الراصد القديم

2011/12/04

لبنان في عنق أسئلة صعبة عن: ماذا بعد تهاوي الأسد؟


لم يخف الضجيج اليومي «المتطاير» من على المنابر والشاشات، طلائع الاسئلة الكبيرة «المتربصة» بلبنان في لحظة «احتضار» النظام في سورية … كيف يمكن لسعد الحريري، الزعيم الشاب المتكئ على تحالف عربي، اقليمي ودولي «لملمة» الواقع اللبناني المصاب بشروخ عميقة، سياسية ومذهبية والانتقال بالبلاد الى رحاب ربيع جديد؟ وكيف سيلاقي «حزب الله»، اللاعب الاقليمي القوي المتربع فوق ترسانة من الصواريخ، الانهيار المحتمل لحليفه السوري و«حبل سرته» مع ايران؟

إنها الاسئلة الصعبة في الزمن الاصعب الذي يجعل من العناوين السجالية في اندية بيروت وشوارعها مجرد غبار يومي يخفي ما هو ادهى… فلا المحكمة الدولية وتمويلها وبروتوكولها، ولا الحكومة ومأزقها ومصيرها، ولا الملفات الادارية العالقة او تلك التي يتم استحضارها كـ «شهود الزور»، هي التحدي الاهم على اهميتها. فالسؤال الاخطر، وربما «اليتيم» الذي يواجه الجميع هو: اي لبنان سيكون إذا اصبح النظام في سورية في خبر كان؟

ومن دقق في خطاب الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله ونبرة صوته ووجهه، عندما اطل ليل اول من امس لشرح ملابسات تمويل المحكمة الدولية من حكومة يملك فيها «الإمرة السياسية»، ومن قرأ جيداً الرد المكتوب من الحريري ولهجته وخلاصاته، يكتشف وبلا عناء حجم الهوة، التي إزدادتها الاحداث السورية اتساعاً، بين الرجلين اللذين يمسكان بمصير لبنان ومستقبله في لحظة ذروة الغليان التي تعيشها المنطقة المندفعة نحو تحولات كبرى.

حتى الامس القريب لم يكن خيار التسوية السياسية في الداخل في حسابات «حزب الله»، الذي لم يكن فقد الامل في إمكان تجاوز نظام الرئيس بشار الاسد القطوع. وثمة من يتحدث عن ان الخيار الاكثر رجحاناً على الطاولة كان الذهاب الى حرب اقليمية تعيد خلط الاوراق، لاعتقاد الحزب بأن سقوط الاسد سيصيبه بالموت البطيء الذي لن يسلم به.

وكانت بيروت تضج بمداولات لا تمل عن الاتجاه الفعلي لـ «حزب الله» في اللحظة التي يدرك فيها ان نظام الاسد يتوارى، وسط اسئلة تستهجن إمكان ذهاب الحزب الى «انتحار» لن ينقذ حليفه السوري وقد يفتح عليه ابواب الجحيم، غير ان الحزب بدا في خياراته وكأنه في مكان آخر لا صوت فيه يعلو فوق الاتجاه الى «قلب الطاولة» إذا انقلب النظام في سورية.

والمفارقة الاكثر اثارة للانتباه ان خصوم «حزب الله» ينخرطون في نقاش «مهجوس» باستشراف سبل حماية المرحلة الانتقالية في لبنان من «الحريق السوري»، عبر شبكة امان داخلية، تقود تالياً الى تسوية تاريخية في كنف دولة يجد فيها الجميع مظلته وضمانته، لكن سؤالهم على الدوام: ماذا عن «حزب الله» وخياراته؟

«الاسد انتهى» … هذه العبارة التي سمعها احد اقطاب «14 آذار» من احد اكثر الرؤساء الغربيين اهتماماً بمجريات الاوضاع في المنطقة، ولا سيما في سورية، اشعلت حوارات لا تهدأ حول المرحلة المقبلة في لبنان في ضوء التحول التاريخي المنتظر في سورية، وسط اقتناع بالحاجة الى تفاهم بـ «شروط الدولة» في الداخل، لأن احداً لا يمكنه حكم البلاد بمفرده.

هذا النقاش «المكتوم» جاء في ظل مناخ يزداد تأزماً في البلاد، بين «8 و14 آذار» وبين مكونات حكومة الرئيس ميقاتي عينها، خصوصاً في ضوء تجربة تمويل المحكمة الدولية وملابساتها، وما اثارته من شروخ اضافية، كتلك التي عبّر عنها نصرالله في معرض عتبه المرير لاداء ميقاتي.

وكان السيد نصر الله عبّر في إطلالته العاشورائية عن عتبه على الرئيس ميقاتي الذي قطع التزامات علنية في ما خص المحكمة الدولية من دون العودة إلى شركائه في مؤسسة مجلس الوزراء الدستورية و«أوصل الأمور الى نقطة حادة وغير مناسبة عندما أعلن نيّته الاستقالة في حال عدم التمويل».

واكتسبت الرسائل التي وجّهها الامين العام لـ «حزب الله» اهميتها لانها عكست بوضوح «في الشكل والمضمون» عدم رضى «حزب الله» عن قرار ميقاتي، وان الازمة لم تنته بعدما أبقى نصر الله العيون على المخرج الذي اعتُمد للتمويل (سلفة من حساب الهيئة العليا للاغاثة) والذي شكك في دستوريته داعياً في الوقت نفسه الى تسديد السلفة «من هبات وتبرعات وليس من جيوب اللبنانيين»، وواعداً بانه «إذا ما أعيد أُخذ الملف إلى الحكومة او مجلس النواب فنحن سنرفضها».

وكان لافتاً تأكيد نصر الله، بعد تمسكه بموقفه من ان المحكمة «غير شرعية وهي أميركية – إسرائيلية ومسيّسة وظالمة»، ان «حزب الله» كان سيصوّت في مجلس الوزراء ضد تمويلها طول ادى ذلك الى اسقاط الحكومة»، ليخلص الى انه «حرصاً على الاستقرار السياسي وبقاء الحكومة وتفعليها، لن نوجد مشكلة بالبلد وسنقدم المصلحة الوطنية العليا».

وفي ما بدا «مشروع مشكل» جديد، اكد تأييده كل مطالب العماد ميشال عون المحقة» مذكراً ميقاتي بـ «واجباته» انطلاقاً من «ادبياته التي قال فيها ان وطنيته وسنّيته أدبياته لا تسمح له الا بالتمويل»، مطالباَ اياه بـ «أن وطنيته وسنّتيه تفرض عليه وضع نقطة على جدول مجلس الوزراء بفتح ملف شهود الزور وإصدار قرار مجلس الوزراء لتحويل الملف على المجلس العدلي، وهو امام امتحان في هذا الملف».

عل ان الشق الاكثر «إثارة» في كلام نصر الله تمثّل في الهجوم الحاد على «تيار المستقبل» وزعيمه الرئيس سعد الحريري الذي اتهمه باتباع «سياسة التحريض الطائفي والمذهبي واستغلال حوادث وتوجيه اتهامات لا اساس لها من الصحة لاحداث فتن مذهبية في مناطق معينة»، محذراً من انه «اذا كان احد يخطط للدخول في معركة معنا، من خلال المراهنة على التطورات الاقليمية، فهم واهمون ويستطيعون ان يعرفوا من الآن نتيجة المعركة»، داعياً الى «التعقّل لان طابخ السمّ آكله».

وخلال كلمته التي استمرت نحو ساعة، اظهر ورقة قال انها تتضمن بود «الصفقة» التي عرضت على المعارضة السابقة مقابل إعادة الحريري لرئاسة الحكومة، ومنها «إسقاط المحكمة وتحديداً وقف التمويل وسحب القضاة وإلغاء بروتوكول التعاون مع المحكمة مقابل تسمية الحريري وإعطائه الاكثرية في الحكومة وحماية فريقه الأمني والسياسي في إدارات الدولة، على ان يعقد مؤتمر لوزراء خارجية دول عدة في انقرة وبعده مؤتمر في باريس برئاسة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وحضور وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون لمباركة الاتفاق».
وبرز تأكيده ان «من الظلم اتهام الرئيس بشار الأسد بتعطيل الاتفاق في لبنان» وإن القيادة السورية كانت ترغب في نجاح الوساطة التركية – القطرية.

ولم يتأخّر رد الرئيس الحريري في بيان عبر مكتبه الاعلامي رأى فيه «ان خطاب السيد نصرالله عبّر عن شديد الانزعاج من تمويل المحكمة الدولية»، مشيرا الى «ان نصرالله يدرك أن اعتباره ان التمويل يجب ان يتحقق من اموال الهبات العربية وغير العربية وليس من جيوب اللبنانيين، مجرد كلام لا معنى له ولا قيمة قانونية أو دستورية له، لان التمويل قد حصل وهو ساهم في حصوله، ولان اي هبة تحصل عليها الدولة تتطلب موافقة مجلس الوزراء وتصبح بالتالي جزءا لا يتجزأ من المال العام الذي هو مال الشعب اللبناني».

اضاف الحريري: «الانزعاج يندرج أيضا في سياق العتب على الرئيس ميقاتي وادعاء الصدمة والمفاجأة من خطوة التمويل وطريقته، للانتقال إلى مطالبة رئيس الحكومة بمقايضة تمويل المحكمة بدفتر شروط سياسي وإداري يضع البلاد من جديد في مناخ الاحتقان السياسي».

وسأل: «كيف تغطي قيادة الحزب وأمينه العام ومجلس الشورى فيه تمويل محكمة يقولون أنها اسرائيلية؟ اليس من المنطق ان يقال بعد ذلك ان تمويل محكمة يرددون أنها اسرائيلية هو خيانة وطنية تقتضي إحالة من يغطيها إلى القضاء اللبناني واتهام من يقبل بالبقاء في حكومة تمولها بأنه شاهد زور؟».

وتوجه البيان الى نصرالله بالقول: «لقد أخطأت يا سيد في إطلاق هذا التوصيف بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على صدور قرار التمويل عن حكومة أنت ترعاها»، مؤكدا ان «الحقيقة تبقى أن المحكمة الدولية حصلت على التمويل والف خطاب من مثل هذا الخطاب لن يلغي اعتراف الدولة اللبنانية بالمحكمة ومسارها».

واوضح الحريري انه أراد «المبادرة السعودية – السورية (قبل سقوط حكومته) «على قياس المصالحة الوطنية التي تنقل لبنان من مرحلة الاستئثار بالسلاح وفرض هيمنة السلاح على الحياة الوطنية الى مرحلة قيام سلطة متوازنة، لا يكون فيها هيمنة لفريق على اخر، ولا اي شكل من اشكال استخدام السلاح في فرض الشروط السياسية»، واضاف: «والمبادرة في كل الأحوال انتهت قبل شهور قليلة من سقوط احد ركنيها الرئيسين، وإن الرئيس سعد الحريري في المكان الطبيعي الذي يعبر عن ارادة معظم اللبنانيين ويوفر الحماية المطلوبة لمسار المحكمة والعدالة»، موضحاً ان قرار اسقاط حكومته (في يناير الماضي) «اتُخذ في اجتماع عقد بين السيد نصر الله وبين الرئيس بشار الاسد».



وسام ابو حرفوش -الرأي-

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر