الراصد القديم

2011/12/08

استراتيجية نظام الأسد بحسب قراءةٍ "عونية" حديثة

::طارق حسون::

أن يؤيّد التيار العوني، النظام البعثي في سوريا، او اي نظامٍ آخر، فهذا شأنه، ولكن ان يدعّي هذا "التيار" حرصه على الحريات العامّة، وحقوق الإنسان، والسيادة الوطنية، بموازاة تشبّثه بنظامٍ سلطوي، قمعي، توسعّي، كالنظام المذكور، فمسألةٌ فيها نظر!!

واللافت في الأمر، ان العونيين، او غالبيتهم الساحقة على الأقل، لا يجدون أي حرجٍ في الإقرار بسلطوية، وديكتاتورية نظام الأسد في سوريا، ومع ذلك كلّه، يحاولون إختلاق الُحجج غير المُقنعة، وتدبيج الروايات غير العلمية وغير المنطقية، لا لشيء، إلاّ لتبرير تحالفهم الهّش معه.

مناسبة هذا الكلام، صدور كتاب "الإستراتيجية السورية في لبنان، بين الأسد الأب والأسد الإبن"، منذ ايامٍ قليلة، للكاتبة علا بطرس، عضو لجنة الدراسات السياسية في التيار الوطني الحرّ، والذي تضمّن جملة معلوماتٍ تميط اللثام عن الطبيعة الظلامية للنظام السوري، وتكشف استراتيجيته تجاه لبنان، بالإضافة الى بعض أساليبه الوحشية.

في استعراضٍ لكتاب "الإستراتيجية السورية في لبنان، بين الأسد الأب والأسد الإبن" تتطرق الكاتبة العونية علا بطرس، في الصفحة 29، الى اساليب التعذيب التي يمارسها النظام السوري، فتنقل عن منظمة العفو الدولية ان "النظام السوري يستخدم 38 نوعاً من التعذيب". وتُصيف، أن النظام الأمني في سوريا يضّم بمفرده، 65 الف ضابط وعنصر رسمي، عدا عن المخبرين، "اي بمعدّل عنصر مخابرات رسمي على كل 153 مواطنا سوريا".

وفي الصفحة 52 تعتبر الكاتبة بطرس، ان استراتيجية الراحل حافظ الأسد كانت تقوم على تفعيل الحضور العلوي السوري داخل اجهزة السلطة في سوريا، في مقابل تفعيل الحضور السنّي السوري داخل الأراضي اللبنانية. بحيث "شكّل العلويون مفاتيح النظام، وانحصر دورهم في سوريا، في المقابل كان حضور القيادات العسكرية والأمنية من السنّة قوياً في لبنان".

تعتبر بطرس، في الصفحة 53 من كتابها، "ان كل رأي آخر كان عُرضةً للملاحقة والتضييق، فلا وجود لمعارضة سياسية مُنظمّة التي تُعتبر مشبوهة خدمةً لأغراض خارجية، وقد نصّ الدستور السوري صراحةً على ملاحقة اللاجئين السياسيين.."، مُضيفةً في الصفحة 54 "ان منظمة العفو الدولية سجّلت في حزيران 2000 وجود 1500 سجين سياسي داخل السجون السورية".

في الصفحة 58 من كتابها، تعترف الكاتبة العونية علا بطرس، ان النظام السوري يُصنّف "الموارنة" في خانة "خصوم النظام التاريخيين"، بحيث ان الرئيس حافظ الأسد لم يتردد بوضع شقيقه رفعت تحت الإقامة الجبرية بسبب تعاونه مع الموارنة، بحسب قولها. وتؤكد بطرس، في الصفحة 72 و73 من كتابها، ان من أولى نتائج إتفاق الخطوط الحمر الذي ابرمه الرئيس حافظ الأسد مع الإسرائيليين بمباركةٍ أميركية، كان إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان بمثابة إضعافٍ للقضية الفلسطينية، بحيث ان الأسد لم يتردد في الإنقضاض على "القضية الفلسطينية"، وإنشاء منظماتٍ فلسطينية موالية له، تحقيقاً لمكاسب سياسية وامنية في لبنان.

بالنسبة لقضية الإعلام والحريّات العامّة، تؤكد الكاتبة بطرس في الصفحة 88 ان النظام السوري "مارس اسلوب القمع والرقابة على اجهزة الإعلام بفعل تخوّفه من الحريات الفكرية والصحافية في لبنان"، مُعتبرةً ان "السوريين امسكوا الأمن في لبنان عبر الجهاز الأمني اللبناني - السوري المشترك الذي اطاح عملياً بالحريات والديمقراطية، فكل صحافي مُعارض للهيمنة او للوجود السوري كان يُستدعى الى المراكز الأمنية للتحقيق معه تحت الضغط والتهديد ... بالإضافة الى حلّ أحزاب لا تتلاءم والتوجّه السوري لاسيما حزب البعث فرع العراق وحزب القوات اللبنانية".

وتُكمل بطرس في الصفحة 99 من كتابها، موضحةً ان "النظام السوري مارس الرقابة الإعلامية فقد اقفل تلفزيون "المشرق" لأنه تناول موضوع الأقليات الدينية، فضلاً عن إغلاق 225 موقعاً الكترونياً.. كما فعّلت الأجهزة الأمنية اجراءات الرقابة، بواسطة تسجيل اسماء الزبائن التي ترتاد مقاهي الإنترنت، في محيط الجامعات".

امّا في الصحفات 66، ولغاية 70، وتحت عنوانٍ رئيسي هو "لبنان حلبة الصراع البديل"، وعنوانٍ ثانوي هو "إضعاف الدولة اللبنانية"، فتستعرض الكاتبة بطرس استراتيجية النظام السوري القائمة على إضعاف الدولة اللبنانية، وعلى جعلها لبنان حلبة صراعٍ بديل عن سوريا.

اماّ المفارقة في ذلك كلّه، فهو ما ذكرته الكاتبة علا بطرس على صفحتها الرئيسية في فايسبوك بتاريخ الأول من كانون الأول 2011، لجهة التفاخر "بمقابلتها العماد ميشال عون، نهار الأربعاء 30 تشرين الثاني 2011 لمدة ساعةٍ من الوقت، اهدته خلالها نسخةً من كتابها"، مُضيفةً "ان العماد عون ابدى اعتزازه بالكاتبة وبما قامت به"، واصفةً هذا اللقاء بـ "اللحظة التاريخية التي لا تُنسى".

ولعل اكثر ما يُثير الإستغراب في الأمر، هو التعارض العميق بين حيثية صدور الكتاب، لجهة المعلومات التي تضمنها، والهوية السياسية لمؤلفته، وموقف العماد عون الداعم لما قامت به المؤلفة، وبين المرافعات التي يتولاّها الأخير دفاعاً عن نظام الأسد وارتكاباته...

يكفي في هذا الإطار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ان نستعرض موقف العماد عون بتاريخ 21 حزيران 2011، والذي يحاول فيه إثبات صدقية "نوايا الرئيس الأسد بإجراء إصلاحٍ حقيقي"، ومقارنته مع ما اوردته الكاتبة العونية علا بطرس في الصفحة 96 من كتابها، لجهة تأكيدها على ان نظام بشار الأسد، يتناقض، في تركيبته البنيوية، مع اي توجّه فعلي نحو الحرية والإصلاح، وذلك من خلال قولها "إن النظام رأى في التحوّل نحو المزيد من الحريّة، مصدر تهديد على أمنه، لذلك فقد أعاق العمل بالإصلاح"...

خلاصة الأمر، ان معظم المعلومات الواردة في الكتاب لم تعد خافيةً على احد، لا في لبنان، الذي عانى الأمريّن من وحشية نظام الأسد الأب والإبن، ولا في اي منطقةٍ من العالم، تتابع عن كثب مجريات جرائم النظام بحقّ شعبه. إلاّ ان صدور كتابٍ كهذا، من قبل مسؤولةٍ في التيار العوني تحديداً، في هذا التوقيت بالذات، يدفعنا للتساؤل حول الحكمة، او الأبعاد الأخلاقية والإنسانية، او حتى الواقعية السياسية، التي ما زالت تتحكّم بسياسة وسلوك عماد "الإصلاح والتغيير" لغاية الآن، فتُبقيه مرمياً في أحضان نظامٍ قمعي، عاصٍ على "الإصلاح والتغيير"، من دون ترددٍ، او وخز ضمير؟؟!!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر