريد لبس نظارة بأي حجم وقوة أن يختار بسرعة؛ فكمية من مات من حملة النظارات والشهادات لا يضمهم كتاب ويحصيهم ميزان. مضوا إلى ربهم والوزن يومئذ الحق وإلى الله ترجع الأمور.
مع قصة الحمير جاءت الاعترافات التي أدلى بها هرموش العسكري الذي ضبطته المخابرات البعثية وهو أمر ذكرني بالشيخ الصياصنة من درعا إمام الجامع العمري، وكذلك اعترافات غاليلو والقس التشيكي هوس وجيوردانو برونو أو ما جاء في قصة الدفاع عن الإلحاد في اعترافات توماسو كامبانيلا وهي تروي قصة الاعترافات السورية.
أنا شخصيا دخلت معتقلاتهم أربع مرات وما رأيت بأم عيني وذكرياتي من كراكون الشيخ حسن والمحقق يوسف طحطوح وسجن المزة العسكري ومعتقل الحلبوني لصالح فرع المخابرات العامة رقم 273 والمحقق محاميد وما أكثرها من أرقام يدفعني أن أسجله في سيرتي الذاتية.
يمكن أن نختصر وضع سوريا بآية من القرآن وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء..
إنه تصوير سريالي لحالة النفس الذاهبة الواهنة المنكمشة في مربع الحزن والفزع الأعظم.
ألقي القبض على الراهب (كامبانيلا) بتهمة الهرطقة والإلحاد؛ فنزل في أقبية مخابرات الفاتيكان، حيث محاكم التفتيش الجهنمية، في عام 1593م، ثم أطلق سراحه بعد ست سنوات عام 1599م.
وكانت جنوب إيطاليا خاضعة للحكم الأسباني يومها، ومعها جبروت الكثلكة، فأوحى إليه عقله أن يقاوم الغزاة، وينشئ جمهورية مثالية، فأخطأ للمرة الثانية بأشد من الأولى، وهكذا فبعد أن كان يواجه غولا واحدا، أصبح في مواجهة غولين؟!
تم إلقاء القبض على كامبانيلا من جديد، وحكم بالسجن المؤبد، وأخضع للتعذيب هذه المرة بآلة جهنمية اسمها (لا فيجليا La Veglia)، ما يذكر تعذيب (ماهر عرار) السوري الكندي الجنسية في أقبية المخابرات الثورية، ولكن بفارق أربعة قرون؟ فبعد أن وشت به المخابرات الكندية أمسكت به الأمريكية ولكنها تركت امتياز تعذيبه لبني قومه؟! ليرجع ويقاضي الأربعة وتعتذر له الحكومة الكندية وتعطيه 12 مليون دولار تعويضا..
كان المتهم كما هو مع كامبانيلا يخضع لتعليق ذراعيه، وهو في وضع القرفصاء، على بعد إنشات من كرسي، تبرز منه مسامير حادة، غليظة جاهزة لشق اللحم شقا، فليس أمام التعيس إلا أحد اثنين: أن ينغرز في خازوق الأنصال، أو تنخلع أكتافه من فوق؟.. وكان عرار كما جاء في مذكراته يهدد دوما بكرسي حديدي من هذا الصنف.
وهنا أدرك (كامبانيلا) أن عليه إن أراد أن يبقى على قيد الحياة أن يمارس إستراتيجية البقاء، وهكذا فقد بدأ يتظاهر بالهلوسة والجنون، فأخضعته الكنيسة لمزيد من التعذيب؛ كي تتأكد أنه (مجنون حقاً) كذا؟؟ وبقي أربع سنوات مصلوبا واقفا إلى جدار، فصمد لجهنم تحقيق الكنيسة، حتى اعتقدت في النهاية بأنه فاقد العقل تماما.
بعدها بفترة سنوات كتب كتابه الأول في مدح (الملكية الأسبانية)، وأن ما فعلته من ذبح الناس وحرقهم على نار هادئة، ونهب أمريكا، كان عين العقل، وقمة التقوى، فصدقت الكنيسة أنه فعلا ولد صالح للكثلكة؟!
ثم ضرب كامبانيلا ضربته الأخيرة؛ فأخرج كتابا مثيرا بعنوان (هزيمة الإلحاد) وعرضه على شكل سؤال وجواب، وهو ما يذكر بكتاب (قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن) لنديم الجسر بين حيران وأستاذه، مع الفارق.
وكان يعرض حجج اللوثريين والمارقين بقوة ووضوح، ثم يأت برد الكنيسة بشكل ممل تقليدي عويص مبهم، فاحتارت الكنيسة في أمره، فهو يعرض آراءها مقابل الشبهات، ثم اقتنعت أن الرجل كاثوليكي صالح، وأنه فعل جهده في اعتناق المذهب الصحيح والذود عنه، وهكذا أطلقت سراحه بعد 23 سنة من حبسه الطويل، وتلقف الناس كتاب الرجل فلم يكن هزيمة للإلحاد، بل كان نبعاً الإلحاد، وهكذا أصبح أنجيلا في يد كل من ينافس ويعارض الكنيسة ويريد النيل منها، بسبب قوة الحجج المعروضة على لسان خصوم البابا والكنيسة.
وهو ما حصل لأغنية القاشوش الحموي الذي انتزعت حنجرته بعد أن غنى أغنيته المجلجلة: يا لا ارحل يا بشار! فمنحه البعثيون الخلود وبذلك أدخولا إلى روعنا مفردات الشهادة من جديد، ولماذا لا يموت الشهيد بل أحياء عند ربهم يرزقون.
جاء في تعاليم الرسل لبولس الرسول والقرآن أن البذرة إذا دفنت في الأرض أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
وهذا يجعلنا نفهم أن معركة الكنيسة مع العلماء فتحت الباب لكل ألوان الإلحاد، جملة وتفصيلا، وضد أي دين، وبذلك نشأت الحضارة الغربية الحالية، وهي ممزوجة بروح إلحادية صريحة؛ فأعلن (نيتشه) موت الرب، وأعلن (سبينوزا) أن الله والطبيعة واحد، وأن الإيمان بالمعجزات كفر، وأعلن (ماركس) أن الدين أفيون الشعوب، وختمها (ميشيل فوكو) بموت الإنسان؛ فلم يبق وينجو أحد، وكل ذلك من حماقة الكنيسة وتعصبها العقيم الذميم..
قارنوا هذه الأيام بين موقف الكنيسة اللبنانية من أحداث سوريا وموقف المثقف المسيحي العلماني ميشيل كيلو حتى تتعرفوا على فساد المؤسسة الدينية أيا كانت في لبنان أو قم والأزهر وأصفهان أو سوريا عند البوطي والمفتي وكفتارو، فهذا هو دأب المؤسسة الدينية منذ أيام فرعون بيبي الثاني ورئيس الكهنة، أو بهرام الملك والموبذان من خراسان.
إنه الدين المبدل بطقوس ميتة وطلاسم ميتة وأشكال كاريكاتورية من جبة وقبة وعمائم مختلف ألوانها، وقلنسوة وطربوش ولفة وشروال جدد بيض وحمر وغرابيب سود.
جاء في إنجيل متى : جلس الكتبة والفريسيون على كرسي موسى فكل ما قالوا لكم افعلوا افعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تفعلوا، لأنهم يحبون المتكأ الأول في المجالس والولائم، وأن يناديهم الناس سيدي. ويعرضون عمائمهم ولعلة يطيلون صلواتهم. الويل لكم أيها القادة العميان إنكم كالقبور من خارج مطلي أبيض ومن الداخل نجاسات وعظام أموات.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر